ترك برس

تشهد العلاقات التركية اليونانية مرحلة جديدة من التوتر الكامن، بعد نحو عامين من الهدوء النسبي الذي أعقب "إعلان أثينا" عام 2023، إذ لا تزال القنوات الدبلوماسية بين أنقرة وأثينا مفتوحة، في وقت بدأت فيه تحركات قانونية وإدارية وعسكرية جديدة في بحر إيجه وشرق المتوسط، بما يجعل المشهد أكثر هشاشة مع حلول صيف 2026.

ويرى المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قندمير، في تحليل نشره موقع "إندبندنت تركية"، أن فهم التطورات الراهنة لا يمكن اختزاله في مفهوم واحد، معتبرا أن المسألة الأساسية تتمثل في استخدام الغموض الاستراتيجي والوضوح الاستراتيجي في الوقت نفسه.

وبحسب قندمير، يمكن قراءة الموقف التركي بصورة عامة على أساس معادلة تقوم على "الوضوح بشأن العتبة، والغموض في شكل الرد". ويستشهد في هذا السياق بقرار البرلمان التركي الصادر عام 1995، والذي اعتبر أن إقدام اليونان على توسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى أكثر من 6 أميال بحرية يشكل سببا للحرب.

لكن الكاتب يلفت إلى أن تركيا لم تعلن في المقابل بصورة واضحة طبيعة الرد العسكري أو السياسي الذي يمكن أن تتخذه في حال إقدام اليونان على مثل هذه الخطوة، وهو ما يبقي شكل الرد المحتمل في إطار الغموض.

أثينا.. وضوح في الحق وغموض في التوقيت

ويرى قندمير أن النهج اليوناني يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ تؤكد أثينا بصورة واضحة تمسكها بما تعتبره حقا مستمدا من القانون الدولي في توسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا، لكنها لا تحدد متى وأين يمكن أن تستخدم هذا الحق في بحر إيجه.

وينقل الكاتب عن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس قوله مطلع سبتمبر/أيلول إن بلاده تستطيع استخدام هذا الحق "متى وكيف" ترى ذلك مناسبا.

ويعتبر قندمير أن النقطة المهمة هنا هي أن كلا الطرفين يترك مساحة تجعل حسابات الطرف الآخر أكثر صعوبة.

فأنقرة، بحسب تحليله، تحاول الحفاظ على الردع من خلال إبقاء شكل ردها غير محدد، بينما توسع أثينا هامش حركتها عبر توضيح الحق الذي تتمسك به، مع إبقاء توقيت استخدامه غير معلن.

ويطرح الكاتب سؤالا حول ما إذا كان هذا النهج ينتج الاستقرار أم يؤجل الأزمة، مشيرا إلى أن التجارب التاريخية تظهر إمكانية حدوث الأمرين.

من أزمة كارداك إلى شرق المتوسط

ويستشهد قندمير بأزمة جزر كارداك عام 1996، معتبرا أنها أظهرت أن الغموض، عندما يستخدم بصورة منضبطة، يمكن أن يوفر للطرفين مجالا للتراجع.

في المقابل، يرى أن أزمة شرق المتوسط عام 2020 قدمت صورة مختلفة، إذ أدى الاحتكاك المكثف بين العناصر العسكرية إلى زيادة مخاطر سوء الحسابات.

ويشير في هذا السياق إلى حادثة الاحتكاك بين الفرقاطات التركية واليونانية، معتبرا أنها أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن يتحول بها احتكاك تقني إلى أزمة استراتيجية.

لكن الكاتب يرى أن المنافسة الحالية تختلف عن أزمات الماضي من حيث إنها لم تعد تدور فقط حول السفن الحربية والطائرات المقاتلة، بل امتدت إلى مجالات جديدة، من بينها الحدائق البحرية، والتخطيط المكاني البحري، والتنظيمات البيئية، ومشاريع الطاقة.

الحدائق البحرية.. صراع يتجاوز المجال العسكري

ويلفت قندمير إلى إعلان تركيا في أغسطس/آب الماضي إنشاء حديقتين بحريتين وطنيتين في شمال بحر إيجه وشرق المتوسط، وهي خطوة أثارت اعتراضا يونانيا.

وبحسب الكاتب، ترى اليونان أن هذه القرارات لا يمكن أن تنتج آثارا قانونية في المناطق التي تعتبرها واقعة ضمن نطاق صلاحياتها.

ويعتبر قندمير أن التطور اللافت في هذه الحالة يتمثل في زيادة حضور المطالبات المتعلقة بالصلاحيات البحرية على أرض الواقع من دون اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، معتبرا أن ذلك يمثل انتقالا للغموض الاستراتيجي إلى المجالين الإداري والقانوني.

مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص

ويضع الكاتب مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، المعروف باسم GSI، ضمن أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.

فأثينا تقول إن المشروع سيستأنف تقدمه، وإنه من المتوقع أن تبدأ خلال الأشهر المقبلة عمليات البحث البحري وأعمال مد الكابلات.

