ترك برس

تبدو مصر أقرب من أي وقت مضى إلى الانضمام إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس. لكن القاهرة، التي لا تخفي اهتمامها بالصيغة الجديدة للأمن الإقليمي، لا تبدو مستعدة في الوقت نفسه للدخول في التزامات دفاعية مفتوحة قبل أن تعرف بدقة أين تبدأ مسؤولياتها وأين تنتهي.

وهنا تحديداً تكمن المسألة: التردد المصري لا يعكس اعتراضاً على مبدأ الاتفاق بقدر ما يعكس حرصاً على شروط الانضمام وحدود الالتزام العسكري والسياسي الذي سيترتب عليه.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قال في 13 أغسطس، خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان في العلمين، إن مؤسسات الدولة المصرية تدرس مسألة الانضمام «بجدية»، لكنه شدد على أن الاتفاقات الدفاعية بما تنطوي عليه من التزامات تحتاج إلى دراسة معمقة في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية القائمة.

وجاء ذلك بعد أيام فقط من توقيع تركيا والسعودية وباكستان الاتفاق في مكة، والذي يقوم على مبدأ دفاع جماعي ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الأعضاء اعتداءً على بقية الأطراف. كما يتضمن الاتفاق بناء آليات تنسيق سياسية وعسكرية رفيعة المستوى، وتدريبات مشتركة، وتعاوناً في الصناعات الدفاعية والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير لوكالة "تاس" الروسية.

القاهرة لا ترفض الاتفاق.. لكنها تريد معرفة ثمن الالتزام

الموقف المصري أصبح أكثر وضوحاً مع تصريحات بشير عبد الفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لوكالة «تاس». فبحسب تقديره، لا توجد لدى القاهرة اعتراضات جوهرية تحول دون الانضمام، لكن القيادة المصرية تبحث عن معادلة تسمح لها بالاستفادة من مظلة التعاون الدفاعي الجديدة من دون التخلي عن هامش الحركة المستقل في قرارات الحرب والأمن القومي.

وهذا يفسر طبيعة الأسئلة التي تطرحها القاهرة قبل الحسم.

فالمسألة بالنسبة إلى مصر لا تتوقف عند المبدأ السياسي القائل إن الهجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على الجميع، وإنما تمتد إلى ما سيحدث عملياً إذا تم تفعيل هذا البند: ما طبيعة المساهمة العسكرية المطلوبة؟ وأي أفرع من القوات المسلحة ستشارك؟ وهل يعني الالتزام إرسال قوات مصرية إلى خارج الحدود؟ ومن يملك قرار قيادة أي عملية مشتركة؟ وما حدود صلاحيات القيادة العسكرية التي ستنشأ تحت مظلة الاتفاق؟

وبحسب عبد الفتاح، فإن القاهرة طلبت توضيحات حول بعض هذه الجوانب الفنية والعملياتية قبل اتخاذ قرارها النهائي.

هذه الأسئلة ليست تفصيلية بالنسبة إلى دولة مثل مصر. فالدستور المصري يضع ضوابط خاصة على إرسال القوات المسلحة للقتال خارج أراضي الدولة، ويشترط التشاور مع مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة مجلس النواب بالأغلبية المقررة دستورياً. وبالتالي فإن الانضمام إلى آلية دفاع جماعي يمكن أن تنتج عنها التزامات عسكرية خارج الحدود يفتح تلقائياً ملف العلاقة بين الالتزام الدولي وآليات اتخاذ القرار السيادي داخل الدولة المصرية.

مصر ليست بعيدة عن الثلاثي

لكن الحذر المصري لا يعني أن القاهرة تقف خارج المسار الإقليمي الذي أنتج اتفاق مكة.

قبل توقيع الاتفاق أصلاً، كانت مصر تعمل مع تركيا والسعودية وباكستان ضمن إطار سياسي متنامٍ. ففي يونيو 2026 شارك وزراء خارجية الدول الأربع في اجتماعات مشتركة خصصت للتنسيق بشأن الأزمات الإقليمية، فيما أعلنت الخارجية التركية رسمياً مشاركة فيدان في الاجتماع الرابع لوزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت مصر قريبة سياسياً من الدول الثلاث، بل بما إذا كانت مستعدة لنقل هذا التقارب من التنسيق الدبلوماسي المرن إلى الالتزام الدفاعي المؤسسي.

وهذا فارق بالغ الأهمية.

فالتنسيق السياسي يسمح للقاهرة بالتحرك من ملف إلى آخر وفق مصالحها؛ أما اتفاق الدفاع الجماعي فيخلق توقعات ومسؤوليات لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها. فإذا تعرضت دولة عضو لهجوم، لن يعود السؤال مقتصراً على الموقف السياسي المصري، وإنما قد يمتد إلى نوع المساعدة التي يتعين تقديمها ومدى إلزاميتها وطبيعة المشاركة العسكرية المحتملة.

ولهذا يبدو أن القاهرة تريد أن تعرف أولاً ما إذا كان اتفاق مكة يمنح الدول الأعضاء مرونة في تحديد شكل الاستجابة لكل أزمة، أم أنه يقود بصورة شبه تلقائية إلى التزام عسكري مشترك.

لماذا تريد الأطراف الثلاثة مصر؟

في المقابل، فإن اهتمام تركيا بانضمام مصر ليس مجرد رغبة في زيادة عدد الدول الأعضاء.

فالقاهرة تحمل وزناً عسكرياً وجغرافياً يجعل دخولها قادراً على تغيير طبيعة الاتفاق نفسه. مصر تطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر وتتحكم بقناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، كما أن موقعها يربط شمال أفريقيا بشرق المتوسط والبحر الأحمر.

وإذا كان اتفاق مكة يتطور بالتوازي مع محاولات بناء ترتيبات أمنية إقليمية لحماية البحر الأحمر ومسارات الملاحة، فإن انضمام مصر سيمنح هذه الهندسة اتصالاً جغرافياً أكبر بين شرق المتوسط وباب المندب والخليج. تركيا أعلنت بالفعل أن الاتفاق مفتوح للتوسع، وجرى الحديث صراحة عن مصر باعتبارها مرشحاً محتملاً للانضمام.

كما أن القاهرة تمتلك علاقات وثيقة مع الأطراف الثلاثة. فالعلاقات المصرية-السعودية تمثل أحد المحاور التقليدية في النظام العربي، بينما شهدت العلاقات مع تركيا خلال السنوات الأخيرة مساراً متسارعاً نحو إعادة بناء الشراكة السياسية والاقتصادية. وخلال زيارة فيدان إلى مصر في 13 و14 أغسطس، عقد البلدان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة ووقعا اتفاقات جديدة، في مؤشر إضافي إلى مستوى التقارب بين القاهرة وأنقرة.

بين الردع الجماعي واستقلال القرار

لكن ما تريده مصر من أي بنية أمنية إقليمية قد يكون مختلفاً قليلاً عما تحتاجه الدول المؤسسة للاتفاق.

القاهرة تؤيد، من حيث المبدأ، بناء قدرة إقليمية أكبر على احتواء الأزمات، لكنها تحرص تقليدياً على عدم ربط قرارها العسكري بصورة آلية بحسابات دولة أخرى. وهذا يصبح أكثر حساسية في منطقة تتداخل فيها جبهات شديدة التعقيد، من الخليج وإيران إلى اليمن والبحر الأحمر، ومن شرق المتوسط إلى جنوب آسيا.

فانضمام مصر إلى اتفاق يضم باكستان، مثلاً، يطرح بصورة نظرية سؤالاً عن حدود المسؤولية المصرية في حال اندلاع أزمة مرتبطة بالهند. وفي المقابل، فإن أي تصعيد كبير في الخليج أو مواجهة مرتبطة بإيران قد يثير السؤال نفسه بشأن طبيعة الالتزام المصري.

ولهذا فإن القاهرة، في ما يبدو، تريد صيغة تجعل الأمن الجماعي أداة لتعزيز الردع، لا آلية لسحب الدول الأعضاء بصورة تلقائية إلى حروب لم تشارك في قرارها السياسي.

والاتفاق نفسه يترك مساحة للنقاش حول هذه النقطة. فقد أوضح الجانب التركي أن تفعيل مبدأ الدفاع المشترك سيستلزم مشاورات بين الأطراف لتحديد طبيعة الدعم المطلوب للدولة التي تتعرض للهجوم، وهو ما يعني أن التفاصيل التنفيذية ستكون حاسمة في تحديد مقدار المرونة التي سيحتفظ بها كل عضو.

القرار المصري قد يحدد مستقبل اتفاق مكة

لهذا لا ينبغي النظر إلى التأخر المصري باعتباره ابتعاداً عن الاتفاق.

بل على العكس، يمكن اعتبار مرحلة الدراسة الحالية أول اختبار حقيقي لقدرة «اتفاق مكة» على التحول من تفاهم بين ثلاث دول إلى نواة لنظام أمني إقليمي أوسع.

فإذا استطاعت الدول المؤسسة تقديم صيغة واضحة لمسائل القيادة، وانتشار القوات، وآليات اتخاذ القرار، وشروط تفعيل الدفاع المشترك، فقد تصبح العقبات أمام القاهرة أقل بكثير. أما إذا بقيت هذه الملفات مفتوحة أو حملت التزامات واسعة وغير محددة، فمن المرجح أن تتمسك مصر بموقع الشريك القريب من الاتفاق من دون أن تصبح عضواً كامل الالتزام فيه.

حتى الآن، الموقف الرسمي المصري هو الدراسة وليس الرفض، فيما تؤكد الدول الموقعة أن الباب ما يزال مفتوحاً لانضمام أعضاء جدد.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تريد مصر الانضمام إلى اتفاق مكة؟

الأقرب أن القاهرة ترى بالفعل قيمة استراتيجية في الاقتراب من هذه البنية الجديدة.

السؤال الأكثر دقة هو: هل يستطيع اتفاق مكة أن يمنح مصر ضمانات الأمن الجماعي من دون أن ينتزع منها حرية القرار؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، على الأرجح، ما إذا كانت القاهرة ستصبح العضو الرابع في الاتفاق، أم ستختار البقاء على مسافة تسمح لها بالشراكة مع الثلاثي من دون الالتزام الكامل بقواعده.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!