ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

وإن كان قراره لا يتمتع بصفة الإلزام ، إلا أن تصويت البرلمان الأوروبي بوقف التفاوض مع تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي كان كاشفا بكل المعاني، البرلمان الذي يضم 750 مقعدا صوت 370 عضوا فيه بتأييد وقف التفاوض مع تركيا للانضمام للاتحاد وعارض القرار 109 بينما وامتنع 143 بينما تغيب 128 عضو شعورا بالحرج من الشعبوية التي يدار بها البرلمان، فالعديد من الأعضاء الحاليين لم يتم ترشيحهم من قبل أحزابهم لانتخابات مايو القادم في البرلمان الذي صوت على القرار.

قبل جلسة التصويت، أجرت مقرر البرلمان الأوروبي كاتي بيري محادثات مع مجموعة من أنصار حزب العمال الكردستاني. ضمت ديليك أوجلان، ابنة أخت زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، و قبل ساعة فقط من التصويت عقد الممثل الأوروبي للحزب الديمقراطي المؤيد لحزب العمال الكردستاني أيوب دورو، والذي قاتل سابقًا ضد تركيا في صفوف حزب العمال الكردستاني، مؤتمرا صحفيا مع العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي، وأثناء التصويت تجمع العشرات من مؤيدي حزب العمال الكردستاني خارج البرلمان مرتدين قمصانا عليها صور أوجلان وانضم إليهم بعض الأتراك المعارضين للسياسة تركيا المنفتحة على هويتها، الراغبين في سلخ تركياعن مشرقها.

هذه الاجتماعات انعكست على محاولات بعض نواب البرلمان الأوروبي رفع حزب العمال الكردستاني من قائمة المنظمات الإرهابية، على الرغم من إدانة التقرير الأوروبي للحزب بعد عودته للعنف وتنفيذ عمليات عسكرية وإرهابية ضد المدنيين، لكن التقارير الكاشفة لم تكشف عن حقيقة الأوضاع في جنوب تركيا، لكنها في الحقيقة كشفت عن مكنون صدور غالبية أعضاء البرلمان الأوروبي الذين طالبوا ليس فقط وقف التفاوض مع تركيا بشكل مؤقت ولكن وقف التفاوض معها نهائيا، وهو ما يكشف أيضا عن ابتعاد أوروبا الشعبوية الجديدة عن قيمها الديمقراطية في تعزيز استقلال القرار وشفافيته وركونه إلى المنطق.

البرلمان الأوروبي الذي عزى قراره إلى الحالة الحقوقية في تركيا، كان سياسيوه وأجهزته الاستخباراتية حاضرة في افتعال الأزمات في تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة وقبلها، ففي الوقت الذي اجتمع فيها مجلس التعاون الأوروبي - التركي كانت تحشد مظاهرة كبيرة لرفض الوضع الحقوقي للمرأة في تركيا، هذه المظاهرة التي كان من المفترض أن تكون نسائية حشد لها المثليون واليسار بالإضافة طبعا إلى الانفصاليين الأكراد الذين لا يفوتون مثل هذه الفرصة لإحراج تركيا.

والأزمة في الحقيقة ليست أزمة حريات أو حقوق، إنما الأزمة الحقيقية في استخدام هذه الشرائح لإحراج تركيا التي أرادت أن تستقل بقرارها بعد أن كانت تابعا للرغبة الأمريكية والأوربية منذ بداية الحرب الباردة وحتى ستة عشر عاما مضت.
قرار تركيا بامتلاك منظومة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة (أس 400) والتي قاربت على استلامها أظهرت ضعف النفوذ الغربي، وجعلت الساسة الغربيين يرون وهن قبضاتهم وهو ما يمكن دول غير تركيا لأخذ نفس الموقف ومن ثم ينفرط عقد الهيمنة الغربية على الشرق، ذلك العقد الذي كافحوا على مدى مئات السنين لنظمه.    

القرار وإن كان غير ملزم لكنه محاولة غربية في سلسلة المحاولات لإسقاط الحزب الحاكم في الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها نهاية مارس، وهي الانتخابات التي تعد الأهم والأساس للبنية السياسية التركية والدافع للناخب في اختيار برلمانه ومن ثم رئيسه، فحزب العدالة والتنمية بنى شعبيته من خلال الاحتكاك المباشر بالناخب التركي وتقديم خدمات من خلال البلديات رفعت أسهمه لدى هذا الناخب، هذا ما يدركه الغرب ويريدون نزعه من حزب العدالة والتنمية، إذ أن الحزب نفسه هو من وضع في بنك أهدافه الانضمام للاتحاد الأوروبي وحفز مواطنيه على بذل مزيد من الجهد للارتقاء بعناصر جودة العمل والحياة ليتأهل لهذا الحلم، ومجرد إفشال الحزب في تحقيق هذا الحلم سيسحب شريحة ليست صغيرة من تأييد الحزب الحاكم.

لكن الحقيقة أن الشعب التركي أصبح أكثر وعيا، ولم يعد الانضمام إلى اتحاد ينهار ويحتاج من يرممه حلما، فتركيا الشابة والناهضة رغم الضربات الاقتصادية، المفتعلة من الغرب، لن تكون رافعة لذلك الاتحاد الآيل للسقوط، وستسعى تركيا مع شركاء محترمين لاستكمال مسيرها وصولا للوقوف بين السبعة الكبار في العالم.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس