
ترك برس
من إدلب إلى دمشق، ثم إلى قنوات التواصل مع أنقرة وواشنطن ولندن، صعد أحمد الشرع عبر مسار جمع بين القوة العسكرية والبراغماتية السياسية. وبين فرضية «الصناعة الاستخباراتية» وواقع التحولات الإقليمية، يطرح مساره سؤالاً أعمق: هل صنعته القوى الكبرى، أم أنه أحسن قراءة موازينها واستثمار تناقضاتها؟
وفي مقال له على حسابه بمنصة "إكس"، قال الكاتب أحمد الرشيد إنه حين وصل رجب طيب أردوغان إلى الحكم في تركيا، لم يكن خصومه العلمانيون وحدهم من اتهموه بأنه مشروع للنظام الدولي؛ بل جاءت بعض أشد الاتهامات من داخل المدرسة الإسلامية التي خرج منها، مدرسة نجم الدين أربكان و«ملّي غوروش»، التي مثلها حزب الرفاه ثم حزب السعادة.
وأضاف: كان الخلاف أعمق من منافسة حزبية. فقد رأى قطاع من مدرسة أربكان أن الغرب، وبعد أن وجد صعوبة في التفاهم مع أربكان ومشروعه، بحث عن صيغة إسلامية أخرى: تحتفظ بالقاعدة المحافظة، لكنها أكثر قدرة على التفاهم مع الولايات المتحدة وأوروبا والنظام الدولي.
وفيما يلي تتمة المقال:
وقد عبّر رئيس حزب السعادة السابق تمل قره ملا أوغلو عن هذه الرؤية بصورة صريحة، حين ربط صعود أردوغان بالاهتمام الأمريكي المبكر به وبمشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وذهب إلى أن الدوائر الغربية التي لم تستطع استيعاب أربكان وجدت في أردوغان نموذجًا آخر يمكن التعامل معه.
ومع مرور أكثر من عقدين، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا من المعادلة البسيطة: «الغرب تعامل معه، إذن الغرب صنعه».
فأردوغان كان ابن تجربة سياسية إسلامية تركية حقيقية، وله قاعدة انتخابية وتنظيمية، وخاض صراعات قاسية مع قوى غربية في مراحل مختلفة، مع أنه في الوقت نفسه تفاهم معها في مراحل أخرى، وبقيت تركيا عضوًا في الناتو.
وهذه التجربة تصلح مدخلًا مهمًا لمناقشة السؤال الذي يتكرر اليوم بصورة أكبر حول أحمد الشرع:
هل الرجل صناعة بريطانية أمريكية؟ وهل أعادت أجهزة غربية إنتاج أبي محمد الجولاني لكي يصبح أحمد الشرع، ثم فتحت له الطريق إلى دمشق؟
السؤال مشروع، لا سيما بعد المعلومات التي ظهرت عن اتصالات مبكرة، ودور مؤسسات وشخصيات بريطانية وأمريكية في التواصل معه، ثم السرعة المذهلة التي انتقل بها الرجل من قوائم الإرهاب والمكافأة الأمريكية إلى القصور الرئاسية والعواصم الغربية.
مشروعية السؤال لا تعني صحة الإجابة.
فثمة فارق هائل بين أن تصنع رجلًا، وأن تحتويه بعد أن أصبح قوة، وأن تتفاوض معه لأنه أصبح رقمًا لا يمكن تجاوزه.
وهذه الفوارق الثلاثة هي مفتاح فهم قصة أحمد الشرع.
نشأ الرجل ثورياً وعسكريًا داخل البيئة الجهادية التي انفجرت بعد الغزو الأمريكي للعراق. ارتبط بالقاعدة في العراق، ثم عاد إلى سوريا وأسس جبهة النصرة، ودخل في العلاقة المعقدة المعروفة مع أبي بكر البغدادي ثم أيمن الظواهري، قبل أن يبدأ مسيرة طويلة انتهت بفك الارتباط العلني بالقاعدة وإعادة بناء المشروع تحت عناوين سورية محلية وصولًا إلى هيئة تحرير الشام.
ثم صنفته الولايات المتحدة في 2013 إرهابيًا عالميًا، ثم أعلنت في 2017 مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يقدم معلومات تقود إليه.
فمن يدعي أن الرجل كان مشروع CIA أو MI6 منذ البداية، عليه أن يقدم دليلًا يتناسب مع حجم الادعاء. لا تكفي المصادفات، ولا يكفي ما حدث بعد عشر سنوات لإثبات ما كان يحدث قبلها.
لكن القضية لا تنتهي عند هذا الحد. فالسؤال الأكثر إثارة ليس: هل صنع الغرب الجولاني؟ بل: متى بدأ الغرب يتعامل معه باعتباره مشروعًا سياسيًا يمكن احتواؤه؟ وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.
أهم ما ظهر في هذا السياق جاء من روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا، وليس من خصوم الشرع أو الإعلام الإيراني والروسي.
تحدث فورد في 2025 عن منظمة بريطانية غير حكومية بدأت منذ 2023 الاستعانة به في مسار يتعلق بالشرع، بهدف المساعدة في نقله من عالم الجهاد والإرهاب إلى عالم السياسة.
وربطت تقارير لاحقة المؤسسة المذكورة بمنظمة Inter Mediate البريطانية التي أسسها جوناثان باول، رئيس موظفي توني بلير السابق، والذي أصبح لاحقًا مستشار الأمن القومي البريطاني.
فنحن لسنا أمام صحفي زار إدلب، ولا باحث أكاديمي جاء لدراسة هيئة تحرير الشام، بل أمام سفير أمريكي سابق في سوريا ومؤسسة بريطانية متخصصة في الوساطات السياسية، أسسها رجل شديد القرب من قلب المؤسسة السياسية البريطانية.
والأهم أن الحديث يدور عن 2023؛ أي قبل سقوط دمشق. لكن ماذا تثبت هذه الواقعة؟ من يريد إثبات نظرية «الصناعة» يقول: هذه بداية الدليل على أن الغرب كان يعد الرجل للمرحلة المقبلة.
لكن القراءة الأكثر تحفظًا تقول شيئًا آخر: إنها تثبت أن عملية إعادة تعريف الجولاني في العقل السياسي الغربي كانت قد بدأت قبل وصوله إلى دمشق، لكنها لا تثبت أن ذلك العقل هو الذي صنع الجولاني أصلًا أو صنع قوته العسكرية والاجتماعية. وهذا فارق جوهري.
فالولايات المتحدة وبريطانيا لم تكونا بحاجة إلى صناعة الرجل من الصفر لكي تقررا لاحقًا التعامل معه. الدول الكبرى تفعل ذلك باستمرار ، تراقب القوة الصاعدة، ثم تسأل: هل نستطيع القضاء عليها؟ هل نحتويها؟ هل نعدل سلوكها؟ هل يمكن تحويلها من خطر إلى شريك؟
هنري كيسنجر ومدرسة الواقعية السياسية يقدمان مفتاحًا لفهم هذا السلوك؛ فالدول لا تبني سياساتها الخارجية على السيرة الأخلاقية للأفراد، بل على موازين القوى والمصالح. إذا أصبح خصم الأمس قادرًا على أداء وظيفة تخدم استقرارًا تريده الدولة الكبرى، فإن تعريفه السياسي يمكن أن يتغير. وهذا ما حدث بصورة مذهلة مع الشرع. كان الرجل في 2017 مطلوبًا بعشرة ملايين دولار. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024 جلس معه مسؤولون أمريكيون في دمشق.
ثم أُوقفت المكافأة. ثم بدأت منظومة العقوبات تتراجع. ثم تغير تصنيف هيئة تحرير الشام. فتحت بريطانيا علاقاتها مع دمشق. ثم أزيلت الهيئة من قائمة الحظر البريطانية. ثم رُفعت القيود عن الشرع. ثم أصبح الرجل الذي كانت الوثائق الغربية تضعه في منظومة القاعدة يُستقبل بوصفه رئيسًا لسوريا. هذا تحول هائل ، لكنه يثبت بصورة أوضح إعادة إنتاج الشرعية أكثر مما يثبت صناعة الرجل. إذن مالذي تغير ؟
الذي تغير هو الموقع السياسي للرجل ومعنى التعامل معه في ميزان المصالح. وفي الحالة البريطانية تحديدًا، توجد وقائع تستحق التوقف. أقرت لندن في أواخر 2024 بوجود اتصال دبلوماسي مع هيئة تحرير الشام، وتحدث وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي عن استخدام القنوات الاستخباراتية المتاحة عند الحاجة.
وفي مارس/آذار 2026 نشرت رويترز، استنادًا إلى خمسة مصادر، معلومات عن طلب تركي -نفته أنقرة لاحقًا- بأن يؤدي MI6 دورًا أكبر في ترتيبات حماية الشرع بعد محاولات اغتياله، مع حديث عن تعاون وتبادل استخباري بين جهات بريطانية وتركية وسورية. وهذه معلومة لافتة، لكنها مرة أخرى تخص حماية رئيس قائم، ولا تثبت أن الجهاز البريطاني أنشأ مشروعه قبل عشر سنوات.
أما إذا بحثنا عن القوة الخارجية الأكثر تأثيرًا في البيئة التي سمحت لمشروع هيئة تحرير الشام بالبقاء والنمو قبل الوصول إلى دمشق، فإن تركيا تبدو أكثر حضورًا من بريطانيا والولايات المتحدة. إدلب بقيت سنوات داخل توازن تركي-روسي معقد، والوجود العسكري التركي، وترتيبات وقف إطلاق النار، والحدود، والتجارة، والاقتصاد، والعلاقات السياسية والأمنية، كلها صنعت بيئة لا يمكن تفسير تجربة هيئة تحرير الشام بمعزل عنها.
لكن الشرع فعل خلال تلك السنوات شيئًا أكثر أهمية من مجرد البقاء. انتقل من قيادة تنظيم إلى بناء سلطة ، تعامل مع منافسيه، وحاصر من لم يتفق معه في مشروعه الذي يمكن أن يهدده ، وبنى أجهزة أمنية ومؤسسات وإدارة، وراكم خبرة في الحكم، وحاول تدريجيًا احتكار القوة داخل المجال الذي يسيطر عليه. وهنا يبدو ابن خلدون أكثر فائدة من كثير من نظريات المؤامرة. فالجماعة عند ابن خلدون لا تصل إلى الملك بالشعار وحده، وإنما بالعصبية والغلبة والقدرة على تحويل القوة الاجتماعية والعسكرية إلى سلطان.
وهذا ما كان يحدث في إدلب .. كان الرجل ينتقل من منطق الجماعة إلى منطق الدولة. ثم جاءت اللحظة التي لم يتوقعها كثيرون. انهار النظام. وهنا تحديدًا ولدت عند قطاع واسع مقولة: لا يمكن أن يكون هذا طبيعيًا. فالتحرير نفسه بدا أقرب إلى المعجزة.
نظام حكم سوريا أكثر من نصف قرن، ونجا من ثلاثة عشر عامًا من الثورة والحرب، ودخلت لإنقاذه روسيا وإيران وحزب الله وميليشيات عابرة للحدود، انهار خلال أيام، وسقطت حلب ثم حماة ثم حمص، ووصلت القوى المقاتلة المتحالفة إلى دمشق بسرعة أذهلت حتى المتابعين ، بعض الناس لم يستطع تصديق ما حدث. وحين يعجز الإنسان عن تفسير حدث استثنائي بتراكماته السابقة، يبحث عن تفسير بحجم المفاجأة: لا بد من صفقة. لا بد أن الطريق فُتح له. لا بد أنه عميل. لا بد أنه صناعة استخباراتية. لكن غرابة الانتصار ليست دليلًا على المؤامرة. فالناس شاهدوا الأيام التي سقط فيها النظام، لكن كثيرين لم يشاهدوا السنوات التي سبقتها.
لم يروا بالضرورة إعادة بناء القوة العسكرية، وتطوير أدوات القتال والطائرات المسيّرة، وضبط الفصائل، وتكوين الأجهزة، وإدارة إدلب، وتحجيم المنافسين، وإعادة تشكيل الخطاب، وبناء العلاقات مع القوى الإقليمية، ومحاولة فهم المجتمع الدولي. والتاريخ مليء بدول بدت راسخة حتى اللحظة الأخيرة، ثم انهارت بسرعة مذهلة. وهذه إحدى إشارات ابن خلدون الدقيقة؛ فالدولة قد تحمل أسباب انهيارها داخلها زمنًا طويلًا، بينما يبقى ظاهرها متماسكًا، حتى تأتي القوة الصاعدة فتدفع البناء المتآكل فيسقط كله دفعة واحدة. لذلك فإن سرعة السقوط لا تعني أن القوة التي أسقطته صُنعت في اليوم السابق.
وأنا شخصياً أعرف منذ نحو عام 2015 أشخاصًا كانوا ينظرون إلى الجولاني بطريقة مختلفة عن الصورة السائدة عنه آنذاك. كانوا يرون فيه قائدًا ذا مشروع يتجاوز حدود جماعة جهادية تقاتل في شمال سوريا، وكان بعضهم يتوقع أن يكون له شأن كبير، بل كان بعضهم يستخدم لغة أكثر حماسة ويتحدث عنه بوصفه قائدًا قد يكون «الفاتح» في نهاية المطاف. كان ذلك قبل سقوط دمشق بنحو تسع سنوات. وقبل حديث روبرت فورد عن مسار 2023. وقبل أن يصبح الجولاني أصلًا شخصية يستطيع مسؤول أمريكي أو بريطاني اللقاء بها علنًا من دون أن يتحول اللقاء إلى فضيحة سياسية.
ولا أورد ذلك تزكية للرجل، ولا بوصفه نبوءة تثبت شيئًا، بل للإشارة إلى حقيقة مهمة: قراءة الجولاني بوصفه مشروع قائد أكبر من حدود النصرة لم تبدأ في لندن وواشنطن. رؤية من الداخل
كان هناك من يتابع تجربته من داخل المشهد السوري منذ سنوات مبكرة ويرى في شخصيته وطريقة إدارته وطموحه وقدرته على المناورة شيئًا مختلفًا. ومن الخطأ بعد أن أصبح الرجل رئيسًا أن نقرأ كل تاريخه إلى الخلف، وكأن كل خطوة منذ العراق كانت بالضرورة إعدادًا للقصر الجمهوري.
في 2015 كانت أمام الجولاني عشرات النهايات الممكنة. كان يمكن أن تقتله غارة أمريكية. وكان يمكن أن ينتهي في الصراع مع تنظيم الدولة. وكان يمكن أن تفتك به خلافاته مع القاعدة. وكان يمكن أن تهزمه الفصائل المنافسة. وكان يمكن أن يبقى أميرًا محليًا محاصرًا في إدلب حتى نهاية عمره. لكن احتمالًا آخر تحقق. وهنا نصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية في الرد على شبهة «الصناعة».
ربما كان ما فعله الشرع وفريقه -ومن بينهم أسعد الشيباني وعبد الرحيم عطون- أبسط وأكثر سياسية مما تفترضه نظرية المؤامرة: لقد انفتحوا على الغرب لأنهم أدركوا أن مشروع تحرير الشام، إذا أراد الانتقال من تحرير الأرض إلى بناء الدولة، لا يمكن أن يتحرك خارج تفاهمات مع القوى الإقليمية والدولية. هذه ليست بالضرورة عمالة ، إنها قراءة لموازين القوى ، وهنا يظهر الفارق بين عقل التنظيم وعقل الدولة ، التنظيم يستطيع بناء شرعيته على العقيدة والأنصار والسلاح، بينما الدولة تحتاج كذلك إلى الحدود والتجارة والمصارف والاعتراف الدبلوماسي والاستثمار والمطارات والعلاقات الدولية. ومن يريد الانتقال من إدلب إلى دمشق لا يكفي أن يعرف كيف يكسب المعركة. عليه أن يعرف كيف يمنع القوى الكبرى من إفشال انتصاره في اليوم التالي.
وهذا، في تقديري، مفتاح مهم لفهم الشيباني وعطون والشرع. يبدو أنهم أدركوا مبكرًا أن تحرير دمشق عسكريًا مع بقاء أمريكا وأوروبا وتركيا والدول العربية مجتمعة ضدهم قد يحول الانتصار نفسه إلى حصار. فكان عليهم فتح الأبواب قبل الوصول ، وكان عليهم إقناع الخارج بأن مشروعهم لم يعد مشروع القاعدة العالمي، وإنما مشروع سوري محلي ، وكان عليهم طمأنة تركيا ، وفتح مساحات مع العرب ، وفهم الأمريكيين ، والحديث مع الأوروبيين. وتقديم إجابات عن الأقليات والجهاد العالمي والإرهاب والسلاح والدولة والعلاقات الخارجية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة لقاءات روبرت فورد والمؤسسة البريطانية بطريقة مختلفة تمامًا. فصاحب المشروع قد يتفاوض مع خصمه لتحييده ، وقد يقدم تنازلات تكتيكية ، وقد يعيد ترتيب أولوياته. وقد يقبل بقواعد دولية لا يحبها لأنه لا يستطيع تغيير العالم كله قبل أن يبني دولته. والتاريخ الإسلامي والسياسي مليء بذلك. الهدنة ليست ولاءً. والتفاوض ليس تبعية. والتفاهم مع قوة كبرى لا يعني بالضرورة أن تلك القوة هي التي صنعتك.
وفي التجارب المعاصرة عبرة. حاربت طالبان الولايات المتحدة عشرين عامًا، ثم جلست معها سنوات في الدوحة، وانتهت المفاوضات إلى اتفاق فبراير/شباط 2020 .. لم يقل عاقل إن مجرد تفاوض طالبان مع واشنطن يعني أن CIA صنعت طالبان. بل كان الطرفان يعترفان بحقيقة سياسية: هناك ميزان قوة، ولا يستطيع أحدهما تحقيق كل أهدافه بالقوة وحدها.
الأمر نفسه ينبغي تطبيقه على الشرع. ليس السؤال الجاد: هل التقى الأمريكيين والبريطانيين؟ نعرف أنه فعل. السؤال: ماذا أعطاهم وماذا أخذ منهم؟ هل كانت تلك التفاهمات وسيلة لتحييد القوى الكبرى عن مشروع إسقاط الأسد؟ هل كان الانفتاح ثمنًا ضروريًا لمنع حصار سوريا الجديدة؟ أم أن التفاهمات تجاوزت ذلك إلى فرض قيود تمس جوهر استقلال القرار السوري؟ هنا يقع الاختبار.
فالانفتاح على الغرب ليس دليل عمالة، مثلما أن الصراخ ضد الغرب ليس دليل استقلال. المعيار هو استقلال القرار حين تتعارض المصالح. قد يملأ نظام إعلامه عشرين عامًا بشعارات الموت لأمريكا، بينما تتحكم تفاهمات القوى الكبرى في مساحات واسعة من حركته. وقد يجلس قائد حركة تحرر مع الأمريكيين ثم يقول لهم «لا» عندما يصل التفاوض إلى جوهر مشروعه. ومن هنا لا يجوز تحويل شهادة روبرت فورد أو Inter Mediate أو الاتصالات البريطانية إلى دليل إدانة أكبر مما تسمح به الوقائع ، هي أدلة على اتصال وتفاوض وإعادة تقديم ومحاولة احتواء.
أما أنها تثبت أن MI6 التقط الجولاني منذ العراق، وصنع النصرة، ثم هيئة تحرير الشام، ثم أعد الرجل سنوات كي يضعه في دمشق؛ فهذه قفزة لا تحملها الأدلة المتاحة حتى الآن. الاسئلة الجوهرية الشرع وفريقه لم يصلوا إلى دمشق لأنهم لم يفهموا العالم، بل ربما وصلوا إليها لأنهم فهموا مبكرًا أن إسقاط النظام يحتاج إلى قوة، بينما المحافظة على نتيجة الإسقاط تحتاج إلى سياسة.
كان عليهم أن ينتقلوا من فقه الجماعة إلى فقه الدولة، ومن حساب الحلال والحرام السياسي المبسط الذي يحكم التنظيمات المغلقة إلى حساب المصالح والمفاسد وموازين القوى، ومن سؤال «من معنا ومن ضدنا؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «من نستطيع تحييده؟ ومن نتفاهم معه؟ ومن نؤجل الصدام معه؟». وهذا هو جوهر السياسة منذ الماوردي وابن خلدون إلى الواقعيين المعاصرين. ليس النجاح في أن تحارب أكبر عدد من الخصوم في اللحظة نفسها. النجاح أحيانًا أن تقلل عدد الذين يريدون منعك من الوصول إلى هدفك.
ولذلك فإن التحرير الذي بدا لبعض الناس معجزة، ودفعهم إلى القول فورًا: «إذن الرجل عميل»، يمكن تفسيره بصورة أقل إثارة وأكثر عقلانية: تراكم عسكري وتنظيمي طويل، وانهيار عميق في معسكر النظام، وتحولات إقليمية كبرى، وقيادة للمعارضة أحسنت اختيار اللحظة، وفريق سياسي فهم أن الطريق إلى دمشق لا يمر من الجبهات وحدها، بل من أنقرة والدوحة والعواصم العربية، ومن حساب موقف واشنطن ولندن وموسكو أيضًا. وهذا كله لا يمنح الشرع صك براءة مفتوحًا، ولا يعني أن كل ما قدمه للخارج كان صحيحًا، ولا أن المستقبل لن يكشف تفاهمات لا نعرفها اليوم.
لكنه يعني أن الحكم يجب أن يبنى على الدليل، لا على الدهشة. وأن من حقنا أن نسأل عن كل اتصال وتفاهم وتنازل، وأن نفتش في علاقة الشرع بالولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا، لكن دون تحويل الشك إلى حقيقة قبل قيام الدليل.
فالسياسة ليست أن ترفض الحديث مع القوى الكبرى، بل أن تعرف لماذا تتحدث معها ؟، وماذا تريد منها؟، وماذا ترفض أن تعطيها ؟ وهنا سيكون الامتحان الحقيقي لأحمد الشرع وفريقه: ليس في أنهم فتحوا قنوات مع الغرب قبل دمشق أو بعدها، وإنما في قدرتهم على المحافظة على استقلال القرار السوري عندما تتعارض مصلحة سوريا فعلًا مع مطالب واشنطن ولندن، وقبل ذلك مع مطالب إسرائيل. عند تلك اللحظة سيكون الحكم أكثر عدلًا: هل كانت التفاهمات وسيلةً في يد مشروع تحرير سوريا وبناء دولتها؟، أم أصبح المشروع نفسه أسيرًا للتفاهمات؟
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











