محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

وصفت العلاقات السعودية العراقية منذ عام 2003 بالعلاقات غير الطبيعية أو المتدهورة لعدة أسباب وعوامل أثرت بشكل مباشر على تدهورها منذ تلك الفترة، ورغم زيارات المسؤولين العراقيين المتكررة إلى السعودية إلا أن أية زيارة رسمية لقادة ومسؤولين سعودين لم تحصل منذ تلك الفترة وحتى الآن سواء كانت زيارة عمل ومباحثات ثنائية أو مشاركة في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في بغداد وغيرها من التجمعات الإقليمية.

والأكثر من ذلك فإن الاتهامات المتبادلة بين الطرفين حول الوضع العام والأمني في العراق هي التي زادت من الهوة بين علاقات الدولتين وتجلت بسحب السعودية سفيرها من بغداد بعد تهديدات مباشرة له عقب تصريحاته النارية حول إقصاء المكون السني من العملية السياسية في العراق .

تتميز السياسة السعودية في تعاملاتها مع الدول والأنظمة بأنها الدولة التي لا تقيم علاقات مع أية دولة أو نظام دون تقصٍّ وبحثٍ عميق وتروٍّ مُطوّل قبل الشروع في إقامتها، فهي بذلك تختار بإرادتها ما تراه مؤهلا لإقامة علاقاتها وبنفس الوقت هي لا تنسحب من الاتفاقيات المبرمة بصورة عاجلة بل تتبع سياسة النفس الطويل.

إن الزيارة المفاجئة وغير المعلنة وربما الغربية من الوزير الجبير إلى بغداد سبقتها بعض الزيارات والتقولات حول الوضع العراقي والعلاقة العراقية الإيرانية، ومن أهم هذه الزيارات هي زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى العراق قبل عدة أيام مضت، إضافة إلى تصريحات واضحة وصريحة للمسؤولين الأمريكان حول الشرق الأوسط وإيران على وجه الخصوص، أكدت تصميم الإدارة الأمريكية على وضع حد للتجاوزات الإيرانية وتدخلاتها في شؤون بعض دول المنطقة ومنها اليمن والعراق وسوريا بصورة مباشرة والسعي إلى تأسيس موضع قدم على أساس طائفي في دول الخليج العربي ومصر والجزائر والمغرب وغيرها.

الحكومة الإيرانية شعرت بحقيقة المستجدات الطارئة على دورها الإقليمي وأرادت لملمة الأوراق ووضعت جميع خططها على الرف في هذه الفترة وسعت ولا زالت تسعى إلى تحسين صورتها أمام الرأي العام العربي والإسلامي والدولي وتسعى إلى استرجاع علاقاتها مع الدول العربية والخليجية خصوصا، والزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الإيراني إلى بعض دول الخليج هي خير دليل على فهم القيادة الإيرانية وشعورها بالمخاطر اللاحقة على كيانها كنظام وربما كدولة.

تدرك إيران بصورة جلية والعراق أيضا أهمية الدور السعودي في المنطقة، وتدرك أيضا أن السعودية هي الرقم الصعب الذي لا يقبل القسمة إطلاقا، وعلى هذا الأساس فإن الرسالة الواضحة للوزير السعودي إلى القادة العراقيين والذي بدأه بنقل تحيات خادم الحرمين الشريفين وولي العهد وولي ولي العهد مجتمعين وموحدين هي رسالة أقل ما فيها هي الابتعاد عن الخط الإيراني المنهجي في الشرق الأوسط وسوريا واليمن تحديدا، بل الأكثر من هذا فإن القيادة السعودية التي ربما سيكون لها دور فعال في سوريا في المرحلة القادمة لا ترغب بالتصادم مع المليشيات العراقية المتواجدة في الأراضي السورية والتي تساند الإيرانيين حلفاء بشار الأسد مقابل التوسط لاسترجاع العراق إلى وضعه الطبيعي في عالمه العربي.

وبطبيعة الحال هناك رسالة أخرى من السعوديين أرادوا إيصالها إلى القادة الإيرانيين من خلال الحكومة العراقية حول النداءات الإيرانية المتكررة لعودة العلاقات الطبيعية بينهما بعد قطعها بعد الهجوم على مبنى السفارة السعودية في الرياض وتتركز على تحذيرات من إفساد العلاقات الحاصلة بين السعودية والعراق إثرهذه الزيارة على أقل تقدير في سبيل قراءة حقيقة الرغبة الإيرانية في تلك النداءات.

ويبدو أن رئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبادي والمعروف برغبته الصادقة إلى إقامة أفضل العلاقات الطبيعية بين العراق وباقي دول المنطقة وخصوصا دول الجوار والدول العربية كان متفائلا جدا للعودة الطبيعية للعلاقات بل كان ساعيا إلى تطورها وأهم ماجاء هو طلبه من الجانب السعودي بتسمية سفير لها في بغداد وفتح المنفذ الحدودي بين البلدين وإقامة خط طيران مباشر بين بغداد والرياض وربما جدة أيضا. ويبدو من تفاؤل رئيس الوزراء العراقي من تطوير العلاقات مع السعودية، أن السعودية لم تتجاوز السقف المسموح والمريح وغير المحرج أمام القادة العراقيين لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مشرقة في علاقاتهما المستقبلية.

والسؤال المطروح حاليا هو هل ستكون إيران داعمة للعراق لعودة العلاقات السعودية معها أم أنها ستعرقل تلك التطورات؟

سيضطر العراق بالتأكيد بعد طي صفحة قطع العلاقات مع السعودية إلى إقامة توافق في النظرة السعودية حول المشاكل العراقية الداخلية موازية مع النظرة الإيرانية ومعالجاتها غير الحيادية لقسم من الشعب العراقي وهذا يتطلب دعوة الجانب الإيراني إلى التقليل من تدخلاتها في الشأن العراقي تحت ذريعة محاربة الإرهاب وخصوصا أن الوزيرالسعودي هنأ القادة العراقيين على انتصارات الجيش العراقي المتلاحقة في تحرير المدن من قبضة داعش وهذا ينوه إلى ترحيب  السعودية بهيمنة وكفاءة وجاهزية القوات العراقية الرسمية المتمثلة بالجيش والشرطة في تحرير المدن دون الحاجة إلى غيرها من الفصائل المقاتلة مما يعطي انطباعًا بأن الحكومة الإيرانية ستضطر إلى سحب دعمها من مليشيات الحشد الشعبي في الظروف المستجدة بطلب من الجانب العراقي، ومن المعلوم أن أحد أركان الهيمنة الإيرانية الأساسية في العراق هو فصائل الحشد الشعبي.

وفي حال موافقة الجانب الإيراني على وقف الدعم بكافة أنواعه لفصائل الحشد الشعبي ستكون إيران قد أحرقت ورقة مهمة طالما اعتمدت عليها في لعبة الشرق الأوسط، فهل ستقبل النداءات العراقية أم أنها ستمزق كل ما اتفق عليه بين العراقيين والسعوديين.

إن وافقت إيران يعني ذلك أنها في مأزق حقيقي وأنها ترغب بتجميع صفوفها وعدم توسيع جبهات مناهضتها في المنطقة طالما أن ترامب متربع على كرسي البيت الأبيض والمهدد علانية للنظام الإيراني بكونها راعية الإرهاب الأول في العالم.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس