محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

من المعروف والمسلم به أن الانتخابات التركية الرئاسية والتشريعية تكاد تكون في رأس قائمة الاهتمامات الدولية بصورة عامة والاهتمامات الاقليمية بصورة خاصة لأنها ستكون مرحلة زمنية فاصلة مهما كانت نتائجها.

معظم استطلاعات الرأي التي أجرتها عدة جهات تخصصية أجمعت على فوز الرئيس أردوغان بولاية رئاسية جديدة سواء في الجولة الأولى والتي تكون يوم الأحد الرابع والعشرين أو الجولة الثانية بعد أسبوعين من ذلك الموعد، وقد تقاربت نسبة فوز الرئيس أردوغان في معظم مراكز الاستطلاع والتي حددت بين 48% إلى 51% أو أكثر قليلا، لكن معظم هذه المراكز اعتمدت على الغالبية العظمى من استطلاعاتها المستمرة منذ فترة على أراء المواطنين في فترة هبوط الليرة التركية المتعمد والتي أعطت مؤشرات على صعوبة الفترة القادمة قبل أن تكبح جماحها الإجراءات الحكومية الفورية، إضافة إلى ذلك فإن الأحداث المتسارعة والتي دعمت تركيا في سياستها الخارجية قد حصلت في اليومين الأخيرين ومنها على سبيل المثال موافقة الولايات المتحدة على الشروط التركية في قضية منبج ونجاحها في الإصرار على خروج المقاتلين من قوات الـ”بي يي دي” من المدينة بدون أسلحتهم وهذه بطبيعة الحال تسجل في سجل النجاحات في مسيرة الرئيس أردوغان وحزبه.

ومن الأمور المهمة جدا والتي زادت من فرص نجاح أردوغان في الانتخابات القادمة مع حزبه هي موافقة البيت الابيض على تسليم أولى دفعات طائرات الـ(إف 35) المتطورة جدا والتي لا تملكها أية دولة أخرى خارج الولايات المتحدة سوى إسرائيل بالرغم من قرار الكونغرس الداعي إلى إيقاف تسليمها.

وقد تبدو موافقة البيت الابيض على تسليم الدفعة الأولى من تلك الطائرات بمثابة دعم واضح للرئيس أردوغان بعد دعمهم له في محادثات منبج ولكون تركيا الحليف الرئيسي للأمريكان في المنطقة فإن من البديهي أن أمريكا والتي ترغب في بقاء الأتراك حليفتهم على الدوام يرون أن أي تغيير في القيادة التركية سيعطل تلك الآمال لفترة قد تطول وهم بأشد الحاجة إلى حليف قوي في ظل الأوضاع المتدهورة في منطقة الشرق الاوسط وعموم المنطقة.

إن السياسة الخارجية التركية وطريقة معالجاتها وتناولها والسياسة البراغماتية مع معظم الدول وبالأخص مع دول الجوار سيكون بالطبع انعكاسا واضحا للرأي العام المحلي مما يساهم في كسب أصوات مختلف الشرائح  وأيضا سيكون مؤثرا جدا في انسلاخ عدد من أعضاء بعض الأحزاب وانضمامهم إلى حزب العدالة والتنمية وهذا ما حدث بالفعل قبل أيام ولا كثر من حزب.

ورغم أن معظم مراكز الاستطلاع قد أجمعوا على فوز الرئيس أردوغان لكنهم اختلفوا في تسمية المنافس الأقوى له في الجولة الثانية فيما لو أخفق الرئيس في الحصول على الأغلبية من الجولة الأولى، فقد اختلفت تلك المراكز على الشخصية الثانية فقد حددت قسم من المراكز زعيمة حزب الصالح (ميرال أكشينار) على أنها ستكون هي المنافسة له في الجولة الثانية وهذه أيضا كانت قد منيت بخسائر سابقة عندما ترك الحزب العديد من أعضاء حزبها القيادين وانضموا إلى حزب العدالة والتنمية وهي بالأصل انفصلت عن حزب الحركة القومية الحليف الأول لحزب العدالة والتنمية.

والرأي الآخر لمراكز الاستطلاع فإنها ترى أن مرشح الحزب الجمهوري محرم إنجه هو المنافس للرئيس أردوغان في الجولة الثانية باعتبار أن حزبه هو أقوى الأحزاب المعارضة منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002 ولحد الآن.

ومهما يكن وسواء كان فوز أردوغان في الجولة الأولى أو الثانية , ولكن لو حصل العكس فأن هناك دلائل على أن أي تغيير في رأس القيادة التركية بعد الانتخابات سيكون ذو تأثير غير محدود وسترتب الأوراق من جديد في معظم عواصم الشرق الأوسط والدول العربية وأقل هذه التغييرات هي رجوع تركيا في علاقاتها مع الدول العربية إلى بروتوكولية مجردة من تطورات تعزيزية تدعمها وإن كانت تلك رغبة الدول العربية فقد تغلق أبوابها أمام أية بادرة تحصل، سواء كان الفائز مرشح الحزب الجمهوري أو زعيمة حزب الصالح.

هذا فيما يخص الشان الخارجي التركي تجاه الدول العربية ولكن ما يخص الجانب الأوروبي فإن أي تغيير في القيادة التركية سينظر لها بمنظار مختلف وستكون تلك الدول في مأمن من فرض الإملاءات التركية، وخير مثال على ذلك فإن معاهدة سيفر أقرتها الدول الأوروبية على وجه السرعة بعد احتلالها لمعظم الأراضي التركية بعد الحرب الكونية الأولى ولكن بالانتصارات المتلاحقة وتحرير الأراضي التركية وافقت على مضض مرغمة على معاهدة لوزان المتميزة في تاريخ تركيا الحديث، فبطبيعة الحال إن أية قيادة جديدة في تركيا لن تكون بمقدرة القيادة الحالية وعلى الأقل قبل سنين عديدة فيما لو كانت بكفاءة عالية واستمرت تركيا في مسيرتها التنموية والصناعية.

والشيء الذي يجب ذكره هي التأثيرات المباشرة للدعايات الانتخابية والتجمعات لكافة المرشحين والتي أظهرت بما لا يقبل الشك تفوق المرشح أردوغان على جميع منافسيه، وخصوصا فيما يعنى بالبرنامج الانتخابي ورؤية المرشحين وكيفية تعاملهم في شتى الأمور التركية الداخلية والخارجية والاقتصاد والمال والصحة والتعليم، وبهذه أيضا كان لأردوغان النصيب الأكبر في إقناع ناخبيه حيث طرح مسألة تطبيق وعوده المستمرة لمواطنيه مما زاد من ثقتهم والاستحواذ على جل أصواتهم، وخصوصا لشريحة واسعة من المواطنين وهم الغير مؤازرين لأي حزب من الأحزاب.

وبانتظار أصوات الست وخمسين مليونا من المقترعين لأول انتخابات ثنائية تجري في تاريخ تركيا الحديثة سيكون من المفيد التقيد بما ستؤول إليه نتائج الانتخابات في دولة ديمقراطية.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس