محمود عثمان - الأناضول

إطلاق سراح القس برانسون، الذي كان يقضي عقوبة السجن في تركيا، والتقدم المحدود على خط الأزمة في منبج، حيث بدأت التدريبات والدوريات المشتركة عملها في إدلب، واختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في استانبول قبل أسبوعين، وتشكيل اللجنة التركية السعودية المشتركة للتحقيق المشترك في القضية، كل هذه الأحداث المتلاحقة دفعت تركيا مرة أخرى إلى مركز الأحداث العالمية. 

هناك العديد من نقاط الخلاف والتوتر بين تركيا والولايات المتحدة، يأتي في مقدمتها تضارب المصالح في سورية، حيث ترفض الإدارة الأمريكية التخلي عن دعم وحدات حماية الشعب، ذراع تنظيم ب ك ك الإرهابي. وكذلك المطالبة المستمرة من أنقرة لواشنطن بشأن تنظيم الكيان الموازي، بتسليم رأسه فتح الله كولن، وإنهاء نشاطاته على الأراضي الأمريكية. بينما تعترض واشنطن على شراء تركيا منظومة إس-400 الصاروخية من روسيا، وتماطل في تسليم مقاتلات إف-35 بحجج واهية. 

** ملف القس برانسون 

شكلت أزمة القس برانسون، واحدة من أكثر القضايا المثيرة للخلاف بين أنقرة وواشنطن، فرضت بذريعتها الولايات المتحدة عقوبات ورسوم جمركية على تركيا، بعد أن وجهت أنقرة للقس برانسون تهمة الضلوع في المحاولة الانقلابية الفاشلة ب 15 تموز/يوليو 2016، ودعم جماعات إرهابية منها التنظيم الموازي، وميليشيا ب ك ك الانفصالي الارهابي، حيث كان يواجه القس، تهماً عقوبتها السجن لمدة تصل إلى 35 عاما. 

الإفراج عن القس برانسون حاليا، ذو دلالات عدة، ليس أولها عدم رضوخ أنقرة لتهديدات ترامب وأعضاء إدارته، وتصديها للهجوم الاقتصادي الذي استهدف عملتها المحلية، وليس آخرها رفع العقوبات الاقتصادية، وايجاد مخرج لنائب رئيس خلق بنك الذي يقضي عقوبة بالسجن في أمريكا، وتخفيف العقوبة المالية المفروضة على البنك نفسه. 

حل أزمة القس برانسون في هذا التوقيت، مسألة مهمة وحيوية بالنسبة للرئيس ترامب أيضا، إذ يأتي إطلاق سراحه قبل انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة، كونه ينتمي للطائفة الإنجيلية التي تمثل قطاعا كبيرا بأمريكا. 

وفيما يخص مستقبل العلاقات بين البلدين، تبدو كلا من واشنطن وأنقرة في حاجة ماسة هذه الأيام، لاستعادة الاستقرار في العلاقات بينهما، لذلك يعتبر ذلك قرار إطلاق سراح القس برانسون خطوة من شأنها تمهيد العودة تدريجيا لمستوى العلاقات السابق، لكن عودتها بالكامل يتطلب مزيدا من الوقت. 

** ملف مدينة منبج السورية 

المباحثات الأولى بين الجانبين التركي والأمريكي بخصوص منبج، كان في 13 من آذار/ أبريل الماضي، لكنه تأجل بسبب إقالة وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون وتعيين مايك بومبيو مكانه. 

وتنص خطة العمل الأمريكية- التركية، المتفق عليها في حزيران/ يونيو الماضي، على تطبيق خطة من عدة مراحل محددة، تبدأ بانسحاب قادة "ي ب ك"، يليها تولي عناصر من الجيش والاستخبارات التركية والأمريكية مهمة مراقبة المدينة، بعد 45 يومًا من الاجتماع الذي انعقد بين جاويش أوغلو ومايك بومبيو، في 13 من حزيران/ يونيو الماضي. 

أما المرحلة الثالثة فتنص على تشكيل إدارة محلية في غضون 60 يومًا، وسيجري تشكيل المجلس المحلي والعسكري اللذين سيوفران الخدمات والأمن في المدينة، حسب التوزيع العرقي للسكان. 

وتطمح تركيا بالتفاهم والتوافق مع الولايات المتحدة، إلى نقل "خارطة الطريق" التي تم الاتفاق عليها بشأن منبج إلى مناطق أخرى على الحدود، لكن الطرف الأمريكي ما زال يماطل في تنفيذ الاتفاق المبرم بين الطرفين، مما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقول بأن أنقرة "ستتولى بنفسها فعل ما يلزم" في حال استمرار مماطلة الجانب الأمريكي في تنفيذ خارطة الطريق بشأن إخراج عناصر "ي ب ك" الإرهابي من منبج. 

واضح أن صبر أنقرة بخصوص منبج على وشك النفاذ، تجلى ذلك في تصريح أردوغان بقوله :"للأسف لا نستطيع القول حاليا إنه جرى الالتزام بمهلة الـ 90 يوما، وفي حال عدم التطبيق، فإننا نعلم كيف نتولى بأنفسنا فعل ما يلزم، وسنقوم بما يقتضيه ذلك". 

جوهر الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، يرجع إلى إصرار الولايات المتحدة على إنشاء كيان مستقل تشرف على إدارته مليشيا "ي ب ك" التي تصنفها تركيا بالإرهابية. لذلك بقيت مدينة منبج مصدراً للتوتر بين البلدين منذ عام 2016، عندما سيطرت قوات "قسد" على المدينة بدعم من الجيش الأمريكي. 

وتنظر تركيا إلى "ي ب ك" بوصفها مجموعة إرهابية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يشن حربا على الدولة التركية منذ ثلاثة عقود. بينما تتعامل واشنطن معها كحليف رئيسي في الحرب على داعش. 

وفي محاولة لإيجاد أرضية مشتركة لحل النزاع، اتفق البلدان في يونيو/ حزيران على تسيير دوريات مشتركة في منبج الواقعة غربي نهر الفرات. وفي ذلك الوقت وافقت الولايات المتحدة على أن تنسحب قوات "قسد" من المدينة إلى شرق النهر في غضون 90 يوما. ولكن ذلك لم يحدث رغم مضي المدة المحددة، حيث ما تزال هذه الميليشيات موجودة في المدينة. 

** ملف الصحفي جمال خاشقجي 

في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، اختفت آثار الصحفي السعودي جمال خاشقجي عقب دخوله قنصلية بلاده في استانبول، مما دفع السلطات التركية إلى إطلاق تحقيق شامل للكشف عن ملابسات الحادث. 
اختفاء خاشقجي تسبب في حالة من الغليان على الصعيد العالمي، فقد طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرياض، بإثبات خروج خاشقجي من القنصلية، كما طالبت عدد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، والاتحاد الاوروبي، الرياض بالكشف عن مصير خاشقجي بعد دخوله قنصليتها في إسطنبول

ردود الأفعال عبر العالم تتوالى رغم مرور أسبوعين على الحادثة، حيث تتصدر المطالبة بالكشف عن مصير خاشقجي، مانشيتات الصحف ونشرات الأخبار العالمية، بالتوازي مع التحليلات عن تداعيات هذه الأزمة على كل المستويات. 
صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، التي كان خاشقجي كاتباً فيها، ذكرت أن مسؤولين أتراك أبلغوا نظرائهم الأمريكيين بأنهم يملكون تسجيلات صوتية ومرئية تثبت مقتل الصحفي جمال خاشقجي. 

** محاولة توريط لتركيا والسعودية 

لا يمكن تفسير حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول، إلا محاولة للوقيعة بين تركيا والمملكة العربية السعودية، وحشر تركيا في الزاوية. فإن هي سارعت في توجيه الاتهام للملكة حدثت الفتنة وحصل المطلوب. وإن هي تراخت في التحقيق والكشف عن الجناة، فسوف توجه إليها أصابع الاتهام بالضلوع في الجريمة، وهذا ما رأينا بوادره منذ الساعات الأولى للحادثة. 

ترجيح لغة العقل من كلا الطرفين، من خلال اتصال الملك سلمان بن عبد العزيز بالرئيس رجب طيب أردوغان، والتأكيد على عمق العلاقات بين المملكة وتركيا، وإرسال الأمير خالد بن فيصل برمزيته، وصدور قرار بالعمل المشترك من خلال تشكيل تشكيل مجموعة عمل مشتركة في إطار التحقيقات المتعلقة بحادثة جمال خاشقجي، خطوات مهمة جدا من شأنها تفويت الفرصة على الطامعين بالاصطياد في الماء العكر. 

لا شك في أن اغتيال صحفي كبير ومثقف قدير، وقلم رصين بحجم جمال خاشقجي، خسارة للسعودية أولا ثم للعالمين العربي والإسلامي، وطعنة غادرة في قلب القيم الانسانية. قتل إنسان لا يملك سوى قلمه، جريمة بشعة بكل المقاييس والمعايير الانسانية. ولن تمر هذه الجريمة النكراء دون أن يدفع فاعلوها الحقيقيون ومن خلفهم ثمنا سياسيا باهظا. 

** تركيا تدير ملفات الشرق الأوسط المعقدة بحكمة ودراية نالت ثقة الجميع 

انطلاقا من إرثها التاريخي، وخبرتها كدولة عريقة وقوة إقليمية، تضطلع أنقرة بمسؤولية تاريخية تجاه مشاكل الشرق الأوسط المعقدة، حيث تحولت مرة أخرى إلى مركز ثقل دولي تلتقي فيه الأطراف الساعية لتخفيف الاحتقان، وسحب فتيل الحروب والأزمات. 

في تعاطيها مع الملفات سالفة الذكر أعلاه وغيرها، تصرفت أنقرة بقدر كبير من الثقة وضبط النفس، فلم تنجر إلى خطوات متسرعة رعناء، تترك آثارها السلبية على المدى الطويل. 

لم تنجر أنقرة إلى الاستفزازات القادمة من واشنطن، ولا تسرعت في إطلاق الأحكام ضد الرياض، ولم تتجه للتصعيد في منبج وشرق الفرات. بل زادت من جرعة التحركات الدبلوماسية، وسياسة المصارحة والأبواب المفتوحة، لتقطف ثمارها دعما محليا وإقليميا ودوليا. ها هي الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وغالبية دول العالم يعلنون تأييدهم لتركيا ودعمهم للخطوات التي تتخذها. 

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس