د. علي الصلابي - خاص ترك برس

أولا: السلطان عبد العزيز (1861 - 1876 م)

تولَّى الحكم بعد أخيه في أواخر عام 1277هـ. وفي عهده تفجَّرت ثورةٌ في جزيرة كريت، وأخمدت عام 1283هـ/1863م. وتمَّ فتح قناة السُّويس عام 1285هـ/ 1869م، وصدرت مجلَّة الأحكام العدليَّة، وقانون التِّجارة البحريَّة في أوائل عهده، وزار أوربَّة، وفكَّر في الاستفادة من خلاف الدُّول الأوربيَّة فيما بينها، لكنَّه وجد أنَّها تتَّفق جميعها ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة؛ لأنَّها دولةٌ إِسلاميَّةٌ، ولم يستطع الأوربيُّون أن ينسوا الحقد الصَّليبي المغروس في نفوسهم، غير أنَّهم كانوا يختلفون فيما بينهم حسب مصالحهم الخاصَّة.

وكانت الدُّول الأوربيَّة عازمةٌ على الضَّغط على الحكومة العثمانيَّة للاستمرار في خطوات الإِصلاح والنُّهوض المزعوم على النَّهج الغربيِّ، والفكر الأوربيِّ، والمبادئ العلمانيَّة، وأكَّد السُّلطان عبد العزيز عزمه على مواصلة السَّير في الطَّريق الَّذي سلكه أبوه محمود الثَّاني، وأخوه عبد المجيد، فأبقى على كلِّ أصحاب المناصب من المكلِّفين بتنفيذ الإِصلاحات. وكان من أهمِّ الإِصلاحات الإِداريَّة في عهده صدور قانون الولايات عام (1281هـ/ 1864م)، وفي مجال الإِدارة أيضاً أنشئت محكمةٌ عليا قضائيَّةٌ (ديوان الأحكام العدليَّة). كما أنشئ عام (1285هـ/ 1868م) مجلسٌ للدَّولة على النَّسق الفرنسي، سمِّي «شوراي دولت» أي: مجلس شورى الدَّولة، وكان من أهمِّ اختصاصاته مناقشة الميزانيَّة.

أمَّا في مجال التَّعليم، فقد أسِّست مدرسةٌ ثانويَّةٌ عام 1285هـ/ 1868م هي مدرسة «غلطة سراي»، كان برنامج الدِّراسة فيها خيراً من برامج المدارس الثَّانويَّة الأخرى، وكانت كلُّ الموادِّ الَّتي تدرس فيها باللُّغة الفرنسيَّة فيما عدا اللُّغة التُّركيَّة. وكانت الغاية من إِنشائها هي تخريج طائفةٍ من الشَّباب القادر على حمل عبء الوظائف العامَّة، وكان هؤلاء الشَّباب من مختلف الدِّيانات، فالأغلبيَّة من المسلمين، ولكن كان بها اليونان، والأرمن، وهم نصارى، كما كان بها أعدادٌ من اليهود. والواقع: أنَّ الطُّلاَّب قد أقبلوا على هذه المدرسة، حتَّى بلغ عددهم عام 1869م ستَّمئة طالبٍ مسلمين، ونصارى، ويهود.

ورغم هذه الخطوات الإِصلاحيَّة الَّتي تمَّت في عهد السُّلطان عبد العزيز، إِلا أنَّ الدُّول الأوربيَّة لم تعتبرها كافيةً لتنهض دليلاً على أنَّ الدَّولة العثمانيَّة إِنَّما تريد الإِصلاح، وتعمل لتحسين رعاياها النَّصارى، ولإِزالة المفاسد الَّتي استشرت في نظام الإِدارة والحكومة، وهي مفاسد كانت في نظر الكثير من المعاصرين الأوربيِّين تهدِّد بانهيار الدَّولة في النِّهاية.

وكان رأي فريق كثيرٍ من الإِنجليز، وغيرهم من المعاصرين: أنَّ زوال الدَّولة العثمانيَّة قد بات ضروريَّاً، حيث إِنَّها قد فشلت في الأخذ بأسباب الإِصلاح الأوربيِّ، فقال لورد كلارندون وزير الخارجيَّة البريطانيَّة في عام 1865م: «إِنَّ الطَّريقة الوحيدة لإِصلاح أحوال العثمانيِّين هي بإِزالتهم من على سطح الأرض كلِّيَّةً». وهذا يؤكِّد حقد النَّصارى على الدَّولة العثمانيَّة المجاهدة؛ لأنَّها هزمتهم منذ فتح القسطنطينيَّة؟

لقد فشلت الدَّولة العثمانيَّة في الأخذ بأسباب الإِصلاح الأوربيِّ لانعدام كلِّ صلةٍ بين المبادئ الأوربيَّة وبين مبادئ الدَّولة العثمانيَّة المستمدَّة من كتاب الله، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

عزل السُّلطان عبد العزيز:

كان السُّلطان عبد العزيز قد زار أوربَّة، ورأى اتِّفاق، وتامر الدُّول الأوربيَّة على الدَّولة العثمانيَّة، فحاول أن يستفيد من الخلاف القائم على المصالح بين دول أوربَّة الغربيَّة، وروسيا لمصلحة الدَّولة العثمانيَّة، فبدأ يكثر من دعوة السَّفير الرُّوسي إِلى إِستانبول، فخافت الدُّول الأوربيَّة، وبدأت تشيع الشَّائعات عنه في التَّبذير، والإِسراف واستطاع مدحت باشا أن يعزله، ثمَّ قام مع عصابته بقتله في عام (1293هـ/ 1876م).

إِنَّ مدحت باشا كان من يهود الدُّونمة، روجت له الدِّعاية الماسونيَّة في أنحاء الشَّرق العربيِّ، والغربيِّ على أنَّه البطل العظيم حامل لواء الإِصلاح والحرِّيَّة في السَّلطنة العثمانيَّة، وسمَّته (أبو الدُّستور). وسخَّرت له أبواق دعايتها من صحفٍ، ومجلاتٍ، وإِذاعاتٍ، فوصل بذلك إِلى أعلى الرُّتب، منها: باشويَّة سورية، والعراق، ومنصب الصَّدر الأعظم الَّذي يعتبر أكبر الرُّتب في السَّلطنة العثمانيَّة. ثمَّ بدأ بعد ذلك يدسُّ، ويخرِّب كما تملي عليه يهوديَّته، وماسونيَّته، ويغمز دائماً بالتَّعاون مع الماسونيَّة إِلى مساوئ الحكم، وخاصَّة حكم السُّلطان عبد الحميد عدوُّ الماسونيَّة الأكبر ـ الَّذي لم يترك ثقباً من بصيص أملٍ لليهود في فلسطين إِلا وسدَّه، ثمَّ أسَّس «مدحت باشا» ويهود الدُّونمة الماسونيَّة العالميَّة حوله «جمعيَّة الاتِّحاد والتَّرقِّي» الَّتي حملت نفس شعار الماسونيَّة، وجعلت مقرَّها بسلانيك، وانكشفت جوانب من هذا اليهوديِّ للسُّلطان عبد الحميد، فألقى القبض عليه، وعزله، ونفاه فيما بعد.

سبب مقتل السُّلطان عبد العزيز:

ـ رفضه للدَّساتير الغربيَّة برمَّتها، وكذلك العادات الغربيَّة البعيدة عن البيئة الإِسلاميَّة، وتمكُّنه من إِصلاح أحوال الدَّولة العثمانيَّة إِلى درجةٍ كبيرةٍ، وخاصَّةً في المجال العسكريِّ، حيث قوَّى الجيش، واستبدل الأسلحة القديمة بأخرى حديثةٍ، واستورد ما يلزم من السِّلاح من أفضل مصانع السِّلاح في أوربَّة، ووضع التَّنسيقات العسكريَّة على الطِّراز الحديث، وشكَّل الفرق العسكريَّة لأبناء العشائر، والقبائل من كلِّ الولايات، وسلَّح القلاع، والحصون بأضخم وأحدث المدافع، فأصبحت مدفعيَّة الدَّولة العثمانيَّة يضرب بها المثل في التَّقدُّم، وأصلح دار المدفعيَّة «الطوبخانة» وأدخل فيها المعدَّات، والآلات الحديثة، حتَّى صار بإِمكانها صنع جميع الأسلحة على الطِّراز الجديد، كما قام بإِصلاحاتٍ في مجال البحريَّة، وأحلَّ الخبراء العثمانيِّين محلَّ الخبراء الأجانب رغم اعتراض هؤلاء، ودولهم، وأصبحت في عهده الدَّولة العثمانيَّة من الدُّول البحريَّة الأولى في العالم، وعمل على إِرسال البعثات البحريَّة إِلى الخارج، واشترى المدرَّعات، وشيَّد عدَّة معامل لصنعها، ولصنع الآلات، والمراجل، وعادت دار صناعة «إِزميت» إِلى ما كان لها من مجدٍ، كما أصلح الكثير من أحواض السُّفن، وأسَّس مجلَّة الأحكام العدليَّة، وعمل على إِحقاق الحقِّ، وحاكم كبار الحكَّام، أمثال «خسرو باشا» و «عاطف باشا» و «طاهر باشا» وبذلك ظهر للعموم حبَّه للعدل، والإِصلاح، وهذا لا يرضي الدُّول الأوربيَّة، ولا تقبل به؛ لأنَّها تريد أن يسود الظُّلم حتَّى تنهار الدَّولة بسرعةٍ، وقام بإِصلاحاتٍ ماليَّةٍ، وأمر بوضع ميزانيَّةٍ منضبطةٍ، وألغيت القوائم الماليَّة، وسوَّت بذلك الدَّولة جميع ديونها، وأصبحت المعاملة بالنُّقود، وانتظمت الأحوال الماليَّة.

لقد هال الدُّول الأوربيَّة رؤية ما حدث على يد هذا السُّلطان في وقتٍ قصيرٍ؛ فتعرقلت مخطَّطاتهم في القضاء على الرَّجل المريض، لذا رأوا تدبير مؤامرة خلعه، ثمَّ قتله.

إِنَّ جذور المؤامرة في مقتل السُّلطان عبد العزيز ترجع إِلى تخطيطٍ مدروسٍ من قبل القناصل، وممثِّلي الدُّول الأوربيَّة في العاصمة العثمانيَّة، وقاموا بتنفيذها عن طريق عملائهم ممَّن تشرَّبوا بأفكارهم من رجال الدَّولة، وعلى رأسهم صنيعة الماسونيَّة المدعو مدحت باشا الَّذي اعترف أثناء محاكمته باشتراكه في عزل، وقتل السُّلطان عبد العزيز، وهذا أمرٌ معروفٌ تاريخيَّاً ومدوَّنٌ في الوثائق

ثانيا: السلطان مراد الخامس 1876 ومدَّة ولايته 93 يوماً

هو ابن السُّلطان عبد المجيد ولد في 25 رجب من عام 1256هـ الموافق 1840م، وارتقى منصب الخلافة في 7 جمادى الأولى من عام 1293هـ.

كان على جانبٍ كبيرٍ من الذَّكاء، والثَّقافة التُّركيَّة، والغربيَّة، كما أبدى اهتماماً بالأدب، والعلوم، والشُّؤون الأوربيَّة، وزار أوربَّة، والتقى ببعض الأوربيِّين، وانخرط في سلك الماسونيَّة، وكان على اتِّصالٍ بنامق كامل أحد أعضاء الحركة، وغيره، وكان ميَّالاً إِلى الدُّستور، واللِّيبراليَّة، والعلمانيَّة، وكانت الحركة الماسونيَّة هي الَّتي دفعت به إِلى السُّلطة، ولكنَّه أصيب باضطرابٍ عقليٍّ بعد أن أصابته الدَّهشة، والفزع عند إِيقاظه بعد منتصف اللَّيل عند خلع السُّلطان عبد العزيز، ولمَّا بلغه مقتل حسن الجركسي ظهرت عليه اضطراباتٌ عصبيَّةٌ أثَّرت على جهازه الهضمي. وكانت صحَّته في تدهورٍ مستمرٍّ في الوقت الَّذي كان مدحت باشا يحاول إِعلان الدُّستور الوضعي بدلاً من الشَّرع أثناء مرضه، ويدرس القوانين، والنُّظم الغربيَّة، ويتَّصل بأعوانه حتَّى استطاع إِعداده بشكلٍ جاهزٍ. وقد قيل إِنَّ جنون السُّلطان ظهر للنَّاس بشكلٍ واضحٍ، فكان لا بدَّ من خلعه، وأعلن ذلك من قبل شيخ الإِسلام عام 1876م وكان نصُّ الفتوى: «إِذا جنَّ إِمام المسلمين جنوناً مطبقاً، ففات المقصود من الإِمامة، فهل يصحُّ حلُّ الإِمامة من عهدته؟ الجواب: يصحُّ، والله أعلم. كتبه الفقير حسن خير الله عفا الله عنه».

وبعد عزله تعافى من مرضه العقليِّ، وأمضى باقي حياته في قصر «جراغان» حتَّى توفِّي عن عمر يناهز الرَّابعة والسِّتِّين.

لقد أثَّر الشَّباب من أعضاء جمعيَّة الاتِّحاد والتَّرقِّي على مراد الخامس، فانتسب إِلى المحفل الماسونيِّ، وأدمن شرب الخمر، وتشبَّع بالأفكار العلمانيَّة والفلسفيَّة الغربيَّة.

وقد قال عنه السُّلطان عبد الحميد: «كان من طبيعته أن ينخدع لمن يبتسمون في وجهه، دون أن يفكِّر في المعقول، وغير المعقول، حتَّى أنَّه بسبب ذلك لم يكن يخطر على باله عدم لياقة اشتراكه وهو خليفة المستقبل في المحفل الماسوني، وتقدير المصيبة الَّتي ستنجم عن ذلك، وقد استطاع بعض الأشخاص، ممَّن يدَّعون: أنَّهم أنصار التَّجديد أن يحرِّضوه على إِدمان الخمر، وزيَّنوا له جوانب نستخفُّ بها في الحياة الأوربيَّة».


مراجع البحث:

  • علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص (316-319).
  • علي حسُّون، تاريخ الدَّولة العثمانيَّةـ، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م، ص (205، 206).
  • اسماعيل أحمد ياغي،العالم العربي في التَّاريخ الحديث، مكتبة العبيكان، السعودية/ 1418هـ/1997م. ص (177، 178).
  • جمال عبد الهادي، وأخرون، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م. ص (110).
  • عبد الرحمان الدوسري، اليهوديَّة، والماسونيَّة،دار السُّنَّة، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م، السُّعوديَّة. ص (70، 71).

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس