ترك برس

في مدينة تُعدّ مختبراً سياسياً وثقافياً لأوروبا مثل برلين، يحمل اقتراب إليف إيرالب، ابنة عائلة نقابية تمسّكت بألمانيا بعد رياح 12 أيلول/سبتمبر، من كرسي رئاسة وزراء الولاية معاني أعمق بكثير من مجرّد فوز محلي عادي. 

ويؤكّد أوموت برهان شن، الخبير في مركز الأكاديمية العالمية (GAM)، في مقال نشره موقع إندبندنت تركية، أن حصر هذه النتيجة في بُعد واحد لا يكفي لتفسير اختناق السياسة الألمانية الراهن، ولا الموجات الاجتماعية الجديدة الصاعدة على المستوى العالمي. لذا يدعو إلى قراءة متعددة الأبعاد، تجمع بين الظرف الراهن والتحليل الاجتماعي.

يبدأ الكاتب بالنظر إلى الوجه الاقتصادي والعمراني للعملة. فبرلين تعيش منذ وقت طويل أزمة سكن هائلة، وإيجارات فاحشة، وطبقة وسطى تتآكل، حتى بات التنفس نفسه نوعاً من الرفاهية. وكان المحرّك الأكبر خلف انتصار إيرالب هو بالضبط هذا البحث عن عدالة حضرية. فضغوط الإيجار اليومية وذوبان الخدمات العامة، وهي جراح مزمنة، كسرت قوالب السياسة التقليدية. 

ورفع حزب اليسار صوت المستأجر والمهمّش في مواجهة السياسات المتمحورة حول الملكية، فوجد صدى في قاعدة المدينة. وبهذا المعنى، يمثّل النتيجة صرخة من الجموع التي تُجرَّد من الملكية تطالب النظام بـ«توقّف».

أما البُعد الثاني فيتعلق بالهوية والتمثيل، وهو بالغ الأهمية. ففي دولة مثل ألمانيا اعتادت لعقود أن تنظر إلى عمل المهاجرين كعنصر اقتصادي معزول عن آليات القرار السياسي والاجتماعي، يشكّل وصول امرأة من أصول مهاجرة إلى هذا المنصب عتبة تاريخية. ويثبت هذا أن التنوع المجتمعي لم يعد يُترك منتظراً على الباب، بل بات يسير نحو المركز عبر صناديق الاقتراع. 

غير أن الوجه الآخر للعملة موجود أيضاً: كيف سيخلق هذا البعد الهوياتي استقطاباً لدى شريحة من الرأي العام الألماني، وكيف سيحوّله اليمين الشعبوي إلى خطاب خوف، أمر يستدعي المتابعة الدقيقة كمجال خطر محتمل.

وينتقل شن إلى الأصداء الدولية والحدود الفعلية لهذا النجاح. فرغم أنه يُقرأ كـ«رسالة تنتشر في العالم أجمع»، إلا أن الديناميكيات الداخلية لبرلين لا تتطابق أبداً مع التوازنات السياسية العامة في ألمانيا الاتحادية. فبينما تهبّ رياح يسارية في برلين، ما زال اليمين والمحافظة يظهران مقاومة شديدة في عموم البلاد أو في ولايات أخرى. 

وأكبر اختبار أمام إيرالب وفريقها سيكون تحويل هذه التوقعات الراديكالية إلى إنجازات ملموسة داخل حسابات الائتلاف وبطء البيروقراطية. وباختصار، هذا الانتصار نقطة تحوّل مليئة بالأمل، وفي الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة من المفاوضات الصعبة والتسويات.

ويشير الكاتب إلى أن أحد أصعب المنعطفات أمام إيرالب سيكون الهيكل المالي المعقّد لبرلين ومفاوضات الميزانية مع الحكومة الاتحادية. فمجال حركة الإدارات المحلية محدود بسبب الركود الاقتصادي الوطني وسياسات المالية المتشددة، بينما يتطلّب تلبية توقعات الشعب الهائلة في السكن والنقل والمساعدات الاجتماعية قدرة اقتصادية شبه إعجازية على المناورة. وكيف ستُختبر الوعود الراديكالية التي أُطلقت في الساحات الانتخابية أمام آليات النظام الإداري الألماني الصارمة ومواقف شركاء الائتلاف غير المرنة، سيكون الاختبار الحقيقي الذي يحدد استمرارية هذه التجربة السياسية.

ومن جهة أخرى، لا ينبغي إغفال الموجة التي سيحدثها هذا المشهد على الفاعلين السياسيين على المستوى الاتحادي. فصعود قائدة يسارية من هوية مهاجرة إلى هذه القمة في برلين قد يلهم بناء معمار سياسي بديل في مواجهة ميل السياسة الوسطية في ألمانيا نحو اليمين، كما قد يشعل ردّ فعل أكثر حدّة في الأوساط المحافظة والقومية. 

وفي المرحلة المقبلة، لن يواجه حكم إيرالب المشكلات الحضرية المزمنة في برلين فحسب، بل سيضطر أيضاً إلى صدّ موجات هذا الاستقطاب الأيديولوجي الذي ينعكس على البلاد بأسرها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!