ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

بسبب الهجمات التخريبية المتعمدة من قبل حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) تعطل خط النفط الناقل والممتد من محافظة كركوك النفطية إلى ميناء جيهان التركي عدة مرات ولما كان الخط يمر عبر نينوى فإنه كان عرضة لمزيد من الهجمات من قبل تنظيم الدولة والتي كان آخرها في عام 2014 قبل أن يتوقف الأنبوب بشكل شبه تام، وعلى الرغم من أن البدائل جهزت في حينها إلا أن كركوك التي تشير التقديرات إلى أن إجمالي احتياطيها من النفط يبلغ 13 مليار برميل، أي ما يمثل 12% من احتياطي النفطي الكلي للعراق، جعل من الخط أهمية قصوى لاسيما بعد أن زالت مصادر التوتر بشكل كبير، من ناحية، واحتياجات تركيا النفطية التي تزيد.

رغم موقف تركيا من استفتاء الاستقلال الذي أجراه إقليم شمال العراق عام 2017 والذي اعتبرته تركيا مسألة أمن قومي، لما يشكله من محفز للمكون الكردي في تركيا، والذي يسعى بعض عناصره عبر "بي كي كي" للاستقلال بجنوب شرق تركيا أو على أقل تقدير بحكم ذاتي، إلا أن تركيا لم توقف تصدير نفط  الإقليم، إذ أن الرئيس أردوغان ظل ينظر لقرار الاستفتاء على أنه خطأ استراتيجي للرجل المخلص مسعود بارزاني، إلا أن الحراك العسكري الذي اتخذته بغداد إبان عملية الاستفتاء وخلفية التنازع على كركوك جعلت أنقرة تعيد النظر في علاقتها ببارزاني، الذي أجبرته الظروف أيضاً للتواري مكتفيا بالزعامة الرمزية التاريخية، تاركا الساحة لأبن شقيقه نيجيرفان برزاني الذي لم يحد عن نهج عمه رغم تغير الأوضاع، وذلك لما يرتبط به الإقليم من علاقات تجارية شبه مصيرية مع تركيا، مع ذلك فإن نفط كركوك مازال يتأرجح بين بغداد وأربيل، فعلى الرغم من إبرام أربيل عقودا للتنقيب واستخراج وتطوير آبار نفط كركوك فإن الحكومة في بغداد تضغط، من الخارج على الشركات، ومن الداخل بمنع رواتب موظفي الإقليم، في سبيل تحويل تلك العقود ومن ثم مردودها لها.

وهنا يأتي موقف الإدارة التركية متمثلا في تصريح سفيرها لدى بغداد فاتح يلدز الذي أعرب عن أمل بلاده في إعادة فتح خط أنابيب كركوك- جيهان والذي يمثل أولوية إستراتيجية لبلاده، مؤكدا أن مجال الطاقة هو أساس العلاقات الإستراتيجية بين تركيا والعراق، وهو ما يمكن وصفه بإعادة التموضع وترتيب الأوراق، بعد سيطرة الجيش العراقي على العديد من النقاط الحدودية بين تركيا والعراق والتي كان يسيطر عليها بالكل قوات البيشمركة الكردية .

وعلى الرغم من أن كلفة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك - جيهان عالية وما يستلزمه ذلك من تجديد للخط ومحطات الضخ التابعة، إلا أن تركيا ترى في إعادة تشغيله ضرورة لا من حيث المردود الاقتصادي فقط بل والسياسي أيضا في ظل حاجتها لحلفاء على الأرض في المنطقة أو على الأقل تهدئة الأجواء في الوقت الراهن بعد أن فتحت جبهات كثيرة وممن هم بحكم الاتفاقيات حلفاء، وبالتوازي فإن الخط البديل والذي يضخ منه نفط شمال العراق إلى أوروبا لايزال يعمل بكفاءة ضامنا ترسيخا لعلاقات تجارية واقتصادية تؤكد بالتوازي العلاقات السياسية بعد أن ماتت فكرة الاستقلال واستيعاب الطرف الكردي أن القرار كان خطأ وتوقيته أكثر خطأ.

لقد استطاعت تركيا أن تخرج من قرار الاستفتاء على الاستقلال في شمال العراق بمكاسب انضجتها على نار هادئة خلال الأشهر التي تلت القرار وإفشاله إقليميا ودوليا، فلم تكن تركيا، رغم علاقاتها الوطيدة مع قيادة إقليم شمال العراق، راضية بشكل أو بآخر عن علاقاتها بمشروع انفصالي يتحين الفرصة، حتى مع المردود الاقتصادي الذي تتحصل عليه تركيا من هذا المشروع، إلا أنها في النهاية غير راضية عنه بل ومتخوفة، ولما كانت كامل حدودها مع العراق يسيطر عليها هذا المشروع الانفصالي، فقد استفادت من اللحظة الفارقة بسيطرة الجيش الاتحادي على منافذ مهمة مع حرصها على إبقاء منافذ أخرى بحوزة إقليم شمال العراق لإحداث التوازن، هي أوراق يلقى بعضها لجني أكثر منها والقيادة الواعية هي تلك التي تدرك متى تلقي بالطعم الذي تستطيع به اصطياد أكبر سمكة.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس