محمود عثمان - عربي 21

في بادئ الأمر، رفض غالبية السوريين مغادرة أرض الوطن، وفضلوا النزوح داخل البلاد، متنقلين من محافظة إلى محافظة ومن بلدة إلى بلدة أكثر من مرة، حيث نزح كثير منهم في بداية الأمر إلى مناطق قريبة أكثر أمناً لتفادي آثار الحرب، لكن غياب الأمن تفشّى أكثر فأكثر، وألقى بظلاله وعواقبه الثقيلة على مصير العائلات، ما اضطر الكثيرين لاتخاذ القرار العسير بالانتقال إلى دول الجوار (تركيا ولبنان والأردن)، ثم إلى بقية بلاد العالم، على أمل العودة للوطن قريبا. إذ تشير الدراسات إلى أن معظم اللاجئين حسِبوا، حين غادروا بيوتهم، أنهم سيبقون في البلد المضيف بضعة أشهر قليلة فقط.

ثمة عوامل كثيرة تجعل اللاجئين يخافون من العودة المبكّرة إلى بيوتهم، قبل التوصّل إلى حل شامل للنزاع في البلاد، يأتي في مقدمتها الخوف من الوضع الأمني المبهم في سوريا، والتعامل الكيفي والعشوائي، وروح التشفي والانتقام التي يتعامل من خلالها نظام الأسد مع العائدين، في ظل غياب ضامن دولي يحمي هؤلاء من المعاملات اللاإنسانية على يد أجهزة النظام، وفي بعض الأحيان تكون السياسات المقيّدة في البلدان المضيفة سبباً في الاحجام عن العودة، حيث تحظر بعض الدول على اللاجئين الذين يسافرون إلى سوريا العودة إليها مجدداً.

ولعل من أهم المصاعب والعقبات التي يواجهها اللاجئ السوري، علاوة على قهر الغربة، وضغوط الأحوال المادية الصعبة، وصعوبة تأمين لقمة العيش الكريمة، هي الوثائق الرسمية اللازمة والضرورية لضمان وجوده بطريقة قانونية في بلاد المهجر، حيث يأتي جواز السفر على رأس قائمة تلك الوثائق الضرورية.
في المرحلة الأولى من عمر الثورة السورية، مرحلة انتصارات المعارضة وانهيار النظام، ذهبت بعض البلدان وفي مقدمتها تركيا، لجهة التسامح وقبول جوازات سفر السوريين حتى لو كانت مدة صلاحيتها منتهية، لكن مؤتمر الرباط الذي اعترف بالمعارضة السورية ممثلا للشعب السوري، بالإضافة لنظام الأسد، اعتبر هذا الاعتراف منحصرا بالجانب السياسي فقط، مما سلب المعارضة السورية الندية في الإمكانيات في صراعها مع نظام الأسد، فترك الباب واسعا أمام الأخير لكي يتحكم بمصير السوريين من خلال استغلال حاجتهم للوثائق الرسمية، وخصوصا لمن هم في الخارج.

يتعرض قرابة ثلاثة ملايين ونصف المليون من اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا، لعمليات ابتزاز وإهانة وترويع من قبل قنصلية نظام الأسد في إسطنبول، حيث تمت إحالة عملية الحصول على جواز السفر إلى عصابات مرتبطة بالنظام.

فإن أراد اللاجئ السوري - على سبيل المثال - الحصول على جواز سفر جديد او تجديد جواز سفره، فإنه يحتاج لترتيب موعدين على الأقل، يدفع مقابل كل موعد ما بين 250 و300 دولار لعناصر تلك المافيا ذات الصلة بقنصلية النظام، فيما يسدد رسوم الحصول على الجواز 800 دولار إن رغب بالحصول عليه بصورة مستعجلة كما يقولون، والمستعجل هنا يستغرق شهرين وربما أكثر!

وفي الوقت الذي تقدم فيه الدول الجوازات لمواطنيها، بحيث تكون صالحة لمدة عشر سنوات، فإن النظام يقدمه لمدة عامين فقط، تذهب ستة أشهر منها بين استلام الجواز وعدم التمكن من استخدامه بسبب اقتراب نهاية مدته.

وهكذا، فإن استخراج جواز سفر في قنصلية إسطنبول، بات يكلّف 1250 دولارا، أي أن عائلة من ستة أشخاص تحتاج 7500 دولار كل عامين، وهذا يشكل عبئا إضافيا على كاهل اللاجئين السوريين، الذين يعمل غالبيتهم بالحد الأدنى من الأجور. طبعا، يضاف إلى ذلك تكاليف الوثائق الرسمية الأخرى، مثل تصديق شهادة ميلاد أو تصديق دفتر عائلة، وما شابه ذلك، كل وثيقة من تلك الوثائق تكلف 150 دولارا على الأقل، بينما ترتفع كلفة بدل الخدمة العسكرية إلى ثمانية آلاف دولار.

من خلال عملية حسابية بسيطة يمكننا الوصول إلى نتيجة، أن حجم ما يستنزفه النظام من جيوب السوريين، وبالتالي من ميزانية الدولة المضيفة (تركيا) يقدر بما بين مليارين ومليارين ونصف المليار دولار سنوياً، وهو ما يجب التنبيه إليه، والعمل على وقفه فورا.

ما هو البديل؟

بداية، لا بد من الإشارة إلى خذلان المجتمع الدولي للسوريين، بتركهم ضحية لابتزاز نظام لا يراعي فيهم أبسط الحقوق الإنسانية، والانسحاب التام من تحمل المسؤولية الإنسانية والأدبية تجاههم، وإلقاء الحمل بكامله على دول الجوار، التي بدأ كاهلها ينوء بهذا العبء الثقيل بعد مرور ثمانية أعوام.

تقع على المجتمع الدولي مسؤولية وضع حد لابتزازات النظام للسوريين في الخارج، وكذلك على الدول المعنية بالمسألة السورية، والمصنفة كصديقة للشعب السوري، وعليها اتخاذ إجراءات فورية وخطوات عملية تنهي معاناتهم في موضوع حصولهم على الوثائق الرسمية كأضعف الإيمان.

مجلس التعليم العالي في المملكة الأردنية الهاشمية قام بخطوة تستحق الشكر والتقدير، فقد أصدر قرارا بإعفاء الطلاب السوريين، من تقديم جوازات سفرهم كوثيقة للتسجيل أو للتخرج من الجامعات الأردنية. وبموجب  هذا القرار، يكفي الطلاب السوريين المقيمين في الأردن الحصول على بطاقة أمنية تعريفية، يتم استخراجها من وزارة الداخلية الأردنية، تكون بمثابة بديل عن جواز السفر السوري.

قرار مجلس التعليم العالي الأردني جاء على اعتبار أن عدداً كبيرا من الطلاب السوريين لا يملكون جوازات سفر، فيما يواجه آخرون صعوبات عدة في استخراج جوازاتهم، أو تجديدها في القنصلية السورية في الأردن بسبب تكلفتها المادية المرتفعة.

بإمكان الدول المضيفة وفي مقدمتها تركيا، اعتماد جواز السفر حتى وإن انتهت مدة صلاحيته، وكذلك اعتماد هوية الإقامة الصادرة عن دائرة الهجرة والجوازات التركية كدليل لإثبات الشخصية في حال أي معاملة، وخصوصا عند قبول الطلبة في الجامعات، حيث فقد عدد من الطلاب السوريين مقاعدهم في الجامعات التركية بسبب انتهاء مدة جواز سفرهم، وحتى في حالة قرب انتهاء مدته. وكذلك الأمر في المعاملات والإجراءات الأخرى، من تسجيل المواليد ومراجعة المستشفيات، وإعطاء الوكالات، وبقية المعاملات الرسمية الأخرى، كما يجب الإلغاء الفوري لجميع الطلبات التي تشترط مراجعة قنصلية النظام السوري.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس