د. باسل الحاج جاسم - خاص ترك برس

اعتبر المفكر والاستراتيجي زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق أن الثورات العربية ليس بالضرورة أن تأتي بأنظمة موالية للغرب، كما أنها قد لا تكون ديمقراطية، لأن الديمقراطية تحتاج إلى وقت، وستقود إلى إضعاف الدور الإيراني في الشرق الاوسط.

و قال بريجنسكي في حوارات خاصة أجريتها معه في كل من 2009 و2011، إلا أن إعادة نشرها اليوم تتماشى تماما مع مجريات الأحداث، التي بدأت قبل خمس سنوات في عديد من دول الشرق الأوسط، أو أوراسيا كما سماها بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى، الصحوة السياسية من المرجح أن تؤدي إلى ظهور الشعبوية، بدلا من الأنظمة الديمقراطية، واضاف بريجنسكي أن الديمقراطية هي عملية معقدة، ولتطويرها مطلوب الكثير من الوقت أولا وقبل كل شيء، الكثير من الوقت لظهور ديمقراطية دستورية صلبة، في حين أن الشعبوية تلتقط مزاج الجماهير، لذلك، أعتقد أن الأنظمة التي ستسيطر عليها الشعبوية المتزايدة، من غير المرجح أن تكون على استعداد لتقاسم وجهات النظر مع الولايات المتحدة، على سبيل المثال في مشكلة الشرق الأوسط.

وأشار بريجنسكي، بالنسبة للمستقبل المنظور، إلى إننا بحاجة إلى ترك الوهم، هذه البلدان (في اشارة إلى الدول التي شهدت حراكًا شعبيًا) ليس بالضرورة أن تتحول، إلى إصدارات صديقة مصغرة عن الديمقراطيات الأوروبية.

وما إذا كان النفوذ الإيراني سوف يتضاءل في المنطقة العربية بسبب التغييرات في العالم العربي، قال بريجنسكي إن نفوذ إيران خارج حدودها سيبدأ بالانحسار مع بداية الانقسام بين الشيعة والسنة بشكل عام، وإمكانية النظام الإيراني للتأثير على الأغلبية السنية في الدول العربية ستكون محدودة للغاية.

وفيما يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط، في رأي بريجنسكي، سيكون حل هذه المشكلة في نهاية المطاف أكثر صعوبة، الآن إسرائيل والفلسطينيين ليسوا قادرين على القيام بذلك بأنفسهم، يجب على المجتمع الدولي أن يدعم هذه العملية، ليس بالخطابات، ولكن بالمشاركة العملية، ويضيف: كانت لي تجربة مع العرب، وأنا شاركت في الكثير من المفاوضات لحل هذه الأزمة. العرب يحبون التحدث كثيرًا عن معاناة الفلسطينيين من دون أن يقدموا أي مساعدة حقيقية، ومعظم النخب العربية لا تريد التضحية لحل هذه الأزمة. ويتذكر اتفاقية كامب ديفيد بقوله: كل الحكومات العربية عملت كل ما تستطيعه لمنع الاتفاق المصري – الإسرائيلي.

ويؤكد أن العرب لم يصبحوا أبدًا جادين في التفاوض إلا قبل سنوات، إذ أصبحوا واضحين عند تقديمهم المبادرة العربية. ويشير إلى أن العرب لا يريدون التفاوض، وفي الوقت نفسه لا يستعدون لشن حرب. ويتابع بريجنسكي: لا بد من تقديم تنازلات من الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل الوصول إلى حل لهذه الأزمة.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية - الروسية، والروسية - الصينية، ومشروع نشر الدرع الصاروخية، يحاول بريجنسكي لفت الانتباه إلى مستقبل العلاقات الروسية - الصينية بدلًا من العلاقات الروسية مع الغرب بقوله: أعتبر ان قلقًا سيسود في المستقبل، ولو كنت مواطنًا روسياً لكنت أكثر قلقاً على علاقة روسيا مع الصين من العلاقة مع واشنطن، فالصين تتغير وبشكل سريع، والتغير يحدث في كل الاتجاهات، وأكثر مما يظنه البعض،وفي خصوص توسع حلف "الناتو"، يرى بريجنسكي أنه أمر طبيعي نظراً إلى توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً، أما نظام نشر الدرع الصاروخية فيعتبره نظاما اختُرع لصد خطر غير موجود.

وحول كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" الذي نشره في التسعينيات من القرن الماضي، واستخدامه تعبير أوراسيا واعتباره كازاخستان حصن منطقة آسيا الوسطى، يوضح: لا أحد يمكنه أن ينفي الدور المهم الذي تلعبه كازاخستان كحصن للمنطقة، وبسبب مساحتها الكبيرة وموقعها الجغرافي، فهي تحمي دولًا أخرى في آسيا الوسطى من ضغط روسيا المباشر، لكونها الوحيدة التي لها حدود مشتركة مع روسيا، ويضيف: واذا تابعت كازاخستان مهمتها هذه بنجاح، فإن كل دول المنطقة سيكون لها استقلالها الحقيقي. ويشير إلى أنه قصد بـ "أوراسيا" جغرافيا واسعة من العالم تضم إضافة إلى آسيا الوسطى، جنوب القوقاز والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان ودولًا أخرى.

وفيما يتعلق بالأزمة الروسية - الأوكرانية وقطع روسيا إمدادات الغاز عن أوكرانيا، قال بريجنسكي إن بوتين ومن يحيط به بدأ يظهر لديهم الحنين إلى الماضي ويحلمون بتشكيل اتحاد سوفييتي جديد مع بعض الدول.

وسبق و تحدث زبيغنيو بريجنسكي عن أردوغان قائلا: إنه يجمع إلى الحنكة الطموح، وإلى الدماثة الصلابة، ولكنه يحذر من "اللحظة التركية" في الشرق الأوسط، وهي المجتمعات التي سيطر عليها الفراغ الاستراتيجي لعقود.

يذكر أن بريجنسكي كان له موقف من الحرب على العراق، إذ اعتبر أن هذه الحرب ستخرج امريكا من المنطقة كما أخرجت حرب السويس كلًا من فرنسا وإنكلترا من المنطقة، وانتقد الرئيس الأمريكي جورج بوش على خلفية تشبيه الأخير الأصولية الإسلامية بالشيوعية.

ومعلوم أن بريجنسكي توقّع سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان يعتبره امبراطورية الشر، وكان له دور في أول مفاوضات عربية - إسرائيلية انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد. زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي في إدارة الرئيس السابق جيمي كارتر، الذي شغل منصب مستشار لأكثر من رئيس أمريكي؛ عُيّن في إدارة الرئيس الراحل رونالد ريغان عضوًا في لجنة الأسلحة الكيماوية، ومن عام 1987 حتى عام 1988 كان ضمن اللجنة المشتركة بين لجنة الأمن القومي ووزارة الدفاع الأمريكيتين لإعداد الاستراتيجيات طويلة الأمد.

عن الكاتب

د. باسل الحاج جاسم

كاتب وباحث في الشؤون التركية الروسية، ومستشار سياسي، ومؤلف كتاب: كازاخستان والآستانة السورية "طموحات نمر آسيوي جديد وامتحان موسكو"


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس