ياسر عبد العزيز - مدونات الجزيرة

القمة المنتظرة في كوالالمبور تحمل طموحات كبيرة ،سواء  للقادة  المشاركين فيها أو لشعوبهم على حد سواء، فالإمكانيات المتنوعة لكل من ماليزيا وأندونيسيا وباكستان وقطر وإيران بالإضافة إلى تركيا سواء من الناحية الاقتصادية المتمثلة في التجارة البينية وفرص الاستثمار والأسواق الواعدة التي تضمه دول بكثافة سكانية عالية في اندونيسيا وباكستان وإيران وكذا تركيا التي تحمل هي وماليزيا تقنيات تجعل من حجم التبادل المنتظر في حال تم توفير الطاقة اللازمة لتحريك المصانع من إيران وقطر تجعل هذا الاتحاد المأمول فيما لو أنضجت القمة فكرته مهيأ ليستوعب اقتصادا كبيرا، إن أراد العالم أن يستوعبه.    

يذهب الرئيس أردوغان إلى القمة الإسلامية المصغرة في كوالالمبور وهو يعرف إمكانيات كل شريك من شركاء الطاولة التي ستجمعهم، فأخر الدراسات المالية والمصرفية والتي أجرتها شركة ستاندرد تشارترد الإنجليزية أكدت أن إندونيسيا وتركيا ستكونان في قائمة أكبر 5 اقتصاديات العالم بحلول عام 2030، فضلاً عن ذلك فإن دولة قطر تتمتع بأعلى دخل للفرد بحسب تقرير الأمم المتحدة المنشور في 2018، مدفوعة في ذلك بترتيبها المتقدم بين أكبر دول العالم إنتاجا للغاز الطبيعي، فهي ثالث أكبر منتج للطاقة الخفيفة في العالم، في حين يتوقع أن تتصدر ماليزيا بحلول عام 2021 قائمة منتجي الغاز الحيوي في آسيا، ومن حيث الناتج الإجمالي المحلي لكل دولة، فإن الدول الخمس تحتل مراكز متقدمة ضمن أكبر 55 دولة على مستوى العالم )بحسب إحصائيات صندوق النقد الدولي عام 2018)، حيث جاءت تركيا في المركز الــ 19، وإيران في المركز الــ 30، وماليزيا الــ  37، وباكستان الــ 41، وقطر في المركز الــ 55، بينما يمثل حجم الاقتصاد في الدول الخمس رقما لا يستهان به  في معادلة الاقتصاد العالم، مع وجود قوة ردع قادرة على حماية هذا الاقتصاد الناشئ. 

سعى الرئيس أردوغان منذ اليوم الأول لتوليه منصب رئاسة الوزراء في تركيا إلى فتح الأبواب المغلقة أمام تركيا الطامحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولازالت، ومنذ 2005 التزم جديا بتوصيات ومعايير المفوضية الأوروبية للوصول لذلك الهدف، لكن تقريرها الأخير في 2018 والذي جاء بحسب رؤية الإدارة التركية منافيا للواقع المعاش للدولة التركية، مشيرة إلى أن التقرير (لا يقيّم بشكل سليم الوضع الحالي في البلاد ومن غير الممكن قبول الانتقادات المجحفة الواردة به) ومع المعارضة المستميتة من قبل ألمانيا العضو الأكبر في الاتحاد، والخلافات التي نشبت بين تركيا وفرنسا في الأشهر الأخيرة على خلفية دعم الأخيرة المليشيات الكردية الإرهابية في سوريا، وعدم تحقيق أنقرة أي اختراقات خلال السنوات الأخيرة للاتحاد من خلال صنع شراكات داعمة مع دوله بعيدا عن ألمانيا وفرنسا، فإنه بات من الصعب انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما بات يؤكد رؤية رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان بأن الاتحاد هو نادٍ مسيحي، لن يقبل في عضويته دولة مسلمة وكبيرة كتركيا، وهذا التشخيص هو ما أنهى المسألة في نظره.

إن كان تقرير المفوضية الأوربية العام الماضي كان مجحفا، كما وصفته الإدارة التركية، لكنه لم يبعد كثيرا عن تلك التقارير التي سبقته في الأعوام الماضية، وإن كان أشد لهجة، وهو ما يمكن تفسيره في إطار النبرة التي اعتمدتها الإدارة التركية للرد على الحكومات الأوروبية "غير المتعاونة" ،بحسب الإدارة التركية، في العديد من القضايا التي تهمها، بل وتمس في بعض الأحيان أمنها القومي، مع ذلك فإن المتفحص لسياسات تركيا العدالة والتنمية، يفهم أن مناورات تركيا السياسية لا تنتهي عند تقرير مفوضية ولا برلمان، حتى في ظل تدهور علاقاتها مع الجارة اليونان، ويعرف أيضا أن تركيا في السنوات الأخيرة تسعى لجني الأرباح من كل شيء وأي شيء، وهو ما جعلها تشتبك في كل القضايا الإقليمية وحتى الدولية التي تهمها، على خلاف تركيا الوزارية متبنية نظرية صفر مشاكل.

تقف تركيا الآن في وسط الكبار تنافح لتحصيل قدر أكبر من دورها الذي لعبته كدولة وسيط في العلاقات الدولية إلى دولة فاعل بقدر كبير، ما يعني أن تركيا ذاهبة إلى كوالالمبور وهي جادة في تعاون مشترك يضيف إليها الكثير، وتقدم له أيضا الكثير، لكنها من ناحية أخرى لن تترك الحلم الشعبي بالانضمام للاتحاد الأوروبي والذي استفادت منه كثيرا لترتيب أوراق الداخل، بشكل يمكن تمثيله بدور الجزرة التي دفعت العربة نحو مزيد من التنمية والجودة الاقتصادية، فتركيا الآن بموقعها الاستراتيجي تريد أن تلعب دور الجسر الاقتصادي والسياسي والثقافي بين الشرق والغرب وهو ما يمكن تحقيقه عن طريق كوالالمبور

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس