محمد بن المختار الشنقيطي - الجزيرة نت

لم توقع تركيا بيان الرياض الذي يعلن الحرب على تنظيم داعش، رغم حضورها اللقاء. ورغم توقيع أميركا وعشر دول عربية له، وهي دول الخليج والأردن ومصر والعراق ولبنان. وكانت الذريعة التركية هي وجود مواطنين أتراك رهائن بأيدي داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) يومها. 

بيد أن تحرير الرهائن الأتراك دل على أن ما يقلق أنقرة أكبر من مجرد قضية الرهائن، وإنما هو أمر يلامس رؤيتها الإستراتيجية ونظرتها لذاتها ودورها، ولمآلات المنطقة بشكل عام، وهو أمر يتناقض مع الرؤية الأميركية التي تتبناها دول الثورة المضادة العربية. 

ولا تزال تركيا ترفض الالتحاق بركب الحرب على داعش ضمن الرؤية الأميركية التي تريد تدمير التنظيم دون مساس بالنظام السوري، بل مع استمرار الحرب في سوريا مصهرة استنزاف لجميع الأطراف بما فيها تركيا. ولو كانت الدول العربية تحسب حسابات إستراتجية مستقلة عن الخيارات الأميركية لما اختلف موقفها عن الموقف التركي، ولاشترطت على الأميركيين شروطا تخدم الشعب السوري وتُنهي محنته، لكن أصحابنا اعتادوا السير في الركب الأميركي إيمانا واحتسابا.

ينطلق الموقف التركي من مسلمة ضمنية، هي أن هزيمة داعش -دون إعداد بديل على الأرض يمكن الاطمئنان إليه- ستخلق فراغا سياسيا وأمنيا يقود إلى أحد أمرين أحلاهما مر:

إما أن تملأ قواتُ الأسد الفراغ وتتمدد شمالا إلى الحدود التركية، وهذا سيجعل تركيا في موقف صعب. فوصول قوات الأسد إلى حدودها الجنوبية -بكل ما تحمله من روح انتقامية من تركيا الداعمة للثورة السورية- سيهدد الأمن التركي تهديدا جديا، إضافة إلى أن ذلك سيكون هزيمة عسكرية منكرة لقوى الثورة السورية التي راهنت عليها تركيا واستثمرت فيها لحوالي أربع سنين.

والاحتمال الثاني هو أن داعش إذا انهزمت فستحل محلها قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، الذي يسعى إلى إنشاء منطقة حكم ذاتي كردية في شمال سوريا، على غرار إقليم كردستان العراق. وهو حزب قريب من حزب العمال الكردستاني التركي الذي خاضت الحكومة التركية ضده حربا شعواء خلال العقود الثلاثة الماضية، وهذا احتمال أسوأ من وجهة نظر القيادة التركية، لأنه قد يشعل حربا بينها وبين الأكراد كانت قدمت الكثير من أجل احتوائها وإنهائها في الأعوام الأخيرة، ويكون حاجزا بينها وبين المجال السوري الحيوي بالنسبة لها. 

على أن الخلاف بين تركيا وأميركا وحلفائها من دول الثورة المضادة العربية خلاف عميق، يتجاوز الاعتبارات المحلية في تركيا وسوريا والعراق. فالأولوية عند أميركا وحلف الثورة المضادة هو وأد الثورات العربية، بما فيها الثورة السورية، إما بمنعها من الانتصار على الاستبداد، وإما بقطف ثمارها من خلال تعيين قيادات موالية لأميركا بديلا عن القيادات التي ثارت عليها شعوبها. 

وداعش -في نظر الأميركيين- هي المشكلة، أما همجية الأسد المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام فليست مشكلة على الإطلاق، بل هي أمرٌ مرغوب ومطلوب استمراره.

فما يسعى إليه الأميركيون هو التعامل مع مشكلة داعش تعاملا موضعيا، دون تعكير صفو الثورة المضادة، بل بما يخدم مسار الثورة المضادة، ودون السماح لأي قوة تغيير عربية بالاستفادة من الحرب الغربية ضدها، وإن استفاد الأسد من الحرب على داعش فلا بأس في ذلك من وجهة النظر الأميركية. المهم ألا تستفيد الثورة السورية من ذلك. والقيادة التركية الحالية -من منظور أميركا ودول الثورة المضادة العربية- جزء من المشكلة لا من الحل، لأنها قيادة منتخبة، مستقلة القرار، تستجيب للرأي العام في بلدها، وتتعاطف مع مشاعر الشعوب العربية ومطامحها إلى الحرية. وهي -إلى ذلك- محسوبة على القوى السياسية الإسلامية التي تشن ضدها أميركا -عبر وكلائها المحليين- حربا لا هوادة فيها. 

أما القيادة التركية فهي ترى داعش عرضا لمرض، هو همجية الأسد والفظائع اليومية التي يرتكبها ضد شعبه. وهي همجية لم تفعل داعش ما يقاربها، ولن تستطيع فعل ذلك مهما أوغلت في الدماء، ومهما تجاوزت من خطوط حمراء. 

ثم إن محاولة القوميين الأكراد ركوب متن الحرب الأميركية على داعش لبناء إقليم سوري شبه مستقل على الحدود التركية خط أحمر لدى القيادة السياسية والعسكرية التركية، لأنه خطر على نسيج الدولة التركية، ووسيلة من وسائل حصار تركيا وإبعادها عن التأثير في دول الجوار العربي، خصوصا سوريا والعراق. 

تريد تركيا علاج الداء السوري، وهو وجود نظام طائفي همجي، استباح شعبه دون أي روادع أخلاقية أو قانونية أو سياسية، وهو يرتكب جرائم حرب يوميا منذ أعوام ثلاثة، لا تقارن بها كل جرائم داعش طيلة تاريخها. وتريد أن يكون لها تأثير في جوارها العربي، وعدم تركه نهبة للعب الأميركيين والإيرانيين. أما داعش وغيرها من الجماعات غير المرغوب فيها، فأحرار سوريا أقدرُ وأجدرُ على التعامل معها، حينما يتخلصون من السفاح، ويضعون أسس دولتهم الحرة. 

وتشترط تركيا للتعاون مع الأميركيين تدعيم قوات الثورة السورية، وإعلان منطقة آمنة في الشمال السوري توقف مذبحة البراميل المتفجرة والقصف اليومي الذي ينفذه طيران الأسد ضد شعبه، وتمكن السوريين من الرجوع إلى ديارهم.

في الحرب الأميركية على داعش شق ظاهر وشق مضمر. أما الشق الظاهر فهو تدمير هذا التنظيم الذي أزعج الأميركيين واستفزهم وخلط أوراقهم في العراق وسوريا. وأما الشق المضمر فهو سعي الأميركيين -بتفاهم ضمني مع إيران وتبعية ذليلة من دول الثورة المضادة العربية- إلى تحقيق غايتين: أولاهما تصفية الثورة السورية دون الإعلان عن ذلك جهرة، انسجاما مع الإستراتيجية الأميركية في وأد الثورات العربية، دون المجاهرة بذلك خوفا من ردود أفعال الشعوب. والثانية: حصار تركيا إستراتيجيا بنطاق كردي معاد، يحول بينها وبين التأثير في الدول العربية، ومناصرة الشعوب العربية، والحيلولة بين تركيا وبين الاقتراب من حدود الدولة العبرية، إذا ظهر نظام سياسي في دمشق متحالف مع تركيا. 

ويحرص الأميركيون إلى منع تركيا من أي نفوذ داخل سوريا -تحديدا- لأن الإسرائيليين حريصون على ذلك. فأخشى ما تخشاه الدولة العبرية هو وصول الثوار السوريين إلى دمشق على ظهور الدبابات التركية، أو بدعم سياسي واقتصادي تركي. لأن ذلك يعني بذرة حلف ممانعة ومقاومة جديد على حدودها، يقض مضجعها، ويحد من عنجهيتها، بعد أن تخلى حلف الممانعة القديم الإيراني الأسدي عن ممانعته، وأصبحت غاية مطامحه هي القبول به شريكا في الحروب الأميركية الاستنزافية في المنطقة. 

لكن تركيا ليست في عجلة من أمرها، فهي تعتبر المواجهة في عين العرب (كوباني) تفصيلا بسيطا في صورة إستراتيجية مركبة، كما تدرك أن مفاتيح الأزمة السورية بيدها. فلا أحد يستطيع حل المشكلة السورية بعيدا عن تركيا، ولا أحد سيعيد إعمارها غير تركيا. فتركيا تملك ثاني أقوى جيش في حلف شمال الأطلسي -بعد الجيش الأميركي- ولديها حدود طويلة مفتوحة مع سوريا، وقد تعمق التداخل الإنساني بين الشعبين خلال المحنة السورية الحالية. 

كما أن تركيا بقوتها الاقتصادية وقربها الجغرافي هي الدولة الوحيدة المؤهلة لإعادة إعمار سوريا. فمنطق الجغرافيا السياسية والاقتصاد والاجتماع يجعل الأتراك مطمئنين بأن تحديد مصير سوريا بدونهم أمر مستحيل، مهما حاولت إيران إطالة عمر الأسد، ومهما عبثت أميركا وقوى الثورة المضادة العربية بدماء الشعب السوري. فالأميركيون مضطرون للتعاون مع تركيا والتنازل لها في نهاية المطاف، وإلا فقدوا أهم دولة حليفة لهم في المنطقة، وفشلوا في تحقيق أي شيء.

وتنتهج تركيا اليوم نهج إستراتيجية اختزان القوة والانتظار، حتى يدرك العابثون بمصائر الشعوب حاجتهم إلى تركيا، ويقتنعوا بالرؤية التركية الداعمة لحرية الشعوب وكرامتها واستقلال قرارها السياسي. 

ومن المفارقات أن تركيا هي أوثق دول المنطقة صلة بأميركا، وهي أقل دول المنطقة ثقة بالأميركيين في الوقت ذاته. ويدل هذا على وعي عميق بمقاصد أميركا ومراميها، اكتسبه الأتراك من التحالف مع أميركا والقوى الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. فالأميركيون يبرهنون بسلوكهم السياسي والعسكري أنهم لا يريدون خيرا لشعوب هذه المنطقة، وهم يخيرونها بين العبودية السياسية والحروب الأهلية. 

وفي موضوع الحرب على داعش تحديدا من حق الأتراك أن يستريبوا في النيات الأميركية: فتساهل أميركا مع "رأس الأفعى الموجود في دمشق" -بتعبير الكاتب الصحفي التركي زاهد غول- وتركيزها على داعش -وهي مجرد عرض للمرض- لا يجعلها أهلا لثقة القادة الأتراك، ولا لثقة أي قادة يحترمون عقولهم وضمائرهم ومصالح شعوبهم. 

ويبقى الخاسر الأكبر من هذا المشهد الإستراتيجي المركب ثلاثة أطراف: 

- الخاسر الأول هو الشباب المسلم المجاهد الباحث عن الموت في مظانه. وهو طاقة جبارة طالما أُسيء استخدامُها بسبب سوء التسديد والفقر في الحكمة السياسية. وقد عبرت إحدى الدراسات الأميركية عن تنظيم القاعدة عن غبطة بالغة بنقطة ضعف مزمنة في تنظيمات السلفية الجهادية، دعتها "أخطاء التسديد" targeting mistakes وليست داعش سوى نموذج آخر لهذا التسديد السيئ، والمحارق التي يحترق فيها هذا الشباب، الذي يحمل راية الجهاد دون بصيرة سياسية. 

فداعش آخر تجل لجماعات السلفية الجهادية التي لا ينقصها الإقدام والاستعداد للتضحية، لكن ينقصها التبين الشرعي والسياسي، والله تعالى يقول: "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا" (النساء، الآية 101). فليس مجاهدا من صوب سلاحه إلى نحور إخوته في الخندق الواحد والمصير الواحد، بدل تصويبه إلى نحور الفجار الذين استعبدوا الأمة. 

إن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وهو عمل المؤمنين المتبصرين، لا هواية الحمقى والمغفلين، وإلا فهل يتصور عاقل أن تنشغل جماعة جهادية بحصار بلدة كردية على الحدود، أو بقتال قوات المعارضة السورية في الأطراف، وهي ترى فظائع الأسد في قلب الشام؟

- والخاسر الثاني هو أكراد سوريا، الذين أحسنت بعض قياداتهم الظن بالأميركيين، وقرؤوا ما يحدث اليوم قراءة خاطئة، فقاسوها بما حدث في العراق عام 1991، رغم الفوارق الكبيرة بين الزمانين والمكانين. 

فمراهنة بعض القوى السياسية الكردية على التحالف الأميركي الحالي ضد داعش، ومحاولة الاستفادة منه سياسيا على حساب الثورة السورية -وعلى حساب تركيا التي هي أهم حليف للشعب السوري في محنته الحالية- خطأ أخلاقي وإستراتيجي فادح، وشراك أميركي خطير على الأكراد وعلى مجمل المعادلة الإقليمية في المدى البعيد. 

فنشأة كردستان العراق كانت في ظروف مواتية، والكرد متروكون لمصيرهم أمام دموية صدام حسين، أما اليوم فنضال الأكراد جزء من نضال شعوب المنطقة كلها ضد الاستبداد والإقصاء، وأكبر ضامن لحقوق الأكراد السياسية والثقافية واللغوية -وهي كلها حقوق إنسانية مشروعة- هو مشاركتهم في الثورة على الاستبداد، واندراجهم في الجهود الساعية إلى ترسيخ الديمقراطية. وما سوى ذلك أنانية سياسية وقومية قصيرة النظر. فأي مكسب للأكراد السوريين يجب أن يكون مكسبا للعرب والترك في الوقت ذاته، وإلا فلن ينجح ولن يبقى، بل ستكون نتائجه عكسية. 

- أما الخاسر الثالث فهو حلف الثورة المضادة العربي. لقد نجحت تركيا في صداقة أميركا حتى استغنت عن مظلتها العسكرية والإستراتيجية، ونجحت إيران في عداوة أميركا حتى صالحتها، وأشركتها معها في تقاسم الجسد العربي المستباح.. أما دول الثورة المضادة العربية فلا هي صديقٌ له وزن تعتمد عليه أميركا، ولا هي عدو له وزن تخافه أميركا. 

قاتلت إيرانُ أميركا في لبنان، ولعبت بها في العراق، وتقايضت معها في أفغانستان واليمن، وحالفت تركيا أميركا ضد الشيوعية خمسين عاما حلفا نفع الطرفين. أما قادة الثورة المضادة العربية فمصابون بعمى إستراتيجي غريب، جعلهم يخدمون أميركا إيمانا واحتسابا.

عن الكاتب

محمد بن المختار الشنقيطي

باحث وشاعر ومحلل سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس