محمود عثمان - الأناضول

بحلول الساعة الثامنة والنصف من صباح الأحد الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الجيشين السوري الحر والجيش التركي، دخلا عفرين فاتحين لها.

ومن المفارقات العجيبة والجميلة في وقت واحد، أن يكون تحرير عفرين مصادفا للذكرى 103 للانتصار في حرب جنق قلعة، التي تصدى فيها الجيش العثماني لجيوش دول الحلفاء الغازية، التي كانت تفوقه أضعافا بالعدد والعدة والتسليح. 

في حرب جنق قلعة انتصرت الفئة القليلة المؤمنة الصابرة، التي كانت تدافع عن الأرض والعرض والوطن، على الفئة الكثيرة المتفوقة سلاحا وتجهيزا.

فاز صاحب الحق على المعتدي صاحب الأطماع الاستعمارية الإمبريالية التوسعية، الطامعة في سرقة خيرات البلاد وثرواتها، انتصرت روح الوحدة والتضحية والفداء، على قوى الاستعمار ذات الأطماع والأهداف العدوانية. 

في معركة جنق قلعة، حارب الأتراك والأكراد والعرب جنبا إلى جنب، وكتفا إلى كتف في خندق واحد، اختلطت دماؤهم كما اختلطت أجسادهم، ودفن شهداؤهم جنبا إلى جنب، في معركة سجلها التاريخ في أبهى صفحاته الناصعة. 

اليوم في معركة تحرير عفرين، استعاد التاريخ بعض صفحاته، فقد اصطف الأتراك والأكراد والعرب مرة أخرى جنبا إلى جنب في خندق واحد، تماما كما فعل أجدادهم من قبل في جنق قلعة. 

هذه المرة من أجل معركة تحرير عفرين درة الشمال السوري، توحدوا مرة أخرى من أجل استراد الأرض والحفاظ على العرض، اجتمعوا من أجل إنقاذ عفرين من ميليشيات ربطت نفسها بالاستعمار، ميليشيات رهنت بندقيتها للقوى الغربية الاستعمارية، تمارس الإرهاب وتنفذ أجنداتهم في زعزعة أمن واستقرار بلدان المنطقة. 

**احترافية عسكرية قل نظيرها

إجرائيا فقد سارت عملية تحرير عفرين باحترافية عسكرية قل نظيرها، رغم الضغوط الخارجية التي قادتها دول الاتحاد الأوربي، والإعلام الغربي المناهض لتركيا بطبيعته، إلى جانب وسائل إعلام عربية. 

فقد سارت العملية العسكرية، وفق استراتيجية واثقة الخطى، تقتضي عسكريا السيطرة على الجبال والتلال الحاكمة جغرافيا، ثم النزول نحو البلدات والقرى وتحريرها، دون تعريض المدنيين لأدنى أذى. 

تبع ذلك تضييق الخناق واستنزاف الخصم، وإرباكه من خلال عمليات اقتحام خاطف ومباغتة، نجحت في السيطرة على الأهداف الاستراتيجية الواحد تلو الآخر. 

النجاح في السيطرة على الأنفاق الطويلة المعقدة، التي أنشأتها ميليشيا "ب ي د / ب ك ك"، خلال ست سنوات، بدعم مباشر من القوات الأمريكية، كان له أهمية كبيرة في زعزعة قوى الخصم، حيث قام مغاوير الجيش السوري الحر، مع الكوماندوس التركية، التي تملك الخبرة الطويلة في محاربة هذه العصابات بهجمات مباغتة تمكنت من خلالها من السيطرة على هذه الدشم والاستحكامات العسكرية بسهولة وخلال زمن قياسي. 

وذكر أحد المحللين العسكريين على قناة "فوكس" التركية المعارضة، أن الأسلحة التي تركتها ميليشيات "ب ي د / ب ك ك" في عفرين، لو منحت للجيش السوري الحر لتمكن من الوصول بها إلى دمشق، فجميعها أسلحة أمريكية متطورة للغاية.

تحدث كثيرون، ومنهم المعارضة التركية، عن احتمال أن تتحول عفرين إلى ساحة استنزاف للجيش التركي، ومستنقعا تغوص فيه تركيا وتستنزف فيها قواها، لكن التخطيط المحكم، والاحترافية القتالية التي تمت من خلالها العملية، كانت كفيلة بتبديد جميع الشكوك.

** التكامل في الأداء

يتعين هنا الإشارة إلى الدور الكبير، الذي قام به الرئيس رجب طيب أردوغان، ومعه الحكومة في حشد الرأي العام الداخلي، من أجل دعم وتأييد عملية "غصن الزيتون"

وتقاطرت حشود المواطنين الأتراك، أفرادا وفعاليات شعبية، من فنانين ورياضيين ومنظمات مجتمع مدني وقيادات مجتمعية، توجه كل هؤلاء نحو الحدود التركية السورية، معبرين عن دعمهم وتأييدهم للعملية، مما أعطى العسكريين الأتراك دعما نفسيا إضافيا. 

كذلك يتعين التركيز على النجاح الباهر، الذي سجلته الدبلوماسية التركية، على صعيد العمل الدبلوماسي الخارجي، حيث تم تحييد كلا من روسيا والولايات المتحدة، اللتان عارضتا عملية "غصن الزيتون" في البداية، لكن الجهود الدبلوماسية أفلحت في إقناعهما. 

هذا العمل الدؤوب، مع اعتباره ذروة في النجاح الدبلوماسي، يشير في الوقت ذاته إلى الثقل الاستراتيجي التي تمتلكه تركيا كقوة إقليمية في المنطقة لا يمكن تجاوزها، إذ لو عارضت إحدى هاتين الدولتين أو كلاهما العملية بشكل فعلي، لكانت مهمة تحرير عفرين في غاية الصعوبة والتعقيد. 

لكن يجب ألا ننسى أن الذي سهل مهمة العمل الدبلوماسي، هو عدالة وأحقية مطالب تركيا في تحقيق أمنها الاستراتيجي بحماية حدودها، وتوفير الأمن لمواطنيها، وخصوصا في المناطق الحدودية التي أصبحت عرضة لهجمات ميليشيات "ب ي د / ب ك ك" على مدار الساعة، يستهدفونها كلما أرادوا. 

** ضرورة استراتيجية وصمام أمان لوحدة سوريا

ينسى أو يتناسى كثيرون أن الميليشيات الانفصالية "ب ي د / ب ك ك" كانت على مشارف الاستيلاء على كامل الشمال السوري، بدعم تام ومعلن من القوات الأمريكية، التي أسست ثمانية قواعد عسكرية في شرق وشمال شرق سوريا، عند منابع النفط والغاز الطبيعي وسلة الغلال السورية!.

وبحسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين، فقد قدم الجيش الأمريكي لميليشيات "ب ي د / ب ك ك"، أكثر من 4500 شاحنة محملة بالسلاح النوعي الثقيل، عدا عن حمولة مئات طائرات الشحن العسكرية الضخمة، بالرغم من اعتراض تركيا الشديد المستمر والمتكرر.

بفضل هذا الدعم الأمريكي اللامحدود للميلشيات، مقابل منع الجيش السوري الحر من الحصول على أي نوع من الدعم، تمكنت هذه الميليشيات الانفصالية من السيطرة على معظم الشمال السوري وصولا إلى منبج غرب نهر الفرات، بالرغم من الاتفاق التركي الأمريكي، الذي تعهد الطرف الأمريكي بموجبه، بمنع هذه الميليشيات من عبور نهر الفرات نحو الغرب!.

ولمَا صم الأمريكان أذانهم عن سماع المطالب التركية، اضطرت تركيا للقيام بعملية درع الفرات، وتم تنظيف المنطقة من إرهاب تنظيم "داعش".

لكن الأطراف الدولية، التي تداعت إلى محاربة هذا التنظيم الإرهابي، لم تسمح لتركيا بإتمام مهمتها على الوجه المطلوب!. فانتهت عملية درع دون تحقيق أهدافها بالشكل المطلوب. حيث لم تضمن منع تمدد الميليشيات الانفصالية، التي تهدد وحدة التراب السوري، وتهدد الأمن الاستراتيجي للجمهورية التركية، فكانت الحاجة ماسة للقيام بعملية "غصن الزيتون" تأمينا لهذين الهدفين الاستراتيجيين. 

**تحرير عفرين ورفع العلم التركي 

امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات الكثيرة التي تستنكر تسمية عملية "غصن الزيتون" بـ"تحرير" عفرين، وكذلك رفع العلم التركي بجانب علم الثورة السورية.

بداية لابد من التأكيد على أن ميليشيا "ب ي د / ب ك ك"، من خلال ممارساتها في مناطق سيطرتها، أثبتت أنها لا تقل سوءا ووحشية ودكتاتورية عن نظام الأسد، وبالتالي فإن تخليص سكان تلك المناطق من هذه التنظيمات الإرهابية الشوفينية، لا يقل أهمية ولا قدسية عن تحرير أي شبر من نظام الأسد.

ثانيا: يجب ألا ننسى أن صاحب السهم الأكبر في تحرير عفرين، وغيرها من المناطق المحررة، إنما هو الجيش التركي قبل الجيش السوري الحر، وعليه فإن رفع علمي الجيشين اللذين يقاتلان جنبا إلى جنب أمر طبيعي للغاية، بل هو من أضعف الإيمان.

كما أن رفع العلمين جنبا إلى جنب ينفي مزاعم انتقاص السيادة الوطنية السورية.

يبقى السؤال الأهم: أين كان هؤلاء المعترضون عندما رفع العلم الأمريكي في مناطق سيطرة ميليشيات "ب ي د / ب ك ك"؟!. وأين حساسية هؤلاء الوطنية من رفع العلمين الروسي والإيراني وراية "حزب الله" اللبناني في عموم سوريا المستباحة؟!.

ثم أليس في تركيا رأي عام داخلي تركي يجب احترامه؟.

ألم تقدم تركيا الشهداء من أجل تحرير أراض سورية، ثم قامت بتسليم تلك الأراضي لأهلها الأصليين لاحقا؟.

** الفرق بين الدولة والميليشيا العصابة 

رب صورة تغني عن كتابة عشرات الصفحات تعبيرا..

صورتان تناقلتهما وسائل التواصل الاجتماعي، الأولى صورة مدينة عفرين بعد تحريرها، والأخرى صورة مدينة الرقة بعد تحريرها.

المقارنة بين الصورتين تحكي كل شيء.. تحكي دروسا وعبرا تنوء بها الكتب المجلدة، ليس أولها الفارق الشاسع بين سلوك الدولة ذات الإرث التاريخي الأصيل، وتصرفات الميليشيا، التي سرقت الأراضي بليل، وليس آخرها الفرق بين تركيا الدولة التي ورثت حضارة ضاربة في عمق التاريخ وحكمت بالعدل والإنصاف، وبين قوى إمبريالية استعمارية مدججة بالسلاح، همها الأول والأخير سرقة خيرات البلاد الأخرى ونهب ثرواتها.

عملية تحرير عفرين لم يدمى فيها أنف مدني واحد، بينما عملية تحرير الرقة، لا أحد يدري كم ألفا من المدنيين سفكت دماؤهم بدم بارد؟.

الصورة لا تكذب.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس