Banner: 

ترك برس

تبنت مدارس الأئمة والخطباء (İmam Hatip) التي تعود جذورها لعهد الدولة العثمانية منذ ما يقارب القرن، نظاما تعليميا لا يمكن الاستغناء عنه، لتتلون ما بعد 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1924، بألوان اﻷطياف السياسية في البلاد بحسب حاجة الشعب إلى الأئمة والخطباء.

كانت شرائح واسعة من المجتمع التركي ترى في المدارس التي تدرس أبنائها الدين أملًا في المستقبل. وقد مرّت هذه المدارس بعدة مراحل تعرضت فيها إلى محاولات لعرقلتها تاريخيا، لأنها أصبحت مسألة سياسية، وأرادت الحكومات في ذلك الحين أن تنشئ نوعا واحدا من المواطنين.

أدت محاولات ثني هذه المدارس عن دورها التعليمي التربوي، إلى إكسابها تعاطفا من قبل المؤمنين بدورها، أسهم في تقوية شوكتها وفي نهوضا عقب كل موجة عاتية تتعرض لها.

المدارس في العهد العثماني

كانت الدولة العثمانية دولة عالمية، والمرحلة الابتدائية فيها من أساسيات نظامها التعليمي، وكانت تسمى مكاتب الصبيان، ثم المرحلة الثانية واسمها المدرسة يتعلم فيها الطلاب علوم الفلك والرياضيات والفلسفة وغيرها من الدروس.

وبعد تخرج الطلبة من المدرسة يتم توظيفهم وتعيينهم في عدة مجالات، ويستفاد منهم في المؤسسات الدينية.

كانت اللغة التركية تكتب باﻷحرف العربية وتسمى اللغة العثمانية، وكان هناك قاموس تركي.

ومع انتهاء الدولة العثمانية، عملت الجمهورية التركية منذ سنواتها الأولى على إبعاد الخدمات الإسلامية خارج نطاق الحياة. وبعد ثلاثة أيام من قيام الجمهورية في 26 نيسان/ أبريل 1923، بدأ جدال "هل سيستمر التعليم على ما كان عليه في فترة ما بعد الخلافة العثمانية "تعليمًا دينيا"، أم أنه سينقسم إلى تعليم ديني و آخر خاص بالعلوم الطبيعية ويكون كل منهما على حده؟".

قام مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال اتاتورك ،بإصدار قانون جديد باسم توحيد الدراسة في مارس 1924، حيث أمر بتقل صلاحية إدارة جميع المدارس بما فيها مدارس اﻷئمة والخطباء إلى وزارة التربية الوطنية.

وقام سياسيو العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين بتغيير الحروف العربية وإنشاء لغة تركية جديدة، سعيا ﻹلغاء الهوية والفكر الإسلامي.

في عام 1924، تم إلغاء الدروس الدينية من برامج تأهيل المعلمين للمرحلة الثانوية، وللمرحلة الإعدادية عام 1927، وللمرحلة الابتدائية عام 1929 أو 1930، بهدف فصل الدين تماما عن الدولة.

في عام 1932 تغير الأذان و إقامة الصلاة والتسبيحات والتكبيرات إلى اللغة التركية، واستمر الأذان باللغة التركية 18 عاما.

في الأربعينيات تم منع الذهاب إلى الحج، حتى عام 1948. وبعدها بدأ السماح لعدد محدود من المواطنين بتأدية فريضة الحج.

كما تم إغلاق دورات ومراكز تحفيظ وتعليم القرآن، وسمح رسميا فقط لعدد محدود، ثمانية أو عشرة أو اثني عشر شخصًا بتعليم القرآن، وبالخفية استمرت دورات تعليم القرآن.

في الأربعينيات كان ممنوعًا نشر أو طباعة أو بيع أي منشور أو كتاب ديني بما في ذلك القرآن الكريم، وأغلقت مدارس الأئمة والخطباء في عام 1930، وأغلقت كلية الشريعة في عام 1933.

حاجة الدولة إلى رجال الدين

قام حزب الشعب الجمهوري، الذي أغلق مدارس الأئمة والخطباء، في عام 1949 بعقد دورات تأهيل للأئمة والخطباء، استمرت عشرة أشهر، لخريجي المدارس الإعدادية لتأهيلهم وتوظيفهم أئمة وخطباء.

ولكنها لم تلقَ إقبالًا، وذلك لاشتراطها على من يريد التسجيل أن يكون منهيا خدمته العسكرية ومتخرجا من الإعدادية على اﻷقل،ويصعب ذلك ﻷن عدد المدارس الإعدادية كان قليلًا جدًا، ومن أنهى خدمته العسكرية غالبا ما يكون متزوجا وعنده أطفال، ولا توجد معاشات للأئمة والخطباء والمؤذنين في المساجد، لذلك فشلت الدورة.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الضروري تعدد اﻷحزاب السياسية في البلاد، وتم تأسيس حزبٍ ثانٍ في تركيا منافس لحزب الشعب الجمهوري. وفاز هذا الحزب بالانتخابات في عام 1950، وأصبح عدنان مندريس رئيس وزراء الجمهورية التركية حتى عام 1960.

طلب الشيخ جلال الدين أوكتان، وهو أحد أبرز مؤسسي مدارس الأئمة والخطباء، من الرئيس مندريس تفعيل الخدمات الدينية مرة أخرى، وكان لديه مشروع لفتح مدارس الأئمة والخطباء، بدأ في إعداده منذ عام 1947 بعد تقاعده من العمل.

في 16 حزيران/ يونيو 1950، أي بعد شهر واحد من الانتخابات، عاد الآذان وإقامة الصلاة والتسبيحات والتكبيرات الى اللغة العربية، وكان أول إجراء ديني للحكومة، والثاني هو فتح مدارس الأئمة و الخطباء في 13 أكتوبر 1951.

صادق على القرار، وزير التربية الوطنية آنذاك توفيق إيلاري في 17 أكتوبر، وكان ينص على فتح مدارس الأئمة والخطباء في سبعة أقاليم تركية و هي إسطنبول، وأنقرة، وأضنة، وقيصري، وإسبارطة، وقونية ومرعش.

وفتحت هذه المدارس في الأقاليم السبعة في العام الأول بعد هذا القرار.

وكانت ثانوية اﻷئمة و الخطباء في إسطنبول،أول ثانوية تفتح في تركيا، وهي في مكانة الأبوين لجميع مدارس الأئمة والخطباء. وبذل أول مدير للمدرسة المرحوم جلال الدين أوكتان مجهودا كبيرا لفتح المدرسة و إعداد المناهج الدراسية ووضع الأنظمة الخاصة بها.

وصرح برلماني تركي في ذلك الحين قائلا:

"أصدقائي الأعزاء

نحن لم نقم ببناء سدود وموانئ فقط في هذه البلاد

نحن لم نقم بإنشاء طرق ومصانع فقط في هذه البلاد

نحن لم نؤمن للقرويين الماء والطعام والقمح فقط

بل قمنا بتأمين الغذاء الضروري والمعنوي لبقاء هذه الأمة وعدم زوالها

نحن فتحنا مدارس اﻷئمة والخطباء".

يتعلم الطلاب في مدارس الأئمة والخطباء الدروس الدينية على رأسها القرآن، ومواد الحديث والفقه والتفسير، إضافة إلى اللغة العربية واللغات الغربية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية، إضافة إلى المواد التي يدرسها الطلاب في المدارس الأخرى كالرياضيات والجغرافيا والتاريخ وباقي المواد.

وفي الوقت الذي يداوم فيه طلبة المدارس العادية حتى الظهيرة، فإن الدوام اليومي في مدارس اﻷئمة والخطباء يستمر حتى ساعات المساء، حتى يتسنى تدريس كل المواد في وقت ٍكافٍ.

واصلت البيروقراطية كفاحها ضد مدارس الأئمة والخطباء، فقد وافقت على فتحها بشرط أن تدرس المواد الدينية والقرآن الكريم بالأحرف اللاتينية، ولكن الشيخ جلال الدين يعرف أن تعلم القرآن الكريم وأحكام التجويد ومخارج الحروف لا يمكن أن يكون بغير اللغة العربية، وصدر قرار تعلم القرآن باللغة العربية بدعم كبير من توفيق إيلاري.

استمرت المحاولات الرامية لوضع حد لمدارس الأئمة والخطباء خاصة بعد تخريجها لذوي الكفاءات العالية، وطالبوا القائمين عليها بعقد لقاء مع الرئيس مندريس لتغيير الوضع.

ويروي جواد أكشيت، الذي كان طالبا آنذاك، ما جرى في أثناء وجودهم في رئاسة الوزراء: "انتظرنا في إحدى الغرف، فجاء المرحوم مندريس وأخذ المفتاح وقال لهم أخرجوا من هنا وأقفل الباب بالمفتاح، وبدا أحد مسؤولي المدارس بالحديث قائلا: "نحن جئنا من أجل كذا وكذا"، وقال ثلاث أو أربع جمل، فقال له مندريس: "تفضل أجلس لو سمحت"، كان مندريس لطيفا ومهذبا جدا معنا، وبعد الانتهاء من حديثنا بدأ هو بالحديث قائلا:

"إننا نحن الأتراك لو لم نتربى في أحضان الجد ذي اللحية والجدة ذات اللفة البيضاء، ولو لم نكبر بدعائهم لما استطعنا الوقوف على أقدامنا، اﻹيمان بالله والإسلام هو ما يساعدنا على الوقوف على أقدامنا، لكننا للأسف لم نعط الإسلام والإيمان الاهتمام الضروري واللائق، كان الاهتمام بالدين مخالفا للقوانين العلمانية، لا أحد يدعمني في البرلمان".

بدأ مندريس بالبكاء، وكرر "أنا وحيد... أنا وحيد، وحتى مستشاري الذي عينوه لي كان رئيس الماسونية"، وتابع باكيا ومكررا: "أنا وحيد، في النهاية بالرغم من هذا سأعمل على فتح مراحل تعليمية عليا في مدارس الأئمة والخطباء حتى لو كلفني ذلك حياتي".

و نشرت الصحف عدة مقالات عن المدارس وأبرز عناوينها:

- درس كبير أعطاه رئيس الوزراء.

- مفاوضات في البرلمان حول التعليم.

- كلية الشريعة والرجعية.

- إنشاء كلية الشريعة.

- تأهيل وإعداد علماء دين إيجابيي التفكير.

الانقلاب العسكري

في 27 أيار/ مايو 1960، اعتقل رئيس الوزراء عدنان مندريس والعديد من منتسبي الحزب الديمقراطي، وقام الانقلابيون بتهديد وتخويف الناس وإشاعة الفوضى في البلاد.

وحكم على مندريس باﻹعدام، و نفذ الحكم في صباح 17 أيلول/ سبتمبر 1960.

وعادت النقاشات مرة أخرى كما كانت في الأيام الأولى لانطلاق الجمهورية التركية، ووصف الدين بالرجعية وأن المتدينين مسؤولون عن تخلف البلاد ﻷنهم يؤمنون بالخرافات ويرفضون العلم والتقنية والفنون ويعارضون الحضارة الغربية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!