برهان الدين دوران - صحيفة صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

أدت استراتيجية الحصار الشديد الروسية إلى كسر مقاومة حلب عقب حصار دام 6 أشهر. ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين كما حصل عام 1999 في غروزني. إضافة إلى تدمير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس والأسواق التجارية والأفران نتيجة القصف العنيف. مستخدمين شتى أنواع القنابل الفتاكة؛ كالبراميل والقنابل العنقودية والفوسفورية والنابالم. ومن ثم السيطرة على مدينة يبلغ عمرها 5 قرون من خلال ارتكاب المجازر والتدمير الشامل. وذلك على مرآى من القوى العالمية المهيمنة. ولكن لا تعيروا اهتمامًا بجدالات سفراء كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن حول من الأكثر "وقاحةً وكذبًا وانعدامًا للرحمة" بشأن المجازر. نعم بالرغم من استخدام روسيا القصف الوحشي بهدف "سحق" المعارضة في سوريا منذ تشرين الثاني/ أكتوبر 2015 ولكن عليها أن لا تنسى أن إدارة أوباما هي من فتحت المجال وغضت الطرف عن ذلك.    

فقد أصبحت مجزرة حلب رمزًا للقضاء على الإنسانية وقيمها؛ كما حصل في مذبحة سربرنيتسا. بالإضافة إلى حالات دمار مشابهة شهدتها ستالينغراد أو وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من اختلاف الحرب في حلب عن النزاع بين جيشين قويين متعادلين هما (ألمانيا والسوفييت). وذلك باستخدام قوة غير متكافئة ضد المدنيين والمعارضة تمثلت في الدعم الجوي لقوة عظمى (روسيا)، وميليشيات قوة إقليمية (إيران)، وجيش نظام عديم الرحمة. لهذا السبب يمكن مقارنة ما تشهده حلب بمذبحة سيربرنيتسا في عام 1995. 

هذا وقد شكل "وقف إطلاق النار الجزئي" الذي حققته تركيا من خلال مباحثاتها مع الروس الفرصة الوحيدة لإنقاذ المدنيين في حلب من إرتكاب الأسد والميليشيات الشيعية مجازر أخرى بحقهم. وذلك بالتزامن مع مواصلة تلك الميليشيات المدعومة إيرانيًا قتل المدنيين والمعارضة في شرقي حلب الذين سيتم ترحليهم إلى إدلب مع إتمام وقف إطلاق النار. والقيام باعتداءات على قوافل الإخلاء. في حين بذل الرئيس أردوغان خلال حديثه مع بوتين جهودًا كبيرة من أجل الإلتزام بوقف إطلاق النار وفتح "ممل إنساني".  

إلى جانب حديثه عن "إتمام الاستعدادات" من أجل استقبال القادمين من حلب. وسعي روسيا من أجل تنفيذ عملية الإخلاء رغمًا عن الأسد وإيران بما يتوافق مع العملية التفاوضية مع تركيا. وإن أمكن إجلاء المعارضة إلى إدلب فأن ذلك لا يعني إنتهاء الحرب. ولكن بات واضحاً أن عمليات وقف إطلاق النار لن تغني عن عملية السلام والإنتقال السياسي.     

وبإنتهاء عملية الإخلاء سيبدأ ثلاثي الأسد – روسيا – إيران عملية سيقضي من خلالها على الجبهات التي بحوزة المعارضة في إدلب وريف دمشق. وبالرغم من صعوبة محاصرة إدلب الواقعة على الحدود التركية ولكن في هذه المرحلة الجديدة من الحرب ستضطر المعارضة للجوء إلى حرب العصابات في المناطق الريفية. أما العالم الصامت تجاه حلب لن يعارض قصف المناطق الجبلية في إدلب التي تتواجد فيها جبهة النصرة وأمثالها من المجموعات المتشددة بحجة "القضاء على القاعدة". وبالتالي سيصبح مستقبل المنطقة الآمنة المقامة من خلال عملية درع الفرات النقطة المحورية في المرحلة الراهنة. في حين ستصبح الجبهة الجنوبية المتوقفة منذ سنة بعيدة كل البعد عن تحديد مصير الحرب.

وبناء عليه فإن الضرورات الواجب على تركيا القيام بها في المرحلة الجديدة تبدو كالتالي:

- ينبغي تعزيز "المنطقة الآمنة" بأخذ مدينة الباب بالتعاون مع المعارضة الخارجة من حلب.

- الحيلولة دون صدام هذه المجموعات الجديدة ذات القدرة القتالية العالية مع قوات الأسد بشكل يلحق الضرر بالمنطقة الآمنة.

- مراعاة موضوع عدم تخلص قوات الأسد من الذخائر العسكرية النوعية (مضادات الدبابات والطائرات) التي تركتها لداعش في تدمر. وبخاصة أن هذه الأسلحة يمكن استخدامها ضد تركيا والجيش السوري الحر. مما يعني التوجه لعرقلة عملية درع الفرات من خلال تعاون مشترك بين الأسد وبي كي كي – وحدات حماية الشعب الكردي.

- إجراء مفاوضات مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الأطراف المنزعجة من تحول الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا إلى عنصر قوي في سوريا.

- اتباع دبلوماسية تراعي المصالح التي تفرق بين روسيا وإيران. وبالتالي شكل الاتفاق الأخير خطوة نحو تحقيق ذلك ... ومن غير المستبعد على الإطلاق لدى إدارة ترامب إقامة تسوية على خط روسيا – الولايات المتحدة الأمريكية – تركيا لكي توازن التوسع الإيراني.

عن الكاتب

برهان الدين دوران

مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا" في أنقرة


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس