سعيد الحاج - أخبار تركيا

بعد تأسيسه لحزب العدالة والتنمية وقيادته لأكثر من 12 عاماً، تم انتخاب اردوغان لرئاسة الجمهورية، تاركاً رئاسة الحزب والحكومة لوزير الخارجية الأسبق وذارعه الأيمن في الحكومة البروفيسور أحمد داود اوغلو.

وكما هو معتاد في كل المحطات السياسية الكبيرة، تختلف الرؤى والتقييمات للخطوة التي تمت، فانقسم الناس هنا بين من رأى في الرجل قائداً قوياً وخير خلف لخير سلف، ومن رآه مجرد ظل لاردوغان معتبراً أن اختياره محاولة من الأخير لإدارة الحزب والحكومة من بعد.

 سياسات اردوغان مستمرة

ويبدو لدى من ينتقد اختيار داود أوغلو لقيادة الحزب الحاكم والحكومة عدة أسباب تدفعهم للظن بأنه مجرد منفذ لسياسات اردوغان، ووسيط بين الرئاسة والشعب، على رأسها:

أولاً، أنه من الدائرة القريبة جداً من اردوغان، مكانة وسياسة وأفكاراً، مما يعني أن خط العدالة والتنمية معه لن يتغير كثيراً عما كان عليه في ظل قيادة سلفه.

ثانياً، تعمد حسم موضوع خلافة اردوغان قبل تسلمه رسمياً منصب الرئاسة، بمعنى أن اردوغان أراد أن يطمئن على سلاسة انتقال السلطة في الحزب في وجوده، وهو ما يعتبره البعض تقريراً من قبل الرجل لمستقبل الحزب حتى بعد الخروج منه.

ثالثاً، التغيرات الطفيفة جداً على شخوص وسياسات الحكومة وفق ما أعلن عنه في برنامجها الذي يناقشه مجلس الشعب حالياً قبل التصويت على منحها الثقة.

رابعاً، تصريحات كل من اردوغان وداود أوغلو أنهما سيعملان في “تناغم” كبير لتحقيق مصالح الشعب التركي، مما يلقي بظلال من الشك حول آليات تحديد السلطات والصلاحيات بين الرئاسة والحكومة، في ظل دستور لا يقدم كل الإجابات الشافية لهذه الأسئلة الملحة، والمؤجلة مرحلياً.

خامساً، شخصية اردوغان القيادية والمتنفذة، والتي يصعب تخيل بعدها عن إطار أي قرارات مهمة تتعلق بمصير الحزب، أو “الحركة” السياسية كما يحلو لقيادييه تسميته.

سادساً، تصريحات اردوغان المتواترة، قبل وبعد انتخابه، أنه لن يكون رئيساً بروتوكولياً، بل سيكون رئيساً “يكد ويركض ويبذل العرق” في منصبه، باعتباره حاصلاً على شرعية شعبية لم يحظ بها أي من سابقيه، إذ هو أول رئيس تركي منتخب بالاقتراع المباشر من قبل الشعب.

 داود أوغلو وشخصية القائد

بيد أن من يعرفون البروفيسور أحمد داود أغلو ويتابعون مسيرته الأكاديمية والسياسية، يرون فيه قائداً لا تابعاً، ولديهم  – هم أيضاً – من القرائن والإشارات العقلية والواقعية ما يؤكد ما يذهبون إليه، ومنها:

أولاً، أنه من الطبيعي عدم اختلاف أشخاص وسياسات الحكومة الجديدة عن سابقتها، إذ هي تعبر عن نفس الحزب الحاكم ونفس البرنامج الذي كانت تنتهجه، والتغيير الوحيد هو منصب الرئاسة، باعتبار أن تغيير الأشخاص لا يجب أن يؤدي إلى تغيير السياسات في المؤسسات الديمقراطية.

ثانياً، أن اختيار خليفة اردوغان قبل تركه الحزب ينبع من تجربتين تارخيتين ماثلتين للعيان في تاريخ تركيا المعاصر، وهما لحزبي الوطن الأم والطريق القويم، الذين غابا تماماً عن ساحة الفعل السياسي بعد انتقال زعيميهما – على التوالي – الرئيس الراحل تورغوت أوزال والرئيس الأسبق سليمان دميريل إلى قصر الرئاسة. وبالتالي كان هناك رغبة وقرار بانتقال سلس ومنضبط لرئاسة الحزب، تحميه من الفوضى والاضطراب والتذبذب.

ثالثاً، أن داود أوغلو ليس شخصاً عادياً في العدالة والتنمية ليتحول لمجرد رجل ظل أو مندوب، فهو منظـّر الحزب وراسم أغلب سياساته سيما المتعلقة بالسياسة الخارجية لتركيا، وفق نظريات “العمق الاستيراتيجي” و”العثمانية الجديدة” و”تصفير المشاكل”. كما أنه يملك شخصية مستقلة جعلته – رغم ما ذكرنا ورغم أنه أحد من استشيروا لدى تأسيس العدالة والتنمية – يتأخر في قبول عضوية الحزب الحاكم سنوات طويلة.

رابعاً، أن أسباباً واقعية وقوية وقفت وراء اختيار دوائر القرار في العدالة والتنمية – إضافة إلى رغبة اردوغان نفسه – لداود أوغلو لقيادة الحزب والحكومة، منها الإجماع عليه داخل الحزب، ومنها الاحترام الذي يحوزه كشخص وكأكاديمي وكسياسي في أروقته، ومنها أنه متطابق مع نفس السياسة والنهج والقناعات التي صاغتها رؤية الحزب التأسيسية (التي سار عليها الحزب مع اردوغان 12 عاماً)، ومنها ميزاته ومهاراته الشخصية والسياسية والإدارية والتنظيمية، ومنها أنه من التيار “الإسلامي” (المحافظ) داخله، إضافة إلى نظر الكثيرين له على أنه ضمانة عدم انقسام الحزب أو ضعفه بسبب التدخلات أو الخلافات بين التيارات المختلفة داخله، وربما اعتبره البعض قيادياً قوياً يمكنه الوقوف في وجه طموح الرئيس السابق عبدالله غل داخل الحزب.

وفي كل الأحوال، تبقى الأسابيع والأشهر القادمة، حتى الانتخابات البرلمانية عام 2015، فترة انتقالية ستثبت أو تنفي جزئياً هذه المقاربات والادعاءات من الطرفين، بينما ستتضح وجهة وسياسات العدالة والتنمية في الفترة القادمة بشكل أكبر بعد الانتخابات المذكورة.

غير أن شيئاً مهماً يجب ألا يغيب عن بال المراقبين والمتابعين، وهو أن فكرة الرئيس “من خارج السياسة” التي كانت متبعة تقليدياً في تركيا ولت إلى غير رجعة، مع انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الشعب وفق برنامج انتخابي يطرحه، وبالتالي فمن غير المتوقع (لا مع اردوغان  ولا مع من يليه) أن يكون الرئيس بلا برنامج أو دعم حزبي، وبالتالي فليس من الموضوعية مقارنة رئاسة اردوغان برئاسة من سبقوه ومطالبته بالابتعاد والتمايز تماماً عن العدالة والتنمية على مستوى القرارات والسياسات، فضلاً عن مطالبته بذلك على مستوى الأهداف والتخطيط والتوجه الداخلي.

عن الكاتب

سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس