عبد الباري عطوان - رأي اليوم

يشد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان (الثلاثاء) الرحال الى العاصمة الايرانية طهران في زيارة رسمية هي الثانية له في غضون عامين، وسط حالة من الصراع الطائفي والاقليمي تسود منطقة الشرق الاوسط تنعكس في سلسلة من الحروب في العراق وسورية واليمن، ووقوف البلدين على طرفي نقيض فيها.

زيارة الرئيس اردوغان تأتي في توقيت حرج للغاية، ووسط عدة تطورات رئيسية، سياسية واقتصادية لامناص من التوقف عندها اذا اردنا قراءة المشهد بصورة اقرب الى الدقة:

اولا: يتزايد الحديث عن امكانية تشكيل تحالف “سني” تركي سعودي قطري لمواجهة “التمدد” للنفوذ الايراني في المنطقة، بعد نأي باكستان ورئيسها نواز شريف بنفسيهما عن اي تدخل عسكري بري او جوي في اليمن في اطار “عاصفة الحزم” السعودية خوفا من انفجار حرب اهلية طائفية بين السنة والشيعة في البلاد، وحيث يزيد تمثيل ابناء الطائفة الشيعية عن اكثر من 20 بالمئة من تعداد الجيش الباكستاني.

ثانيا: تأتي هذه الزيارة بعد ايام من التوصل الى “اتفاق اطار” بين الدول الست الكبرى في العالم وايران حول البرنامج النووي الايراني، وهو الاتفاق الذي سيؤدي الى رفع الحصار الاقتصادي، ويعترف بحق ايران في التخصيب بمعدلات منخفضة تحت رقابة دولية مشددة والاحتفاظ بجميع منشآتها النووية.

ثالثا: تصاعد التعاون الامريكي العسكرية مع ايران في ملفات ساخنة في العراق وسورية، وكان لافتا ان الطائرات الحربية الامريكية، وفرت الغطاء الجوي للهجوم الذي شنه الجيش العراقي بالاشتراك مع قوات الحشد الشعبي المكونة في معظمها من ميليشيات “شيعية” تدعمها وتسلحها ايران، وكان لافتا ايضا ان جون كيري وزير الخارجية الامريكي تحدث عن عدم استبعاد بلاده الدخول في حوار مع الرئيس بشار الاسد.

الرئيس التركي تجاوز كل “الخطوط الحمراء” عندما اتهم ايران الشهر الماضي بـ “الهيمنة” ودعم الارهاب في المنطقة وطالبها بسحب مجموعاتها “الارهابية” من اليمن، واكد دعم بلاده لعاصفة الحزم السعودية، وقال ان سياسة ايران “تجاوزت كل حدود الصبر”. هذه التصريحات “غير المسبوقة” دفعت بالعديد من النواب الايرانيين الى المطالبة بالغاء هذه الزيارة، بينما استدعت الخارجية الايرانية القائم بالاعمال التركي وطلبت منه “توضيحات” لهذه التصريحات التي اعتبرتها مسيئة واستفزازية.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن عدم الغاء ايران لهذه الزيارة اولا، واصرار الرئيس اردوغان على القيام بها ثانيا، رغم الهجمات الشرسة التي تعرض لها من قبل الصحافة واعضاء في البرلمان الايراني؟

للاجابة على هذا السؤال وما يتفرع عنه من اسئلة اخرى، يجب التأكيد على عدة نقاط اساسية اولها، ان الرئيس اردوغان ليس زعيما عربيا يبني سياسته ومواقفه على اسس انفعالية، وثانيا انه رئيس منتخب يحتكم على مؤسسات اعلامية وديمقراطية تحاسبه على كل خطوة يخطوها، وثالثا لانه بارع في الفصل بين السياسة والاقتصاد، ويضع مصلحة بلاده فوق كل الاعتبارات الاخرى.

الرئيس اردوغان يذهب الى ايران كـ”اقتصادي” اولا، يدرك جيدا ان ايران، وبعد رفع الحظر، الاقتصادي الامريكي الغربي عنها بعد شهرين (في حزيران ـ يونيو) بمقتضى الاتفاق النووي الاخير، ستتحول الى دولة اقليمية عظمى، وسوق كبير، ودولة مصدرة للنفط والغاز دون قيود، الامر الذي سيوفر لشركات بلاده فرص تصدير واستيراد ضخمة ربما تؤدي الى مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي يقدر حاليا بثلاثين مليار دولار سنويا بمقدار الضعفين ان لم يكن اكثر، في سنوات معدودة.

ولا يعيب الرئيس اردوغان ان يكون “تاجرا” يريد فتح الاسواق لشركات بلاده، فمثل هذه “البراغماتية” هي التي ادت الى اعادة انتخابه وحزبه ثلاث مرات، وجعلت من تركيا الدولة الـ17 كأقوى اقتصاد في العالم، وكان لافتا اصطحابه في جميع زياراته الرسمية لوفد من رجال الاعمال يزيد تعداده عن مئة شخص الى جانب الوزراء المتخصصين في الاقتصاد والتجارة الخارجية.

الرئيس التركي يدرك جيدا ان التقارب الامريكي الايراني سيكون على حساب بلاده واقتصادها، مثلما يدرك ايضا ان الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها كحليف، ولذلك اتبع السياسة البريطانية التي تقول “اذا لم تستطع هزيمتهم انضم اليهم”.

وهذا ما فعله بالذهاب الى ايران بنفسه، ولم لا؟ الم يذهب اليها الامريكيون بعد 36 عاما من العداء وقرع طبول الحرب؟

واذا كان الجانب الاقتصادي في زيارة الرئيس اردوغان لطهران يبدو متفق على معظم فصوله، فان الجانب السياسي يظل حقل الغام شديدة الانفجار، فكيف سيتم تناول ملفات شائكة مثل الملفات العراقية والسورية واخيرا الملف اليمني الاكثر سخونة حاليا؟

الرئيس اردوغان يقف امام عدة خيارات صعبة في الوقت الراهن تجاه هذه الملفات:

الخيار الاول: ان يتجاوب مع اليد السعودية الممدودة اليه والدخول في “التحالف السني” في مواجهة “التحالف الشيعي” الايراني، والتصدي لما وصفه هو نفسه بـ”الهيمنة” الايرانية، خاصة ان هناك توجها سعوديا بعدم “التعويل” على مصر كعضو اصيل في هذا التحالف الامر الذي سيحل “عقدة” الخلاف التركي المصري التي وقفت في طريقه، ولكن هذا الخيار محفوف بالمخاطر، وربما يتطور الى خوض حروب مع ايران تنعكس سلبا مع الوحدة الوطنية الديمغرافية التركية ذات النسيج الطائفي الهش.

الخيار الثاني: ان يسير الرئيس اردوغان على خطى الرئيس الباكستاني نواز شريف الذي زاره قبل ثلاثة ايام في انقرة لمعرفة موقفه تجاه “الحلف السني”، وينأى بنفسه عسكريا وايديولوجيا عن سياسة المحاور الطائفية التي تطل برأسها بقوة في المنطقة.

الخيار الثالث: ان يستغل الرئيس اردوغان علاقاته “الطيبة” مع كل من ايران والسعودية ويقوم بدور “حمامة السلام” او “الوسيط” ويتقدم بمبادرات للحلول.

الزيارة المفاجئة التي قام بها الامير محمد بن نايف ولي ولي العهد والرجل القوي في المملكة العربية السعودية الى انقرة اليوم (الاثنين) وقبل اقل من 24 ساعة من اقلاع الرئيس اردوغان الى طهران، ربما تلعب دورا كبيرا في تحديد الخيار الذي سيختاره الرئيس التركي.

لا نعرف ماذا يحمل الامير محمد بن نايف في جعبته من عروض مغرية للرئيس التركي اقتصاديا وسياسيا، ولكن ما نعرفه ان المملكة العربية السعودية تخوض حربا شرسة في اليمن، ولا تستطيع حسمها بالضربات الجوية فقط، والتطورات العسكرية على الارض تؤكد تقدم التحالف “الحوثي الصالحي”، ولذلك هي بحاجة ماسة الى تركيا سواء كشريك في التحالف “العشري” ضد ايران لترجيح كفة خيارها العسكري، مثلما هي بحاجة ماسة ايضا الى “الوسيط” التركي اذا “تلكأت” انقرة في الانضمام الى هذا التحالف على غرار باكستان.

الامير محمد بن نايف سيحمل عروضا مالية واقتصادية ضخمة لتركيا لاغرائها بدخول التحالف، و”سلة” اقتراحات ربما تساعد في الوصول الى حل سياسي للازمة اليمنية لينقلها الى ايران.

الكرة الآن في ملعب الرئيس اردوغان، وايا كان خياره الاخير، فانه سيكون بالغ التأثير على هوية المنطقة، وطبيعة الصراع فيها، والحلول الممكنة لملفاتها الساخنة جدا، فالرئيس اردوغان بات مثل العروس الجميلة التي يقف على بابها العديد من الخطاب طلبا ليدها وان لم يكن ودها، وما علينا الا متابعة هذه الزيارة بدقة وخاصة اللقاء المنتظر بين الرئيس التركي والسيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية، وصانع القرار الرئيسي في ايران.

عن الكاتب

عبد الباري عطوان

رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس