
ترك برس
يرى الكاتب التركي حقي أوجال أن إعلان بريطانيا اعتبار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية غير قانوني، وفرض عقوبات واسعة على المستوطنات الإسرائيلية، يمثل تحولًا لافتًا في السياسة البريطانية تجاه تل أبيب، بالنظر إلى العلاقة التاريخية الوثيقة بين البلدين والدور الذي أدته لندن في تأسيس إسرائيل ودعمها على مدى عقود.
وفي مقال نشرته صحيفة «ميلييت» بعنوان «هل اهتدت إنجلترا إلى الإيمان؟»، يستعرض أوجال خلفيات الموقف البريطاني الجديد، متسائلًا عما إذا كانت لندن قد بدأت بالفعل في الابتعاد عن سياساتها التقليدية تجاه إسرائيل، وما إذا كانت ستتمكن من تحمل تبعات هذا التحول السياسي.
بريطانيا وإسرائيل.. علاقة تاريخية ممتدة
يبدأ أوجال تحليله بالتأكيد على عمق العلاقة التاريخية بين بريطانيا وإسرائيل، مشيرًا إلى أن القول إن «إسرائيل أسستها بريطانيا وليس الولايات المتحدة» يعبر، وفق رأيه، عن جانب أساسي من الحقيقة التاريخية.
ويربط الكاتب مشروع إقامة وطن لليهود بالمشروع الأوسع الرامي إلى إنهاء الإمبراطورية العثمانية، معتبرًا أن بريطانيا كانت المركز الرئيسي لهذا المشروع، فيما يصف اللورد جيمس بلفور، الذي تولى رئاسة الوزراء البريطانية بين عامي 1902 و1905، ثم منصب وزير الخارجية بين عامي 1916 و1919، بأنه أحد أبرز مهندسيه الفكريين.
ويشير أوجال إلى أن بريطانيا واصلت دعم إسرائيل خلال مراحل مختلفة من الصراع، بما في ذلك احتلال الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فضلًا عن التطورات المتعلقة بالأراضي السورية واللبنانية.
وبحسب الكاتب، لم يقتصر الدعم البريطاني على الجانب السياسي، بل شمل أيضًا تزويد إسرائيل بالأسلحة، وبيع المعدات العسكرية لها، وتوفير الحماية السياسية في الأمم المتحدة، إلى جانب تقديم الدعم المالي.
ويضيف أن بريطانيا لم تصوت ضد عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، لكنها اتخذت موقفًا اتسم بالامتناع عن التصويت في العديد من المحطات الحاسمة المتعلقة بمحاولات فلسطين نيل العضوية وحقوقها داخل المنظمة الدولية.
ويرى أوجال أن بريطانيا، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، أسهمت في توفير الغطاء السياسي لمشروع إقامة «وطن لليهود»، ولاحقًا للحكومة الإسرائيلية، معتبرًا أن ذلك أتاح للحركة الصهيونية الدولية إعادة صياغة المشروع وفق مصالحها.
إعلان بريطاني يثير الاستغراب
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى القرار البريطاني الذي صدر في 8 سبتمبر، والذي أعلنت لندن بموجبه أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، إلى جانب الكشف عن عقوبات شاملة تستهدف المستوطنات الإسرائيلية.
ويصف أوجال هذا الموقف بأنه تطور يصعب تصوره بالنظر إلى التاريخ الطويل للعلاقات البريطانية الإسرائيلية، مستحضرًا تعبيرًا إنجليزيًا يعني «العثور على الدين»، ويقابله في التركية معنى «الاهتداء إلى الإيمان».
ويشير إلى أن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أكد أمام البرلمان أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والتوسع السريع في المستوطنات غير قانونيين، كما اتهم إسرائيل بعدم منع ما وصفه بالتطهير العرقي الذي ينفذه المستوطنون.
ويلفت الكاتب إلى أن لهجة الوزير البريطاني، وردود فعل أعضاء البرلمان المؤيدة لكلامه، بدت له لافتة إلى درجة أنه تخيل، على حد تعبيره، أن الجلسة تعقد في البرلمان التركي، وليس في البرلمان البريطاني.
ويرى أوجال أن المفارقة تكمن في أن بريطانيا، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالمشروع الصهيوني ودعم إسرائيل، هي التي اتخذت هذه الخطوة، معتبرًا أن الجمع بين خطورة القرار وما يراه من غرابة في خلفياته يجعل من الصعب الحفاظ على الجدية عند مناقشته.
عقوبات على المستوطنات والشركات الداعمة للاحتلال
ويتساءل الكاتب عن الأسباب التي دفعت المملكة المتحدة إلى حظر جميع الواردات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفرض عقوبات على الشركات والأفراد الذين يقدمون البنية التحتية لهذه المستوطنات، فضلًا عن تقييد تراخيص تصدير الأسلحة للشركات التي يرى أنها تسهم في الاحتلال.
ويعتبر أوجال أن هذه الإجراءات تمثل تطورًا غير مألوف في الموقف البريطاني، مشيرًا إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لم يجد، وفق وصفه، سوى استخدام كلمة «فضيحة» للتعليق على القرار.
ويربط الكاتب القرار البريطاني أيضًا بمدينة القدس الشرقية، التي تعترف بريطانيا رسميًا بها عاصمة لإسرائيل، مشيرًا إلى وجود شارع يحمل اسم الملك البريطاني جورج الخامس، أُطلق عليه عام 1924، في وقت لم تكن فيه دولة إسرائيل قد تأسست، وكانت فلسطين خاضعة للانتداب البريطاني.
ويذكر أوجال أن نائب رئيس بلدية القدس أرييه كينغ أعلن اعتزامه تغيير اسم الشارع، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس حجم الاستياء الإسرائيلي من القرار البريطاني.
موقف ترامب.. مسافة عن نتنياهو؟
ويرى الكاتب أن الأوساط الصهيونية ربما لم تصدق ما سمعته، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يصدرا، بحسب النص، ردًا واضحًا على القرار البريطاني.
ويعتبر أوجال أن عدم إدانة إدارة ترامب للخطوة البريطانية قد لا يكون ناتجًا عن المفاجأة فحسب، بل ربما يعكس محاولة لإرسال رسالة تتضمن قدرًا من القبول، أو على الأقل عدم الاعتراض.
وينقل الكاتب عن موقع «أكسيوس» أن رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام أبلغ ترامب شخصيًا بقرار فرض العقوبات قبل الإعلان عنه، وأن الرئيس الأمريكي لم يعترض على الخطوة ولم يطلب من رئيس الوزراء البريطاني تغيير مساره.
ويفسر أوجال ذلك باعتباره احتمالًا لوجود مسعى من جانب ترامب إلى خلق مسافة بينه وبين نتنياهو، حتى إن لم يكن ذلك يعني تأييده الكامل للعقوبات البريطانية.
ويربط الكاتب هذا الاحتمال بتزايد الغضب داخل المجتمع الأمريكي من علاقة ترامب بنتنياهو، ومن التداعيات الاقتصادية المرتبطة بها، مشيرًا إلى أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بدأ يتحدث، وفق ما أورده، عن إمكانية إبعاد الولايات المتحدة مسافة عن إسرائيل.
مخاوف بريطانية من ردود الفعل
وفي ختام تحليله، يرى أوجال أن الحكومة البريطانية قد تكون قلقة من نتائج قرارها الجديد، بما في ذلك احتمال لجوء جماعات صهيونية إلى محاولات انتقامية.
ويستدل على ذلك بإطلاق الحكومة البريطانية «حملة للصمود الوطني»، دعت من خلالها المواطنين إلى الاحتفاظ في منازلهم بمؤن أساسية تكفي لمدة ثلاثة أيام على الأقل، بما في ذلك الأطعمة المعلبة ومياه الشرب والاحتياجات الضرورية الأخرى.
ويختتم الكاتب مقاله بتساؤل عما إذا كان هذا «الإيمان السياسي الجديد» الذي اكتسبته بريطانيا سيصبح عبئًا ثقيلًا عليها، في إشارة إلى التحديات والضغوط التي قد تواجهها لندن نتيجة اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











