د. علي الصلابي - خاص ترك برس

السُّلطان عبد الحميد هو السُّلطان الرَّابع والثَّلاثون من سلاطين الدَّولة العثمانيَّة. تولَّى عرش الدَّولة وهو في الرَّابعة والثَّلاثين من عمره؛ إِذ ولد في 16 شعبان عام 1258هـ (1842م).

ماتت والدة السُّلطان عبد الحميد وهو في العاشرة من عمره، فاعتنت به الزَّوجة الثَّانية لأبيه، وكانت عقيماً، فأحسنت تربيته، وحاولت أن تكون له أمَّاً، فبذلت له من حنانها، كما أوصت بميراثها له. وقد تأثَّر السُّلطان عبد الحميد بهذه التَّربية، وأعجب بوقارها، وتديُّنها، وصوتها الخفيض الهادئ، وكان لهذا انعكاسٌ على شخصيَّته طوال عمره.

تلقَّى عبد الحميد تعليماً منتظماً في القصر السُّلطاني على أيدي نخبةٍ مختارةٍ من أشهر رجالات زمنه علماً، وخلقاً. وقد تعلَّم من اللُّغات العربيَّة، والفارسيَّة، ودرس التَّاريخ، وأحبَّ الأدب، وتعمَّق في علم التَّصوُّف، ونظم بعض الأشعار باللُّغة التُّركيَّة العثمانيَّة.

وتدرَّب على استخدام الأسلحة، وكان يتقن استخدام السَّيف، وإِصابة الهدف بالمسدَّس، ومحافظاً على الرِّياضة البدنيَّة، وكان مهتمَّاً بالسِّياسة العالميَّة، ويتابع الأخبار عن موقع بلاده منها بعنايةٍ فائقةٍ، ودقَّةٍ نادرةٍ.

بويع بالخلافة بعد أخيه مراد، يوم الخميس 11 شعبان 1293هـ - 31 أغسطس 1876م. وكان عمره آنذاك أربعاً وثلاثين سنة، وحضر لمبايعته الوزراء، والأعيان، وكبار الموظَّفين من مدنيِّين، وعسكريِّين في سراي طوبقبو. وهنَّأه بالخلافة كذلك رؤساء الطَّوائف المختلفة، وأطلقت المدافع بسائر أطراف السَّلطنة احتفالاً بهذه المناسبة. وأقيمت الزِّينات بجميع جهات إِستانبول ثلاثة أيَّامٍ، وأرسل الصَّدر الأعظم برقيَّات إِلى دول العالم لإِعلامها بذلك.

وكان السُّلطان عبد الحميد قد عيَّن مدحت باشا صدراً أعظم، ثمَّ أعلن في 23 ديسمبر (1293هـ/ 1876م) الدُّستور الَّذي يضمن الحرِّيَّات المدنيَّة، وينصُّ على مبدأ الحكومة البرلمانيَّة.

ووفق هذا الدُّستور كان البرلمان يتكوَّن من مجلسين: مجلس النُّوَّاب، أو المبعوثين، ثمَّ مجلس الأعيان أو الشُّيوخ.وقد تعرَّض السُّلطان عبد الحميد في بداية حكمه إِلى استبداد الوزراء، واشتداد سياستهم التَّغريبيَّة بقيادة جمعيَّة العثمانيِّين الجدد، والَّتي كانت تضمُّ النُّخبة المثقَّفة الَّتي تأثَّرت بالغرب، والَّتي استطاعت الأيدي الماسونيَّة أن تجنِّدهم لخدمة أهدافها، وقد بلغ من استبداد الوزراء بالحكم أن كتب مدحت باشا ـ وهو في مقام الرِّئاسة لنخبة العثمانيِّين الجدد ـ إِلى السُّلطان عبد الحميد في أوَّل عهده بالعرش (1877م): (لم يكن غرضنا من إِعلان الدُّستور إِلا قطع دابر الاستبداد، وتعيين ما لجلالتكم من الحقوق، وما عليها من الواجبات، وتعيين وظائف الوزراء، وتأمين جميع النَّاس على حرِّيَّتهم، وحقوقهم، حتَّى تنهض البلاد إِلى مدارج الارتقاء، وإِنِّي أطيع أوامركم إِذا لم تكن مخالفةً لمنافع الأمَّة...).

ويقول السُّلطان عبد الحميد في هذا: (ولقد وجدت مدحت باشا ينصِّب نفسه آمراً ووصيَّاً عليَّ. وكان في معاملته بعيداً عن المشروطيَّة (الدِّيمقراطيَّة) وأقرب إِلى الاستبداد).

وكان مدحت باشا، وأصحابه من الماسون يدمنون الخمر، قال السُّلطان عبد الحميد في مذكَّراته: (... ومن المعروف: أنَّ أحرار ذلك العهد من شعراء، وأدباء اجتمعوا مساءً يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدَّثوا في أمور الدَّولة، بل في أمور السُّكر، والعربدة، وهم يحتسون الخمر، ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه، ومشهورٌ عنه هذا، والتقت نشوة الخمر بالنَّشوة الَّتي بعثها إِعلان القانون الأساسيِّ، وعندما نهض مدحت باشا من على مائدة الأكل؛ خرج مستنداً على أذرع الاخرين حتَّى لا يقع على الأرض. وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون باشا، وهو يؤرجح لسانه في فمه (بتأثير الخمر):

ـ يا باشا! مَنْ يستطيع الآن، وبعد كلِّ ما وصلتُ إِليه أن يبعدني عن منصبي؟! مَنْ؟! قل لي كم عاماً سأبقى في الصَّدارة العظمى؟

ردَّ عليه طوسون باشا قائلاً:

ـ إِذا بقيتم على هذا الحال؛ فليس أكثر من أسبوع!

(لقد كان مدحت باشا في مجالس الخمر الخاصِّ به يفشي أدقَّ أسرار الدَّولة، وكانت هذه الأسرار تنتشر في اليوم التَّالي بين أهالي إِستانبول. وفي إِحدى اللَّيالي تحدَّثَ مدحت باشا عن عزمه على إِعلان الجمهوريَّة في الدَّولة العثمانيَّة، وأنَّه سيصبح رئيساً للجمهوريَّة العثمانيَّة الجديدة، ثمَّ إِمبراطوراً لها. تماماً مثلما حدث مع نابليون الثَّالث بفرنسا).

وكان مدحت باشا متَّهماً بقتل السُّلطان عبد العزيز، وشكَّل السُّلطان عبد الحميد لجنةً للتَّحقيق في ذلك ثمَّ قدم المتَّهمين إِلى المحكمة الَّتي أدانتهم، وحُكِم على مدحت باشا بالإِعدام، وتدخل السُّلطان عبد الحميد، وخفَّض الحكم إِلى السِّجن، ثم نفي إِلى الحجاز حيث مقرُّ السِّجن العسكري هناك.

كان الدُّستور ينصُّ على فصل السُّلطات من حيث الشَّكل لا المضمون، كما أنَّ التَّغييرات الَّتي طرأت على نظام الحكم طبقاً له كانت من قبيل التَّطوُّر، فلم يفكِّر أحدٌ في تقليص حقِّ السُّلطان في السِّيادة، كما نصَّ الدُّستور على أنَّ شخص السُّلطان مصونٌ لا يُمَسُّ، وأنَّه لا يسأل أمام أحدٍ عن أعماله، ومن ثمَّ كان الدُّستور مرتهناً بشخصه. فله وحده حقُّ تعيينٍ، وإِقالة الوزراء، كما أنَّه هو الَّذي يعقد المعاهدات، ويعلن الحرب، ومعاهدات الصُّلح، وهو القائد العامُّ للقوَّات المسلَّحة، ومن حقِّه كذلك إِصدار جميع القوانين في شتَّى المجالات دون الرُّجوع إِلى البرلمان. وهكذا ظلَّ السُّلطان عبد الحميد الثَّاني (1293 - 1327 هـ 1876 - 1909 م) يتمتَّع بالسُّلطة الَّتي سبق لأسلافه أن تمتَّعوا بها، بحيث إِنَّ مدحت باشا ذاته كان أوَّل الضَّحايا، كما أنَّ الصَّلاحيَّات الواسعة الَّتي منحها الدُّستور للسُّلطان حدَّت من سلطة رئيس الوزراء؛ بحيث لم يتح له أن يلعب سوى دورٍ ثانويٍّ في تسيير دفَّة الحكم.

ونصَّ الدُّستور على حرِّيَّة أعضاء البرلمان في إِبداء آرائهم، وفي التَّصويت، وكان لا يمكن محاكمتهم إِلا إِذا تجاوزوا حدود قوانين المجلس، وحدَّد الدُّستور اللُّغة التُّركيَّة العثمانيَّة باعتبارها اللُّغة الرَّسميَّة للدَّولة الَّتي يجري بها الحديث في كلِّ الجلسات، كما نصَّ أن يكون التَّصويت سرِّيَّاً، أو علنيَّاً بحسب الظُّروف، وعلى أن يقرَّ مجلس النُّوَّاب الميزانيَّة دون تدخُّلٍ من جانب السُّلطان بعكس الحال فيما يتعلَّق بالقوانين العاديَّة.

وأمَّا بالنِّسبة لحقوق الأفراد؛ فقد أعلن الدُّستور: أنَّ العثمنة هي السِّياسة الرَّسميَّة للدَّولة في إِطار مبدأ المساواة الَّذي نصَّت عليه التَّنظيمات، فقد خلع الدُّستور صفة العثمانيَّة على كلِّ رعايا الدَّولة أيَّاً كان دينهم، ونصَّ على تمتُّعهم بالحرِّيَّة الشَّخصيَّة، وعلى تساوي كلِّ العثمانيِّين أمام القانون، وعلى منحهم نفس الحقوق مع إِلزامهم بنفس الواجبات. ونصَّ الدُّستور كذلك على استقلال القضاء، وأبقى على المحاكم الشَّرعيَّة على أن يلجأ غير المسلمين لمحاكم الملل في المسائل المتعلِّقة بشؤونهم الدِّينيَّة.

وقد أمر السُّلطان عبد الحميد بأن يوضع الدُّستور موضع التَّنفيذ، وبأن تجرى انتخاباتٌ عامَّةٌ، كانت الأولى من نوعها في التَّاريخ العثماني، وقد أسفرت تلك الانتخابات عن تمثيل المسلمين بـ (71) مقعداً والنَّصارى بـ (44) مقعداً، واليهود بـ(4) مقاعد، واجتمع أوَّل برلمان عثماني في 29 مارس عام 1877م (1294هـ) وكان مجلس الأعيان والشُّيوخ يتكوَّن من 26 عضواً بالتَّعيين من بينهم 21 مسلماً، في حين كان مجلس النُّوَّاب يتكوَّن من مئة وعشرين عضواً. وقد قام بعض نوَّاب العرب بدورٍ مهمٍّ خلال المناقشات، غير أنَّ مجلس المبعوثين كانت مدَّته قصيرةً؛ فقبل أن يتمَّ المجلس دورة انعقاده الثَّانية، طلب النُّوَّاب في 13 فبراير عام 1878م (1296هـ) أن يمثل ثلاثة من الوزراء أمام المجلس للدِّفاع عن أنفسهم من الاتِّهامات الموجَّهة إِليهم، فما كان من السُّلطان عبد الحميد إِلا أن عطَّل المجلس، وأمر بعودة النُّوَّاب إِلى بلادهم، وقام بنفي وإِبعاد البارزين منهم.

وبذلك بلغت مدَّة انعقاد المجلس خلال دورته الأولى والثَّانية عشرة شهور وخمسة وعشرين يوماً، ولم يُدْعَ هذا المجلس للاجتماع ثانيةً لمدة ثلاثين عاماً، لم تفتح خلالها قاعة المجلس ولا مرَّة واحدةً.

لقد كان السُّلطان عبد الحميد مضطراً في إِعلان الدُّستور بسبب الضُّغوط الَّتي مارسها عليه الماسون بقيادة مدحت باشا، ولذلك عندما أتيحت له الفرصة قام بتعطيل المجلس.

إِنَّ عبد الحميد الثَّاني كان ضدَّ الدِّيمقراطيَّة، والحكم بالدُّستور الَّذي يعرف في المصطلح العثماني باسم «المشروطيَّة» أي: الاشتراط على الحاكم بتحديد سلطاته، على اعتبار: أنَّ هذا فكرٌ وافدٌ من الغرب، ولذلك كان ضدَّ المنادين به، ورائدهم مدحت باشا، وانتقد وزيره هذا بقوله: (لم ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوربَّة، لكنَّه لم يدرس أسباب هذه المشروطيَّة، ولا تأثيراتها، الأخرى. أقراص السُّلفات لا تصلح لكلِّ مرضٍ ولكلِّ بنيةٍ. وأظنُّ أنَّ أصول المشروطيَّة لا تصلح لكلِّ شعبٍ، ولكلِّ بيئةٍ قوميَّةٍ. كنت أظنُّ: أنَّها مفيدةٌ، أمَّا الآن: فإِنِّي مقتنعٌ بضررها».

كان للسُّلطان حججه في هذا، منها سوء تصرُّف المنادين بالدُّستور في أوَّل استجابة للسُّلطان لأفكارهم. من ذلك:

أن طلبت الحكومة من السُّلطان في وقت إِعلان السُّلطان للدُّستور أن يوقِّع على بعض قراراتٍ منها تعيين ولاةٍ نصارى في ولاياتٍ أغلب السُّكَّان فيها من المسلمين، وعلى قرارٍ بقبول طلبة من النَّصارى في الكلِّيَّة الحربيَّة العثمانيَّة الَّتي هي عماد الجيش العثماني، فرفض السُّلطان التَّوقيع، فما كان من مدحت باشا ـ وهو الوزير ـ إِلا أن قال للسُّلطان: (إِنَّ مقصدنا من إِعلان الدُّستور أن ننهي استبداد القصر، ويجب جلالتكم أن تعرف واجباتكم).

ومن الأسباب الَّتي يسوقها السُّلطان عبد الحميد في رفضه للفكر الدُّستوري قوله: (إِنَّ الدَّولة العثمانيَّة دولةٌ تجمع شعوباً شتَّى، والمشروطيَّة في دولةٍ كهذه تعني موت العنصر الأصلي في البلاد، وهل في البرلمان الإِنجليزي نائبٌ هنديٌّ واحدٌ؟ وهل في البرلمان الفرنسي نائبٌ جزائريٌّ واحدٌ؟).

ولم يغيِّر السُّلطان عبد الحميد موقفه تجاه الحكم الدُّستوري في دولته؛ حتَّى بعد أن عزل عن العرش، وأخذ النَّاس يمارسون الحكم الدُّستوري، فيقول: (ماذا حدث عندما أعلنت المشروطيَّة؟ هل قلَّت الدُّيون؟ هل كثرت الطُّرق، والموانئ، والمدارس؟ هل أصبحت القوانين الآن أكثر تعقُّلاً، ومنطقاً؟! وهل ساد الأمن الشَّخصيُّ؟ هل الأهالي الآن أكثر رفاهيَّةً؟ هل تناقصت الوفيَّات، وزادت المواليد؟ هل أصبح الرَّأي العامُّ العالميُّ الآن بجانبنا أكثر من ذي قبل؟ الدَّواء النَّافع يصبح سمَّاً زعافاً إِذا كان في يد غير الأطبَّاء. أو في أيدي من لا يعرفون أصول استعماله، وإِنِّي لجدُّ آسفٌ، فالأحداث قد أظهرت صدق كلامي).

ويبيِّن السُّلطان عبد الحميد بأنَّ موقفه ليس دائماً تجاه الحكم الدُّستوري، فالظُّروف الَّتي كان يحكم فيها إِذا اختلفت؛ فستختلف وجهة نظره في الحكم الدُّستوري. وفي هذا يقول: (ينبغي ألا يُظَنَّ: أنَّ فكري واقتناعي دائماً ضدَّ الحكم الَّذي يعتمد على أصول المشروطيَّة).

إِنَّ السُّلطان عبد الحميد مرَّ عصره بظروفٍ عصيبةٍ، وأزماتٍ شديدةٍ، وتآمرٍ عالميٍّ على الدَّولة العثمانيَّة من الدَّاخل، والخارج، فشرع في إِصلاح الدَّولة وفق التَّعاليم الإِسلاميَّة لمنع التَّدخُّل الأوربيِّ في شؤون الدَّولة، وحرص على تطبيق الشَّريعة الإِسلاميَّة، وقام بإِبعاد الكتَّاب، والصَّحفيِّين عن العاصمة، وقاوم كلَّ الاتِّجاهات الغربيَّة المخالفة للحضارة الإِسلاميَّة المجيدة في ولايات الدَّولة، واستطاع أن يشكِّل جهازاً استخباراتيَّاً قويَّاً لحماية الدَّولة من الدَّاخل، وجمع معلومات عن أعدائه في الخارج، واهتمَّ بفكرة الجامعة الإِسلاميَّة، وحقَّق بها نتائج عظيمةً، واهتزَّ الأوربيُّون من هذا التَّفكير الاستراتيجي العميق، وعملوا على تفتيتها.

لقد تكلَّم السُّلطان عبد الحميد عن جهاز مخابراته، وبيَّن الغرض منه، فقال: (حسب العرف العثماني، يتعرَّف السُّلطان على تفكير الرَّعيَّة، وشكواها عن طريق جهاز الحكم، ومن ولاته، وقضاته من جانب، وعن طريق التَّكايا المنتشرة في ربوع البلاد بمشايخها، ودراويشها من جانبٍ آخر، فيجمع كلَّ هذه الأخبار، ويدير البناء عليها.

جدِّي السُّلطان محمود الثَّاني وسَّع دائرة مخابراته بإِضافة الدَّراويش الرُّحَّل إِليها. كان ذلك عندما ارتقيتُ العرش، وعلى ذلك أستمرُّ.

علمتُ ذات يومٍ من «موسوروس باشا» سفيرنا في لندن: أنَّ الصَّدر الأعظم السَّابق: السِّرْ عسكر حسين عوني باشا تسلَّم نقوداً من الإِنجليز. إِذا كان الصَّدر الأعظم، وهو يحكم البلاد باسم السُّلطان يخون دولته، فإِنَّ مخابراته لا بدَّ أن تبلغ القصر على أنَّه يؤدِّي عمله على الوجه الأكمل، لذلك تكدَّرتُ، وتأثَّرتُ، وفي أثناء تلك الأيَّام قابلني محمود باشا، وأدلى إِليَّ ببعض معلوماتٍ عن بعض أعضاء «تركيَّا الفتاة» وكانت الأخبار الَّتي قدَّمها لي مهمَّة، سألته عن طريق حصوله عليها، فعرفت: أنَّه أنشأ مخابراتٍ خاصَّةٍ، واحتوى ـ بالنُّقود ـ أقارب لبعض الأشخاص من «تركيَّا الفتاة»، وهؤلاء كانوا يقابلون أقاربهم، ويسمعون منهم، ثمَّ يخبرونه، فيدفع لهم.

صحيحٌ: أنَّه زوج أختي، إِلا أنَّه لا يصحُّ أن يقيم أحد باشوات الدَّولة مخابراتٍ مستقلَّة عن مخابرات الدَّولة. قلت له: أن يحلَّ جهازه هذا فوراً، وألا يعاود العمل بمثل هذا الأمر مرَّةً أخرى، وقد أحال إِليَّ جهازه هذا؛ وهو متضايقٌ كثيراً.لا يمكن للدَّولة أن تكون امنةً، إِذا تمكَّنت الدُّول الكبرى أن تجنِّد لخدمة أهدافها أشخاصاً في درجة وزيرٍ أعظم.

