
ترك برس
في قلب الأناضول، حيث تلتقي الطبيعة البرية بتاريخ الحضارات القديمة، يمتد وادي إهلارا كواحد من أعظم الوديان الكهفية في العالم. هذا الوادي الساحر، الذي يُلقب بـ«جوهرة كابادوكيا»، يجمع بين الجمال الطبيعي الخلاب والإرث الروحي العميق، ليقدم لزواره تجربة فريدة تجمع بين المشي في أحضان الطبيعة واستكشاف الكنائس المنحوتة في الصخور منذ قرون.
يقع الوادي ضمن حدود قضاء غوزلي يورت في ولاية أكساراي التركية، على بعد نحو 40 كيلومتراً من مركز المدينة، وعلى السفوح الشمالية الشرقية لجبل حسن الشامخ. ومع كل خطوة ينزلها الزائر على درجاته الـ382، يدخل عالماً آخر يروي قصصاً من العصور المسيحية الأولى والطبيعة البركانية التي شكلت هذه التحفة الجيولوجية.
تشكّل وادي إهلارا قبل آلاف السنين نتيجة ثوران بركان جبل حسن، الذي غطى المنطقة بطبقات من الصخور البركانية الناعمة. ثم جاءت مياه نهر ميلنديز لتتحت هذه الطبقات عبر العصور، لتشكل وادياً عميقاً يصل ارتفاعه في بعض النقاط إلى 120 متراً، ويمتد طوله إلى 14 كيلومتراً من بلدة إهلارا مروراً ببيليسيرما ويابراك حصار وصولاً إلى سليم.
أطلق السكان القدامى على المنطقة اسم «بيريستريما»، أي «شعب الماء المتدفق بشكل دائري»، نسبة إلى انحناءات النهر التي تمنح الوادي طابعه المميز. هذا التشكيل الجيولوجي الفريد، إلى جانب الغطاء النباتي الكثيف والمياه الجارية، جعله ملاذاً آمناً ومكاناً مثالياً للعيش والتعبد منذ العصور القديمة.
منذ القرن الرابع الميلادي، تحول وادي إهلارا إلى أحد أهم المراكز الدينية في تاريخ المسيحية المبكرة. فقد لجأ إليه الرهبان والقديسون بحثاً عن العزلة والحماية، ونحتوا في جدرانه الصخرية عشرات الكنائس والأديرة والغرف السكنية. من بين الشخصيات البارزة التي ارتبطت بالمنطقة القديس باسيليوس القيصري والقديس غريغوريوس النزيانزي، اللذان وضعا أسساً جديدة للتنظيم الرهباني واللاهوت.
ووفقاً للمصادر الرسمية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية ومديرية الثقافة والسياحة في أكساراي، يحتوي الوادي على نحو 105 كنائس، منها 14 فقط مفتوحة حالياً للزوار، أبرزها: كنيسة أغاجالتي (تحت الشجرة)، وسومبوللو، وييلانلي (كنيسة الثعبان)، وكوكار، وبورنلي سكي، وإغري تاش، وديريكلي، وسانت جورجيوس، وكارا غيديك، وآلا، وبيزير هانه، وباهاتين سامانليغي، وباتكين.
تتميز الكنائس القريبة من مدخل إهلارا بتأثيرات شرقية واضحة في رسوماتها الجدارية، بينما تحمل تلك الموجودة قرب بيليسيرما طابعاً بيزنطياً كلاسيكياً. هذه اللوحات الجدارية الملونة، التي نجت من عوامل الزمن، تصور مشاهد من الإنجيل وحياة القديسين، وتُعد شاهداً حياً على فن التصوير في العصور البيزنطية.
كما كشفت الحفريات عن مومياوات للقطط تعود إلى القرنين العاشر والثالث عشر، محفوظة اليوم في متاحف أكساراي ونيغدة، مما يعكس تأثيرات ثقافية قديمة مشابهة للتقاليد المصرية.
يُعد الوادي اليوم موقعاً أثرياً رسمياً تابعاً لوزارة الثقافة والسياحة التركية، وهو مدرج ضمن مناطق الحماية البيئية الخاصة منذ عام 1990. يستقطب سنوياً مئات الآلاف من الزوار المحليين والأجانب، الذين يأتون للاستمتاع بمسارات المشي التي تتراوح أطوالها بين 3.5 و7 و14 كيلومتراً، وسط أصوات مياه نهر ميلنديز وأشجار الحور والفستق.
وفي عام 2024، افتتحت بلدية أكساراي «الشرفة الزجاجية» بإشراف وزير الثقافة والسياحة، لتوفر إطلالة بانورامية مذهلة على الوادي من ارتفاع 150 متراً، مع مرافق خدمية متكاملة.
تجدر الإشارة إلى أن المدخل الرئيسي (البوابة رقم 2 عند رأس الوادي) مغلق حالياً لأعمال الترميم منذ 28 كانون الثاني/يناير 2023. لذا يُنصح الزوار باستخدام مدخل بيليسيرما أو المدخل رقم 1. يعمل الموقع يومياً من الساعة 8:30 صباحاً حتى 19:00 مساءً (مع إغلاق شباك التذاكر في الساعة 18:15 تقريباً)، ويُقبل فيه بطاقة «موزه كارت» للمواطنين الأتراك.
وادي إهلارا ليس مجرد معلم سياحي، بل هو دعوة مفتوحة لاكتشاف التناغم بين الطبيعة والتاريخ، حيث تهمس الصخور بقصص القديسين، ويجري النهر شاهداً على عصور مضت. إنه مكان يستحق الزيارة لكل من يبحث عن الهدوء والجمال والإرث الإنساني العريق في قلب تركيا.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