وينقل قندمير عن وزير الخارجية اليوناني يورغوس جيرابيتريتيس قوله إن إخطارات NAVTEX لا تعني الحصول على إذن من تركيا، فيما أشار ميتسوتاكيس أيضا إلى إمكانية تحريك المشروع مجددا خلال بضعة أشهر.

ويرى الكاتب أن الفترة الممتدة من نهاية سبتمبر/أيلول وحتى نهاية العام ستكون مهمة في هذا السياق، إذ إن استئناف عمليات البحث في منطقة مشروع GSI قد يحول مشروعا فنيا في مجال الطاقة إلى قضية أمنية، بسبب اختلاف قراءات البلدين بشأن مناطق الصلاحية البحرية.

ويشير إلى أن هذا الاحتمال ليس افتراضيا بالكامل، مذكرا بأن أنشطة بحث مماثلة توقفت في السابق بعد توجه سفن حربية تركية إلى المنطقة.

ملف الـ12 ميلا.. قرار غير معلن

ويعود قندمير إلى مسألة توسيع المياه الإقليمية اليونانية إلى 12 ميلا، مشيرا إلى أن أثينا لم تعلن في الوقت الراهن عن تطبيق جديد لهذا الأمر في بحر إيجه.

كما ينقل عن جيرابيتريتيس أن توقيت استخدام هذا الحق وطريقته ستحددهما اليونان.

ويرى الكاتب أن الوضع الحالي لا يعني وجود قرار معلن بقدر ما يعني تذكيرا واضحا بأن سلطة اتخاذ القرار لا تزال قائمة.

أما من الجانب التركي، فإن قرار البرلمان الصادر عام 1995 لا يزال ساريا، وفق التحليل.

ويعتبر قندمير أن إبقاء أثينا توقيت الخطوة المحتملة غامضا لا يعني أن حالة عدم اليقين انتهت بالنسبة لصناع القرار في أنقرة، بل يبقي سؤالا أساسيا مفتوحا: أين وتحت أي ظروف يمكن أن تأتي الخطوة المحتملة؟

دور الناتو.. منع الصدام لا حل الخلاف

ويشير الكاتب إلى أن دخول أطراف ثالثة إلى المعادلة يزيد المشهد تعقيدا، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي "ناتو".

وبحسب قندمير، فإن الوظيفة الأساسية للناتو في هذا السياق لا تتمثل في حل الخلافات بين تركيا واليونان، وإنما في منع حدوث مواجهة مباشرة بين العناصر العسكرية للطرفين.

ويرى أن آلية فض الاشتباك التي أنشئت عقب أزمة عام 2020 تكتسب أهمية من هذه الزاوية.

لكن وجود الناتو، بحسب الكاتب، لا يلغي الخلافات المتعلقة بالسيادة، وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

فالغموض الاستراتيجي، إذا أسيء تفسيره، قد يؤدي بدلا من تعزيز الردع إلى إنتاج أزمة، إذ يمكن أن تفسر أثينا غموض أنقرة بشأن طبيعة الرد باعتباره ضعفا، في حين قد تنظر أنقرة إلى غموض أثينا بشأن التوقيت باعتباره استعدادا لفرض أمر واقع جديد.

ماذا ينبغي مراقبته؟

يرى قندمير أن التطورات الميدانية ستكون أكثر أهمية في المرحلة المقبلة من تصريحات الأطراف نفسها، محددا عددا من المؤشرات التي تستحق المتابعة.

ومن أبرز هذه المؤشرات، بحسبه، ما إذا كانت عمليات البحث الخاصة بمشروع GSI ستبدأ فعليا، وما إذا كان مشروع قانون يتعلق بالمناطق البحرية التركية سيصل إلى البرلمان.

كما يرى أهمية متابعة ما إذا كانت اليونان ستتخذ خطوة إدارية أو قانونية جديدة بشأن مسألة الـ12 ميلا، وما إذا كانت ستنتقل في الحدائق البحرية من الإعلان إلى ممارسة رقابة فعلية على الأرض.

الاستقرار لا يعني حل الخلافات

ويخلص الكاتب إلى أن قنوات الاتصال بين تركيا واليونان لا تزال قائمة، ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في غياب التواصل بين البلدين، وإنما في كيفية إدارة حالات عدم اليقين الجديدة التي تتراكم في الميدان في الوقت نفسه.

ويرى قندمير أن استقرار بحر إيجه لا يبدو مرتبطا بالضرورة بحل جميع الخلافات القائمة بين الطرفين، بل إن السؤال الأكثر واقعية، بحسبه، هو: إلى أي مدى يمكن إدارة الخلافات التي لم تُحل من دون أن تؤدي إلى سوء حسابات؟

ويعتبر أن اختبار سبتمبر/أيلول 2026 يكمن تحديدا في هذه النقطة، أي في قدرة أنقرة وأثينا على إدارة الغموض المتزايد في بحر إيجه وشرق المتوسط، مع إبقاء القنوات القائمة للحوار ومنع التطورات الميدانية من التحول إلى أزمة أوسع.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!