بناءً على هذا قرَّرت إِنشاء جهاز مخابرات يرتبط بشخصي مباشرةً، وهذا هو الجهاز الَّذي يسمِّيه أعدائي بالجورنالجية (الشُّرطة السِّرِّيَّة = المخابرات).

وكان ضروريَّاً أن أعرف أن بين أعضاء جهاز الجورنالجيَّة (المخابرات) المخلصين الحقيقيِّين أشخاصاً مفترين، لكنِّي لم أصدِّق، ولم اخذ بأيِّ شيءٍ يأتي من هذا الجهاز مطلقاً دون تحقُّقٍ دقيقٍ.

كان جدِّي السُّلطان سليم (سليم الثَّالث) يصيح قائلاً: (إِنَّ أيدي الأجانب تتجوَّل فوق كبدي، وعلينا أن نرسل السُّفراء إِلى الدُّول الأجنبيَّة لنقل أساليب التَّقدُّم الأوربي، وعلينا إِرسال الرُّسل إِلى الخارج، ولنعمل سريعاً على تعلُّم ما وصلوا إِليه.

كنت أحسُّ أنا أيضاً بأيدي هؤلاء الأجانب، ليست فوق كبدي، وإِنَّما في داخله، إِنَّهم يشترون صدوري العظام، ووزرائي، ويستخدمونهم ضدَّ بلادي. كيف يحدث هذا؛ وهم الَّذين أنفقت عليهم من خزانة الدَّولة، ولا أستطيع معرفة ما يعملونه، وما يدبِّرون، ويُعِدُّون؟!

نعم، أنا أسَّست جهاز الجورنالجيَّة (المخابرات). وأنا أدرته.

متى حدث هذا؟

بعد أن رأيت صدوري العظام يرتشون من الدُّول الأجنبيَّة مقابل هدم دولتهم، والتآمر على سلطانهم أسَّست هذا الجهاز لا ليكون أداةً ضدَّ المواطن، ولكن لكي يعرف، ويتعقَّب هؤلاء الَّذين خانوا دولتي، في الوقت الَّذي كانوا يتسلَّمون فيه رواتبهم من خزانتها، وفي الوقت الَّذي كانت النِّعمة العثمانيَّة تملؤهم حتَّى حُلُوقهم)!!

لقد وُجِّهت للسُّلطان عبد الحميد انتقاداتٌ عنيفةٌ من قبل جمعيَّة الاتِّحاد والتَّرقِّي بسبب جهاز الاستخبارات الَّذي شكَّله، وفي الحقيقة: إِنَّ ذلك الجهاز استطاع أن يحقِّق إِيجابيَّاتٍ كبيرةً للدَّولة العثمانيَّة فعندما (... كان مثيرو الشَّغب، والإِرهابيُّون يثيرون الأرمن للتَّمرُّد ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة كان الجنود يتصدَّون لهم، وتُراق دماءٌ كثيرةٌ... كان جهاز السُّلطان عبد الحميد ـ خلال ثلاثين سنة ـ يخبر السُّلطان فور ظهور كلِّ حركةٍ، ولذلك تمكَّن السُّلطان من إِخماد كلِّ تمرُّدٍ داخليٍّ في حينه.


مراجع البحث:

  • علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى1424ه، 2003م، ص (323-330).
  • أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التَّاريخ العثماني،دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، ـ 1406هـ. 1986م ص (234).
  • اسماعيل أحمد ياغي،الدولة العثمانية في التَّاريخ الحديث، مكتبة العبيكان، السعودية مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ،1996م ص (189).
  • عبد الحميد الثاني، مذكَّرات السُّلطان عبد الحميد، تقديم د. محمَّد حرب، دار القلم، الطَّبعة الثَّالثة، 1412هـ،1991م.   ص (160).
  • ساطع الحصري، البلاد العربيَّة والدَّولة العثمانيَّة،دار العلم للملايين، بيروت1379ه، 1960م، ص (99 ـ 100).

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس