Banner: 

ولاء خضير - خاص ترك برس

تباينت الروايات حول الموطن الأصلي للطربوش، فهناك من يقول إنه بدأ بالظهور منذ بداية القرن الثامن عشر في تركيا نفسها، وكان العامل الأساسي في انتشاره وشيوعه في بلاد الشام، والبلدان العربية، هو الفرمان الذي أصدره السلطان العثماني محمود الثاني، والذي اهتم بلباس رجال دولته ورعيته، وأوجب في هذا الفرمان لبس الطربوش كلباس للرأس، معترف به رسميًا، وكان أول من لبس الطربوش من سلاطين الدولة العثمانية، وكان رمزًا للهوية الإسلامية.

ويُشار إلى أن والي مصر العثماني محمد علي باشا، قد أنشأ في مصر مصنعًا للطرابيش، حتى لا يستورده المصريون من الخارج، لكن هذا المصنع تم تفكيكه فيما بعد، بموجب اتفاقية 1840م المعروفة بمعاهدة لندن، بين الدولة العثمانية وثلاث دول أوروبية، للحد من توسعات محمد علي باشا حاكم مصر.

وبعد أن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وفي عام 1921م، أصدر المجلس في تركيا، بقيادة مصطفى  كمال أتاتورك "القانون الأساسي"، الذي تزامن صدوره مع إعلان تحرير الأراضي التركية في عام 1922م، وأعلن فيه أتاتورك إلغاء السلطنة العثمانية الإسلامية، وتبعها إعلان قيام الجمهورية التركية في 1923م.

بدأ أتاتورك مجموعة من "الإصلاحات" التي رأى أنها ضرورية "لإعادة بناء الأمّة التركية"، ومن بينها منع المدارس الدينية، وإلغاء المحاكم الشرعية، وإزالة الأضرحة، وإلغاء الألقاب، كما ألغى مصطفى كمال استخدام الحرف العربي في الكتابة، وأمر باستخدام الحرف اللاتيني، ثم أقر قوانين مدنيّة مستوحاة من الدستور الغربي، ومنع لبس الطربوش والعمامة، وحل محلهما القبعة الغربية والبدلة!.

وبهدف نشر العلمانية، بدأ مصطفى كمال أتاتورك يبشر بإصلاحته، قائلًا: "إذا أردنا أن نكون شعبا متمدنًا، فينبغي أن نرتدي ثياب المتمدنين الدولية، اما الطربوش فهو رمز الجهل"!.

لكن الجماهير التركية لم تتلقَّ هذه النظرية بقبول وارتياح، بل رفضتها تمامًا، إلا أن أتاتورك أصدر أوامره، بتجريم ارتداء الطربوش، ومعاقبة من يرتديه.

وبعد يومين من صدور هذا القانون، أخذ رجال الشرطة يتعقبون الأتراك في الشوارع، لينزعوا الطرابيش من فوق رؤوسهم بالقوة، وعندئذ سادت البلاد موجة من الغضب العارم، وشكل الحكم العلماني محاكم أطلق عليها محاكم الاستقلال، وأرسلها إلى الأقاليم التركية، لتحاكم المتمردين الغاضبين، وتحكم عليهم بالسجن، أو بالاعدام شنقا، أو رميا بالرصاص.

وفي عام 1925م أصدر أتاتورك قانون القبعة، الذي منع فيه ارتداء أي غطاء رأس سوى القبعة/ البرنيطة، وكان ذلك بعد عام من إلغائه الخلافة الإسلامية، وعامين من معاهدة لوزان 1923م .

وتم القاء القبض على كثير من العلماء، وكان في مقدمتهم الشيخ وعالم الدين محمد عاطف أفندي، الذي كان يُحرم تقليد الغرب باللباس والتصرفات!، وفي 26 كانون الثاني/ يناير 1926م، قدم الشيخ للمحاكمة للمرة الأولى، أمام محكمة الاستقلال، فهو أول من كتب ضد القبعة!.

وفي يوم الخميس 21 يناير 1926م، قامت ثورة عارمة، واحتجاجات في مدينة غيراسون التركية، وسميت (ثورة القبعة)، لأنها كانت ثورة ضد قانون القبعة، الذي أصدره مجلس الأمة التركي، بأمر من مصطفى كمال أتاتورك، والمعروف أن كتاب عاطف أفندي عن (تقليد الفرنجة والقبعة)، كان هو الوقود الذي أشعل هذه الثورة!.

وعندما مثل الشيخ عاطف أمام المحكمة، طالب المدعي العام بالحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وعندئذ طلب منه القاضي أن يكتب دفاعا عن نفسه، يعرضه على هيئة المحكمة في اليوم التالي، وبدأ الشيخ عاطف يكتب دفاعه عن نفسه، ثم مزق الورقة التي يكتب فيها دفاعه عن نفسه، وفي اليوم التالي، سأله القاضي عن دفاعه، فأجابه بأنه "لا حاجة بي يا سيدي إلى دفاع، لأنني لم أرتكب ذنبًا يستوجب الدفاع عن نفسي"، ثم صُدر الحكم بعد ساعة واحدة بـالإعدام شنقا!.

وفي وصف الحادثة، يذكر الأستاذ نجيب فاضل في كتابه "سالف الذكر" فيقول: "حدثني الشيخ طاهر المولوي بنفسه عام 1932م، وكان يحاكم أمام نفس المحكمة قائلًا: جلس عاطف أفندي في السجن بعد صلاة العشاء، وأخذ يكتب دفاعه عن نفسه كما طلب منه القاضي، ثم غفى قليلا بعد أيام طويلة لم يذق للنوم فيها طعمًا، غفى وفي يده ورقة الدفاع الذي لم يكمله، ولم يستمر نومه طويلا، وفجأة فتح عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة عميقة ورقيقة عجيبة. وسألته: ماذا حدث يا فضيلة الشيخ ولماذا استيقظت سريعا!".

"قال الشيخ: قد حصل المراد من النوم.. يعني رأيت الرؤيا التي كنت أنتظرها، فسألته: ماذا رأيت؟

اعتدل الشيخ في مجلسه وقال: رأيت فخر الكائنات سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول لي: "يا عاطف أتشغل نفسك بالدفاع عن نفسك، ولا تريد اللحاق بنا؟".

"فقال طاهر المولوي للشيخ: بماذا تفسر هذه الرؤيا؟ فقال عاطف افندي: سيعدمونني، وسألتحق بحبيب الله (صلى الله عليه وسلم)".

وفي اليوم التالي حكمت المحكمة على عاطف أفندي بالإعدام، على أن ينفذ الحكم فورًا، فتم التنفيذ في فجر اليوم التالي.

وفي حكاية أخرى عن منع الطربوش، تمّ في عام 1930م تعيين عبد الملك حمزة سفيرا لمصر فى أنقرة، وظل يرتدي طربوشه مده عامين كاملين أثناء اقامته هناك، حتى يوم الإحتفال بالعيد الوطني التركي في تشرين الأول/ أكتوبر 1932م.

وكان أتاتورك قد أقام مأدبة رسمية، أعقبها حفل راقص فى أنقرة، وحضره أعضاء السلك الدبلوماسي فى تركيا، وكان أتاتورك يأكل قليلًا، ويشرب كثيرًا، وأثناء الحفل مرّ أتاتورك بالسفير المصري، الذي كان يرتدي الطربوش، والذي كان رمزا للوطنية والاستقلال في مصر.

ويروي السفير الإنجليزي سير جورج كليرك ما حدث كالتالي: "أتاتورك للسفير: قل لملكك إنني أنا مصطفى كمال، أصدرت أوامري بأن تخلع هذا الطربوش من على رأسك الآن، ثم نادى النادل، وخلع السفير الطربوش، وأعطاه للنادل، ونظرات الدهشه فى أعين المدعوين، وانسحب السفير من الحفل، وغادر فورًا".

وحين وصل الأمر إلى ملك مصر، الملك فؤاد الأول، أراد تضخيم المسألة، حتى وصلت لمذكرة تهديد بسحب البعثة المصرية من أنقرة، تقول مجلة اللطائف المصورة: "لقد تدخل أتاتورك فيما لا يعنيه، المصريون أحرار، يرتدون فوق رؤوسهم ما يريدون"، فتغير موقف أتاتورك.

وفي حفل أقامه الهلال الاحمر التركي، بمناسبة رأس السنة، التقى مره أخرى أتاتورك والسفير المصري، واستدعى أتاتورك حمزة، وكان حاسر الرأس، دون طربوش، ودار الحوار بينهما:

أتاتورك: لماذا لاتلبس الطربوش

حمزه بك: مندهشا…

أتاتورك: لماذا كتبت عنى تقريرا إلى حكومتك؟

حمزه بك:…

أتاتورك: ارتدي الطربوش فأنت مصري، وإذا لم ترتدِ الطربوش في حفل 29 أكتوبر القادم، فإني أنا الذي سأكتب عنك تقريرًا، وأرسله الى حكومتك".

الأ أنه بعد ذلك وحين قامت ثورة 23 تموز/ يوليو في مصر عام 1952م، ألغى الرئيس جمال عبد الناصر لبس الطربوش، باعتباره "رمز للتسلط والإقطاع"، بعد ما كان إلزاميا على الموظفين، وطلاب المدارس، والجامعات، وعليه بدأ الطربوش بالاختفاء من مصر، ومن ثم باقي الدول العربية، وتخلص الرجال في هذه البلاد من الطرابيش للأبد تقريبًا!.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!