ترك برس

يرى غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة استخبارات القوات الجوية التركية، أن قضية غرينلاند لا ترتبط بنزوة سياسية أو مناورة تفاوضية أو رغبة شخصية لدى رئيس أمريكي، بل تفرضها اعتبارات جيوسياسية تتقاطع فيها منظومة الدفاع عن أمريكا الشمالية، والممرات البحرية في القطب الشمالي، والثروات المعدنية النادرة، والتنافس الروسي الصيني على النفوذ.

وفي تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يتناول توكماك أوغلو التفاهم المعلن في 18 سبتمبر/أيلول 2026 بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، معتبرًا أنه لم يؤدِّ إلى ضم الجزيرة، لكنه رسّخ الوصاية الأمنية الأمريكية عليها بصورة دائمة.

ويختصر الكاتب أطروحته بالقول إن ما حدث لا يمثل انتصارًا تقليديًا لأي طرف، بل تغييرًا في الوضع الاستراتيجي، موضحًا أن السيادة الإقليمية لم تتغير شكليًا، بينما شهدت ترتيبات الأمن والنفوذ تحولًا عمليًا.

ثلاثة أسباب تجعل غرينلاند ضرورة جيوسياسية

يحدد توكماك أوغلو ثلاثة أسباب بنيوية تقف وراء الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، مؤكدًا أن هذه الأسباب لم تتغير منذ عام 1940، لكنها ازدادت حدة بفعل التغير المناخي وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.

ويتمثل السبب الأول، بحسب الكاتب، في موقع غرينلاند ضمن الدرع الشمالي لأمريكا الشمالية، إذ تقع الجزيرة على خط «غيوك» الذي يربط غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، وعلى مقربة من ممرات الاقتراب القادمة من القطب الشمالي.

ويشير إلى أن أنظمة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، ومراقبة الفضاء، وممرات الغواصات في شمال الأطلسي، ترتبط بهذه المنطقة الجغرافية. ويعتبر أن اتفاقية الدفاع الأمريكية الدنماركية الموقعة عام 1951، وقاعدة بيتوفيك، المعروفة سابقًا باسم قاعدة ثولي، شكلتا الصيغة التي جسدت هذه الحقيقة خلال الحرب الباردة.

ويرى الكاتب أن تلك الصيغة أصبحت قديمة، في حين تنوعت التهديدات وتوسعت.

أما السبب الثاني، فيتعلق بانفتاح القطب الشمالي نتيجة تراجع الجليد، الأمر الذي يجعل طرقًا بحرية جديدة والوصول إلى الموارد ممكنين بصورة عملية.

ويؤكد توكماك أوغلو أن الطرف الذي يسيطر على هذه الممرات والبنية التحتية الممتدة على السواحل يقترب من امتلاك حق النقض في مسارات التجارة والطاقة الشمالية خلال القرن الحادي والعشرين.

ويضيف أن غرينلاند ليست «جزيرة بعيدة»، بل نقطة تتجمع فيها ثلاثة عناصر رئيسية: الإنذار المبكر، وطرق العبور، والموارد الطبيعية.

ويتمثل السبب الثالث في نفوذ القوى المنافسة، إذ يشير الكاتب إلى الخطاب الصيني المرتبط بالتعدين والبنية التحتية و«طريق الحرير القطبي»، في مقابل أسطول الشمال الروسي وشبكة القواعد العسكرية في القطب الشمالي.

ويرى أن إقامة موطئ قدم اقتصادي لقوة منافسة في جزيرة تابعة لحلف شمال الأطلسي يمكن أن تمثل أسلوبًا من أساليب الجيل الخامس، يكون أقل تكلفة وأكثر استدامة من الاحتلال التقليدي.

وبحسب توكماك أوغلو، تبدأ الضرورة الجيوسياسية من هنا: ليس مطلوبًا بالضرورة شراء الأرض، بل ضمان الوصول إليها، وتأمين القواعد، والتحكم في الاستثمارات الحساسة.

ماذا تغير في تفاهم 18 سبتمبر؟

يستعرض الكاتب أبرز البنود التي تضمنها الإطار المعلن، مشيرًا إلى أنه يتضمن منح الولايات المتحدة حق الوصول غير المحدد زمنيًا، وإقامة القواعد، وحقوق الطيران، إلى جانب بناء «وجود عسكري كبير» يتجاوز الوجود القائم.

كما يشمل الاتفاق، وفق التحليل، منع الدول غير الأعضاء في حلف الناتو من إقامة قواعد أو نشر قوات في الجزيرة، فضلًا عن اشتراط موافقة أمريكية خطية على الاستثمارات الحساسة، ولا سيما المتعلقة بالمعادن الاستراتيجية وقطاع التعدين، وهو ما يراه الكاتب بمثابة حق نقض فعلي.

ويشير توكماك أوغلو إلى أن هذه الأحكام ستظل سارية حتى في حال حصول غرينلاند على الاستقلال، معتبرًا أن ترتيبات عام 1951 تتحول بذلك إلى نظام أمني ثلاثي ودائم يضم الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

ويذكر أن التوقيع جرى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما لا تزال الموافقات البرلمانية منتظرة.

ويفرق الكاتب بين خطاب الأطراف المختلفة؛ إذ يركز خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «السيطرة الدائمة على الأمن وجميع الاحتياجات الأخرى»، وعلى اتفاقية «أبدية» دون تكلفة على الولايات المتحدة.

في المقابل، يؤكد خطاب كوبنهاغن ونوك احترام سيادة المملكة الدنماركية ووحدة أراضيها، إلى جانب حق شعب غرينلاند في تقرير المصير، وتعزيز أمن القطب الشمالي وشمال الأطلسي.

ويخلص توكماك أوغلو إلى أن الروايتين تمثلان وجهين للوثيقة نفسها، موضحًا أن نقل السيادة لم يحدث، لكن الوصاية الأمنية أصبحت واقعًا.

ما الذي حله ترامب وما الذي بقي دون حل؟

يرى الكاتب أن الاتفاق عالج الغموض القانوني المرتبط بفراغ استراتيجي استمر قرابة قرن، موضحًا أن الرؤساء الأمريكيين السابقين اكتفوا بالحقوق التي منحتها ترتيبات عام 1951.

ويعتبر أن الخطر الأساسي تمثل في تزامن تنامي النزعة الاستقلالية في غرينلاند مع توسع رأس المال الصيني، وهو ما سعى النظام الجديد إلى ضبطه من خلال وثيقة واحدة تتضمن حظر القواعد الأجنبية، وفحص الاستثمارات، واستمرار الأحكام الأمنية حتى بعد الاستقلال.

وبذلك، وفق تحليل الكاتب، تصبح منطقة الدفاع عن أمريكا الشمالية محددة بوضوح، دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى تحمل الكلفة السياسية لضم غرينلاند أو دفع حلف الناتو نحو الانقسام.

لكن توكماك أوغلو يؤكد أن الاتفاق لم يحسم مسألة السيادة، فالجزيرة لا تزال تابعة لمملكة الدنمارك، كما أن الرأي العام والبرلمان في غرينلاند يظلان طرفين فاعلين.

ويشير إلى أن تفاصيل توزيع امتيازات التعدين، والجهة التي ستتحمل تكاليف البناء، ومحاولات الصين المحتملة للعمل عبر شركات غير مباشرة، بقيت غير واضحة حتى نشر النص النهائي.

كما يحذر من أن عبارة «لا تكلفة» تعني غياب ثمن الشراء، لكنها لا تلغي تكاليف إنشاء القواعد والخدمات اللوجستية.

وعليه، يرى الكاتب أن الصيغة الأدق تتمثل في القول إن الضم لم يحدث، لكن الوضع الاستراتيجي تغير، بحيث بقيت السيادة شكلية، بينما أصبحت الترتيبات الأمنية فعلية.

من كسب ومن خسر في إطار الجيل الخامس؟

يعتقد توكماك أوغلو أن الولايات المتحدة حصلت، دون الاستحواذ على الأرض، على الوصول والنفوذ وحق النقض، بينما تراجعت بصورة كبيرة فرص الصين وروسيا في إنشاء موطئ قدم منخفض التكلفة عبر غرينلاند.

ويرى أن الدنمارك تمكنت من تجاوز أزمة داخل الحلف، وربما تفادت تهديدات اقتصادية أو جمركية، مع الحفاظ على سيادتها من الناحية القانونية.

أما غرينلاند، فقد عززت مظلتها الأمنية، في الوقت الذي يبدو فيه أن مستقبلها السياسي، بما في ذلك خيار الاستقلال، أُدرج ضمن نص التفاهم، وهو ما يعتبره الكاتب مكسبًا تفاوضيًا لنوك.

وعلى مستوى حلف الناتو، يرى توكماك أوغلو أن الاتفاق يعزز الجناح الشمالي للحلف دون تفكيكه، لكنه يحذر من فاتورة سياسية أخرى تتمثل في تراجع الثقة بين أعضائه نتيجة بقاء تهديد الضم الأمريكي مطروحًا على الطاولة لأشهر.

ويؤكد أن هذه الفاتورة لا تظهر في الوثيقة، بل تبقى في الذاكرة السياسية والنفسية داخل الحلف.

الثروات المعدنية سلاح في الحرب الهجينة

يشدد الكاتب على ضرورة عدم تجاهل البعد المتعلق بالموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أن إمكانات غرينلاند من المعادن النادرة والاستراتيجية تجعلها محورًا للتنافس المرتبط بالتحول الأخضر والصناعات الدفاعية.

ويرى أن حق النقض على الاستثمارات لا يرتبط بالجانب العسكري وحده، بل يمكن أن يتحول إلى أداة للحصار الاقتصادي.

ويضيف أن سندات الملكية والتراخيص، في إطار الحروب الهجينة، يمكن أن تكون أسلحة لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية، معتبرًا أن التحكم في الاستثمارات الحساسة قد يؤدي دورًا مشابهًا للتحكم في الوجود العسكري.

هل تحققت الضرورة الجيوسياسية الأمريكية؟

يؤكد توكماك أوغلو أن الضرورة الجيوسياسية لم تكن تتمثل في جعل غرينلاند أرضًا أمريكية، بل في منع القوى المنافسة من إقامة قواعد أو استثمارات حساسة على خط الاقتراب الشمالي لأمريكا الشمالية، مع ضمان امتلاك الولايات المتحدة حق الوصول والبناء بصورة دائمة.

ويرى أن إطار 18 سبتمبر يسعى إلى تحقيق هذه الغاية دون تحمل تكلفة الضم السياسية والاستراتيجية.

لكنه يشدد على أن الاختبار الحقيقي يكمن في تفاصيل النص، متسائلًا عن كيفية تطبيق حق النقض، وطريقة تعريف «الاستثمار الحساس»، وكيفية استمرار الأحكام الأمنية في حال استقلال غرينلاند.

ويحذر من إعلان النصر قبل نشر الوثيقة بصورة كاملة، كما يعتبر تجاهل التطور خطأً في الوقت نفسه.

الخلاصة: تغيير في الوضع لا انتقال للأرض

يخلص الكاتب إلى أن الدرع الدفاعي الشمالي لأمريكا الشمالية أصبح، بموجب التفاهم الجديد، مكتوبًا ومحدد المدة بصورة دائمة، معتبرًا أن ذلك يمثل نموذجًا نموذجيًا للتغيرات التي تفرضها المنافسة في القطب الشمالي خلال القرن الحادي والعشرين.

وبحسب توكماك أوغلو، فإن جوهر التطور لا يكمن في انتقال الأرض أو تغيير السيادة، بل في ضمان الوصول، والتحكم في الاستثمارات، وتقييد قدرة القوى المنافسة على إقامة موطئ قدم استراتيجي في غرينلاند.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!