Banner: 

ترك برس

تباينت آراء الكتّاب والمحللين والخبراء السياسيين، حول مستوى الدعم والحماية التي يمكن لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، أن يقدّمها لتركيا، فيما لو تصاعد التهديد الروسي ضدها، وأصبح أكثر خطرًا، كونه الداعم الحقيقي الذي تعول عليه تركيا، وتعد من أهم أعضاءه.

ورأى بعض المحللين، أن حلف الناتو غيرُ مأمون الجانب في الاعتماد عليه في إدارة صراع دولي مقابلَ صراع إقليمي خطير استراتيجيا، لافتين إلى أنه لو انتقل الصراع للمواجهة بين روسيا وتركيا فإن أمريكا دائما تتفادى التهديد الدولي على حساب التهديد الإقليمي، في المقابل رأى آخرون، أن تركيا تتمتع بحماية الناتو، وأن الغرب تعهد بدعم حليفته وحماية أراضيها، إن قرر الروس استهدافها.

المحللة السياسية الأمريكية "جوليا لوفي"، قالت في مقابلة مع "سي ان ان"، إن فهم طبيعة الحادث الذي وقع عند الحدود بين تركيا وسوريا لا يجب أن يقتصر على القول بأن الطائرة الروسية اخترقت المجال التركي لثوان معدودة، بل النظر أيضا إلى تكرار الحادثة لأكثر من مرة، داعية إلى التنبه لردة فعل روسية انتقامية قد تؤدي لتصعيد التوتر مع حلف الناتو.

وأضافت لوفي: "أظن أن أنقرة رأت بأن عليها التحرك بشكل قوي وبالمقابل كان التصريح الروسي على لسان الرئيس فلاديمير بوتين قويا أيضا، لذلك قد تكون هناك إجراءات انتقامية، لكن المشكلة التي ستواجهها روسيا هي كيفية الرد على دولة بحلف الناتو دون المجازفة بتصعيد عسكري مع الحلف ككل".

من جهته قال الكاتب والناشط السياسي الجزائري، رضا بودراع، إن التطورات تستدعي "تشكيل حلفين أحدهما معلنٌ وهو مع الدول، وآخر عملي غيرُ معلَن؛ ويكون مع الجبهات الشعبية من الكتل الثلاثة الكبرى (الأتراك العرب وباقي المسلمين من الكرد والقفقازيين وغيرهم)".

وأوضح الكاتب الجزائري، أنّ على تركيا أن تبحثَ عن خطط بديلة خارج الأطر المعهودة لتجاوز خطر غير معهود تماما، مشيرًا إلى أنه "لا بد من صناعة أوراق ضغط خارج إطار الدبلوماسية، والتفعيل الفوري لثقل الأمة التركية من القفقاز وآسيا الوسطى إلى الحدود الأوروبية، واستدعاء العمقين الاستراتيجيين للأمة التركية (الأمة العربية، والأمة الكردية) لتشكيل كتلة بشرية مليارية تكون خزانَها البشري الاستراتيجي؛ فهاتين الأمتين أقدر على التكيف والقتال من الأمة التركية التي تحتاج لوقت ليس لصالحها حتى تتكيف".

وأشار الكاتب الجزائري إلى أنه في الوقت الذي تتخذ فيه تركيا إجراءات تقليديةَ لتهدئةِ الوضع مع روسيا، تُصرُّ الأخيرة على التصعيد فتطلق صاروخ "كاليبرا" عابرا للقارات من عمق البحر مداه 10 آلاف كلم، وتجعل من العراق رأس حربة في مجلس الأمن لضرب مصالح تركيا فيه، لافتًا إلى ضرورة "التركيز على السكوت الأمريكي تجاه هذه الخطوات، التي إن حسبناها عسكريا وسياسيا فهي ضد الناتو وأمريكا حقيقة، فإن كانت الصواريخ العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس نووية تهدد أنقرة، فإنها من باب أَولَى تهدد المِنصَّة البحرية للأسطول السادس (سنتكوم) الأمريكي، كما تهدد المنصات البرية الثابتة في كلّ من البلقان وأوروبا، هذا عسكريا، أما دبلوماسيا فإن السماح بالمناورة العراقية في مجلس الأمن ضد تركيا سيعطيها المنصة القانونية لمتابعة الوجود الأمريكي والبريطاني، وغيرهم في العراق".

الكاتب والروائي والمحلل السياسي المصري، أحمد نصار، قال في مقال له بعنوان "لهذه الأسباب على تركيا أن تبدأ في القلق!"، إن الناتو "هو الداعم الحقيقي الذي تعول عليه تركيا، فوجود تركيا قوية أهمية إستراتيجية قصوى للغرب في وجه التمدد الروسي كما أسلفنا، ويبقي على الصواريخ الغربية على مرمى حجر من موسكو. (15 دقيقة فقط)، وبالفعل فقد دعم النيتو موقف أنقرة في الأزمة الأخيرة، وأكد أمين الحلف رواية تركيا بشأن إسقاط الطائرة الروسية، وصرح أوباما (رئيس أكبر قوة عسكرية) أن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها، وصرحت ميركل (أكبر قوة اقتصادية في أوروبا) بذات التصريح".

ولفت نصار إلى أن "بوتين فهم أنه إذا قام بالتصعيد مع أنقرة فإنه لن يواجه تركيا وحدها، بل سيواجه من ورائها الغرب كاملًا، متمثلًا في حلف النيتو التي تعد تركيا من أهم أعضائه، لذلك فإن بوتين غالبًا سيختار أن يرد على تركيا وحده متجنبًا التصعيد مع حلف النيتو، لذا لن يقوم غالبًا بأي مغامرات عسكرية ضد تركيا، وأعلنت روسيا ذلك صراحة، لكن من قال إنه بالحرب المباشرة وحدها تتحقق الأهداف السياسية؟؟ ماذا لو دعم الروس الأكراد، واضطرت أنقرة للتدخل عسكريًّا في شمال سوريا، هل سيبقى موقف النيتو داعمًا لتركيا كما هو الآن؟؟".

وأشار نصار إلى أن "موقف تركيا صعب، صحيح أنها كسبت هذه المعركة على المدى القريب، إلا أنها تواجه خطرًا داهمًا على المدى البعيد، على تركيا أن تتأكد من مواقف حلفائها في الناتو (وفي الولايات المتحدة تحديدًا عقب الانتخابات الرئاسية المقبلة) في حال إذا ما قدم الروس دعمًا عسكريًّا مباشرًا للأكراد! وعليها أن تقنع حلفاءها في النيتو أن صواريخ إس 400 تمثل خطورة على طيران التحالف بقدر ما تمثل خطورة على الطيران التركي! وعليها أن تحصل على بطاريات دفاع جوي بأي شكل!".

وأضاف، أن "على تركيا أن تستعد لكافة الاحتمالات، بما فيها التدخل عسكريًّا في شمال سوريا، والاشتباك بشكل مباشر أو غير مباشر مع الروس! فجميع الحروب بدأت بشرارات صغيرة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور".

أما الكاتب الفلسطيني، الدكتور "سعيد الحاج"، فأشار في مقال له بعنوان "انعكاسات الأزمة مع روسيا على تركيا استراتيجيًّا"، إلى أن "حزب العدالة والتنمية بنى رؤيته على إعادة اكتشاف تركيا لمكانها ومكانتها وإمكاناتها من خلال التوازن بين الشرق والغرب في العلاقات والتوجه، وحاول على مدى سنوات طويلة بناء عناصر قوة مستدامة يستطيع من خلالها اجتراح سياسة خارجية مستقلة جزئيا ونسبيا عن دوائر ارتباطه الغربية، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي"، لافتًا أنه "على مدى سنوات طويلة، عززت تركيا حضورها في "عمقها الاستراتيجي" وفق نظرية داود أوغلو، أي الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز دون أن تقطع شعرة معاوية مع حلفائها الإستراتيجيين في الغرب، فكانت لها مواقفها المتمايزة عنهم في بعض قضايا المنطقة مثل سوريا ومصر وفلسطين".

وتابع الحاج قائلًا: "لئن أدى الدعم السياسي واللفظي المقدم من دول الناتو لتركيا إلى تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، فإنه قزّم الدور التركي من مستوى دولة إقليمية فاعلة وشبه مستقلة إلى مجرد عضو في منظومة الناتو الأشمل. هكذا، يبدو أن موسكو تساهم مرة أخرى بهذا التهديد -عن قصد أو غير قصد- في تحديد وجهة ومستقبل تركيا في الإقليم والعالم. إن وجود 36 سفينة حربية من 12 دولة مختلفة -أغلبها من حلف الناتو- في شرق المتوسط، يعني أن مستوى الصراع ارتفع من الإقليمي إلى الدولي، وأن القرارات المصيرية سيتخذها الحلف لا الدول، وأن الحلول السياسية ستصوغها صفقات "الكبار" التي ستفرض على الباقين فرضا. بهذا المعنى، تكون أنقرة قد تحولت -ولو مرحليا- من فاعل إلى تابع، ومن صانع السياسات إلى المتأثر بها، وفي سياق شديد الارتباط بهذه الزاوية، تخلت أنقرة -أو بالأحرى أجبرت على التخلي- تماما عن منظومة أس 300 الصاروخية الصينية التي كانت تطمح من خلالها إلى تنويع مصادر أسلحتها النوعية والاستراتيجية، بعد شهور من الشد والجذب مع الناتو الذي فاز بالصفقة في نهاية المطاف".

وقال أيضًا: "من ناحية أخرى قضت الأزمة الحالية -وإلى مدى غير معلن وربما نهائي- على محاولات تركيا الانضمام إلى منظمة شنغهاي التي أصبحت "شريكا للحوار" فيها عام 2013 وطلبت عضويتها عام 2014 كبديل محتمل -أو تهديد معلن- عن باب الاتحاد الأوروبي الموصد في وجهها. فاليوم، بعد تأزم الموقف مع موسكو وبعد الصفقة الأخيرة مع الاتحاد، عادت الدماء لتتدفق في شريان المفاوضات التركية الأوروبية لكسب العضوية، والتصقت تركيا أكثر بموقف الاتحاد".

وكان أمين عام حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، ينس ستولتنبرغ، قال في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، في مقر الحلف ببروكسل، ذلك عقب لقاء جرى بين الطرفين هناك، "إن أعضاء الحلف يُجمعون على حق تركيا في حماية مجالها الجوي، داعيًا روسيا إلى القيام "بدور بنّاء في استهداف العدو المشترك، وهو تنظيم داعش"، مضيفًا أن "الأوضاع على حدود الناتو الجنوب شرقية تتغير بسرعة، وناقشنا الأحداث التي أسفرت عن إسقاط طائرة روسية، جميع الأعضاء يدعمون حق تركيا في الدفاع عن أجوائها الجوية وحماية وحدة ترابها".

وأعرب أمين عام الناتو عن امتنانه لجهود تركيا في خفض التوتر ومحاولتها  التواصل مع موسكو، معتبرًا أن حادثة الطائرة، "أثبت أهمية تقوية الآليات الدولية من أجل استقرار علاقات الحلف مع روسيا وزيادة الشفافية والقدرة على التنبؤ".

وأكد أهمية وجود هذه الآليات في منع وقوع حوادث مماثلة، ومنع حصول توترات في حال وقوعها، والحيلولة دون خروجها عن نطاق السيطرة، لافتاً في الوقت ذاته إلى "تطابق معلومات تركيا مع معلومات الحلف حول إسقاط الطائرة الروسية".

الجدير بالذكر، أن تركيا تشهد خلال الفترة الأخيرة أزمة سياسية واقتصادية مع روسيا بسبب إسقاطها مقاتلة روسية من طراز "سوخوي-24"، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لدى انتهاكها المجال الجوي التركي عند الحدود مع سوريا بولاية هطاي (جنوبا)، وقد وجّهت مقاتلات تركية، 10 تحذيرات للطائرة الروسية خلال 5 دقائق- بموجب قواعد الاشتباك المعتمدة دوليًا- قبل أن تسقطها، فيما أكد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، صحة المعلومات التي نشرتها تركيا حول حادثة انتهاك الطائرة لمجالها الجوي.

هذا واتهم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تركيا (عقب حادث إسقاط المقاتلة) بشراء النفط من تنظيم داعش ودعمه، وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال أثناء مشاركته في أعمال قمة الأمم المتحدة للمناخ بباريس، ردًا على مزاعم نظيره الروسي، إن "المصادر التي نشتري منها النفط والغاز الطبيعي معروفة لدى الجميع، وهي مصادر مشروعة ومعلنة، ولسنا عديمي الكرامة لنتعامل مع منظمات إرهابية (في إشارة لداعش)".

كما وقّع بوتين، مرسومًا، يتضمن سلسلة إجراءات اقتصادية ضد تركيا، تتضمن منع المؤسسات والمنشآت التركية من ممارسة نشاطات في روسيا، ووقف استيراد بعض السلع ذات المنشأ التركي مؤقتًا، أو منع استيرادها بالكامل، ومنع كافة الشركات العاملة في روسيا، من توظيف مواطنين أتراك، اعتبارًا من مطلع كانون ثاني/يناير 2016 المقبل".

ووقّع بوتين أيضًا قرارًا، بتعليق السفر بدون تأشيرة بين روسيا وتركيا من طرف واحد، اعتبارًا من مطلع العام المقبل 2016، فضلًا عن منع الشركات السياحية من تنظيم رحلات إلى تركيا، ووقف رحلات الطائرات المستأجرة من قبل الشركات (شارتر)، بين البلدين، وتشديد الرقابة على شركات الشحن التركية الناشطة في روسيا، والناقلات البحرية التركية في البحر الأسود وبحر آزوف.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!