فؤاد شهبازوف - فوربس - ترجمة وتحرير ترك برس

في ظل التصعيد الجديد للحرب الأهلية في سوريا، ظهرت ثلاثة تحديات جديدة، الأمر الذي سيكون له أثر لا ينكر في منطقة الشرق الأوسط. هذه التحديات الجديدة هي: أولا، توسيع التدخل العسكري الروسي (استخدام قاعدة همدان الجوية)، وثانيا نجاح قوات التحالف في تحرير عدد من المدن السورية من تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأخيرا مشاركة الجيش التركي الثالث في الصراع ضد الدولة الإسلامية.

الهدف من العملية العسكرية "درع الفرات" تحرير النقاط الاستراتيجية التي استولت عليها داعش قبل عامين. ووفقا للسلطات التركية، فقد أُنجزت بنجاح عملية تحرير مدينة إعزاز. على أن أول ضحية تركية في عملية درع الفرات سقط بعد هجوم شنه مقاتلون أكراد خلف قتيلا وثلاثة جرحى. قال المسؤولون الأتراك صراحة إن هدفهم هو ضمان ألا توسع القوات الكردية الأراضي التي تسيطر عليها بالفعل على طول الحدود التركية السورية، وكذلك طرد داعش من تلك المناطق التي تسيطر عليها.

من الصعب على ما يبدو وضع تقدير صحيح للعملية الجارية في سوريا، وخاصة التنبؤ بتداعياتها على المدى البعيد على دول المنطقة. لكن يمكن أن نؤكد بثقة أن الرئيس السوري بشار الأسد سيظل في السلطة لعدة سنوات قادمة. بدأت نقطة التحول في العملية بمبادرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي استهدفت إحياء العلاقات الثنائية مع روسيا بعد إسقاط الطائرة الروسية سوخوي 24.

يشكل الظهور المحتمل لدولة كردية على طول الحدود التركية السورية تهديدا أكبر بكثير من نظام الأسد، ولهذا بدأت أنقرة على الفور إجراء تغييرات معينة في سياستها تجاه سوريا بتلطيف نبرة الخطاب تجاه نظام الأسد ووقف المطالبة بعزله. وتعتقد المصادر أن التحول الكبير الذي تنفذه تركيا على سياستها الخارجية في الأزمة السورية ينبع أساسا من الخشية من التهديدات الكردية. ومن بين الأسباب الأخرى أن إصرار تركيا على المطالبة برحيل الأسد عن السلطة على مدى السنوات الخمس الماضية أضر بالمصالح الوطنية التركية. كانت الإدارة التركية تعتقد اعتقادا جازما أن رحيل الأسد عن السلطة أمر لا بد منه لتحقيق الاستقرار في سوريا. ومع ذلك فربما دفع الخوف من إقامة دولة كردية على الأراضي السورية كلا من أنقرة ودمشق إلى معارضة مشتركة للميليشيات الكردية.

من وجهة نظر تركيا، أظهر أردوغان رغبة واستعدادا لمكافحة تزايد التهديدات الكردية، فتصرف بسرعة وضمنيا عندما أدرك أن التهديد الرئيس لسلامة بلاده قد يظهر بتوحد المقاتلين الأكراد على جانبي الحدود السورية العراقية . ويبدو أن السيد أرودوغان يقصد بجدية القضاء على حلم الدولة الكردية. وعلى ذلك فإنه في إطار التقارب مع روسيا، تدعم أنقرة بحماس القتال ضد الدولة الإسلامية، أملا في كسب الشرعية من الولايات المتحدة (أدانت الولايات المتحدة الحملة التركية ضد قوات وحدات حماية الشعب الكردي، وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا) . على أن تركيا استفادت من العملية الجارية، على الرغم من محاولة الانقلاب العسكري الساقط في ال15 من يوليو/ تموز. وقد أوضحت العملية العسكرية التي بدأت بعد التطهير الشامل للجيش كيف ضمن أردوغان السيطرة على الجيش. نجح السيد أردوغان في تعزيز مواقفه في المنطقة بقتاله للأكراد والدولة الإسلامية في نفس الوقت،وهو ما يعني أن بقاء بشار الأسد في السلطة لا يمكن أن يهدد موقف أردوغان.

في هذا الصدد يبدو أن الأكراد هم الخاسر الوحيد في هذه اللعبة. خسروا فرصة الحصول على الاستقلال، كما خسروا فرصة توحيد قوتهم من الحدود العراقية وحتى حلب. وبالتأكيد فإن اعتماد الأكراد الكبير على البيت الأبيض لا يسوغ حلمهم عن تحالف وثيق. ومما لا شك فيه أن الدعم الأمريكي للتدخل العسكري التركي في سوريا ضد داعش (ولكنه في الواقع ضد حزب الاتحاد الديمقراطي) سيكون المحفز المقبل للعلاقات الكردية الأمريكية . موقف واشنطن من الميليشيات الكردية أمر مفهوم. وقد أثبت الأكراد السوريون أنهم أكثر قوة يمكن الاعتماد عليها على أرض الواقع ضد الدولة الإسلامية في سوريا. بعد دخول روسيا إلى الساحة مؤيدا قويا للأكراد، شعرت الولايات المتحدة على ما يبدو بالقلق من تحول محتمل في تحالفات الأكراد، حيث يمكن للولايات المتحدة أن تفقد واحدا من أهم حلفائها في سوريا لصالح روسيا.

وعلى الرغم من تصريح أنقرة الواضح بأنها لن تسمح بإقامة كيان كردي مستقل في شمال سوريا، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي يقول إنه لن ينسحب من المناطق التي استولى عليها، وبالتحديد من مدنية منبج. ويقال إن تركيا تعهدت بالبقاء في سوريا حتى تفي القوات الكردية بتعهدها بالانسحاب من منبج، وهي بلدة سورية استراتيجية على الجانب الغربي لنهر الفرات استولت عليها الميليشيات الكردية من الدوةلة الإسلامية في وقت سابق من الشهر الماضي. لكن بعد أن حذر نائب الرئيس الأمريكي الأكراد من أنهم سيكونون في خطر فقدان الدعم الأمريكي ما لم ينسحبوا، أعلنت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي أنها ستترك منبج في يد حلفائها العرب.

تعمل واشنطن حاليا على خطة لتخفيف التوتر يمكن أن تحول دون وقوع مواجهة طويلة بين الميليشيات الكردية والجيش التركي، لأنه عندما تفقد الولايات المتحدة أحد حلفائها، فإنها ستستبدل به حليفا محتملا آخر ضد الإسلاميين المتطرفين. ومهما يكن من أمر فإن الأكراد السوريين لا يزالون بعيدين عن حلم الاستقلال الذي طال انتظاره، في حين أنه بالنسبة لتركيا فإن ذلك فرصة لتحقيق رغبتها في إقامة منطقة عازلة آمنة في شمال غرب سوريا.

وخلاصة القول أن هناك نتيجتين رئيسيتين للحرب الأهلية في سوريا: أولهما أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها ورغبتها في التدخل في الصراع السوري الذي لا نهاية له. يتراجع تأثير الولايات المتحدة في المنطقة يوما بعد يوم، على الرغم من أنها حققت أخيرا بعض النجاح ضد الدولة الإسلامية . وعلى العكس تكسب روسيا أرضية واسعة لمزيد من المناورات السياسية والعسكرية بعد تغير موقف تركيا من الأزمة السورية. لا شك أنه دون دعم أنقرة من المستحيل تقريبا تحديد مصير الشرق الأوسط.

عن الكاتب

فؤاد شهبازوف

محلل سياسي في مؤسسة ويكي ستارز الأمريكية، وصحيفة تايمز أوف إسرائيل.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس