ترك برس

رغم الأزمة الاقتصادية، والملفات الخارجية الساخنة التي تعاني منها البلاد، والتي يعد الغرب لاعبا أساسيا في صنعها وإثارتها وتحريكها، بدأت قوى الظلام في إثارة ملف من أخطر الملفات، وأكثرها صعوبة، وهو ملف المثلية الجنسية، بهدف إخضاع الدولة التركية، وإحكام السيطرة عليها، وإفشاء الرذيلة وإشاعة الفاحشة بين الأجيال الجديدة.

ضمن مخططات مواجهة تزايد ظاهرة العودة إلى ثوابت الدين الإسلامي، التي أصبحت ملحوظة خاصة بين أبناء الطبقة المتوسطة، الركيزة الأساسية للمجتمع، إذ تحرص هذه الأسر على تحفيظ الصغار القرآن الكريم، وتعليمهم التفسير والفقه والسيرة النبوية وعلوم الحديث، وذلك بهدف تحصينهم ضد محاولات نشر الشذوذ والمثلية التي تسعى إليها منظمات مدنية محسوبة على المجتمع الدولي، إذ أعلن القائمون على وقف الديانة تخريج مليون وأربعمائة وعشرين طالب وطالبة من حفظة القرآن عام 2020، ليرتفع العدد إلى ثلاثة ملايين وثمنمائة وأربعة وعشرين طالبا وطالبة عام 2021، أما في العام الماضي فقد بلغ عدد حفظة القرآن من الجنسين في مختلف أنحاء تركيا أربعة ملايين وأربعمائة وأربعة وثلاثين.

الحرب الدائرة بين الحكومة التركية ورؤوس المثلية العالمية، المعروفة باسم مجتمع الميم، بدأت منذ فترة ليست بالقليلة، إلا أنها ازدادت ضراوة مؤخرا، في أعقاب إنتهاء المعركة الانتخابية بفوز حزب العدالة والتنمية بالسلطة واستمراره في الحكم للسنوات الخمس المقبلة، الأمر الذي يبدو أنه قد قضى على أحلام هؤلاء في التمدد بكل حرية داخل المجتمع التركي، واستهداف شريحة الشباب تحديدا لتقويض دعائم النظام الأسري، وإنهاء سطوة العائلة، لإفساح المجال أمام تفشي العهر والخلاعة والشذوذ بين طبقات المجتمع..

وذلك على خلفية الوعود التي قطعها لهم حزب الشعب الجمهوري المعارض، قبل وأثناء حملته الانتخابية، حتى أن بعض قياداته أبدت تقبلها للاعتراف بهذه الفئة ضمن مكونات وشرائح المجتمع، إذ لا يرون غضاضة في الاعتراف بهم، وإطلاق يدهم في المجتمع ليعيثوا فيه فسادا وهدما لقيمه الأخلاقية وثوابته الدينية، إلا أنه أشاروا إلى أن إقرار مثل هذا الأمر يتطلب المزيد من الوقت حتى يكون الشارع مستعدا بما يكفي لتقبل هذا الوضع وإدماج هؤلاء الشواذ ضمن مكوناته.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن حزب الشعب الجمهوري كان قد أعلن من قبل في تقرير أعده لمناقشة مشكلة العنف ضد المرأة في المجتمع التركي، عن رغبته في القيام بإصلاحات يمكن من خلالها الحد من التمييز الجنسي الاجتماعي، وعن نيته عمل دورات للتوعية فيما يخص مسألتي التمييز الجنسي الاجتماعي والبيولوجي، وشمل التقرير جزءا حول ما أطلق عليه اسم ” مطالب المثليين”، داعيا النقابات المهنية المعنية وعلى رأسها نقابة المحامين والمنظمات النسائية للتعاون من أجل تشكيل هيئات تكون مهمتها العمل على إقرار المساوة بين الجنسين في البلديات الخاضعة للحزب مطالبا الحكومة باتخاذ خطوات عملية لتقليص التمييز الجنسي الاجتماعي والبيولوجي، وإنهاء العنف الأسري والجسدي والنفسي الذي يعاني منه هؤلاء.

وفي مواجهة هذه السلوكيات الشاذة، قامت الحكومة التركية باتخاذ العديد من الخطوات، التي تمنع وجود هؤلاء المثليين في المجتمع التركي، وتجرم أفعالهم، وتضعهم تحت طائلة القانون، إذ قررت الانسحاب من معاهدة مجلس أوربا لحماية النساء من العنف، والتي تعرف باتفاقية إسطنبول، وهي الاتفاقية التي وقعت عليها تركيا في عام 2011، ثم قررت الانسحاب منها في عام 2021 بسبب ما اعتبرته تلاعبا من بعض الأطراف الغربية لإقرار المثلية الجنسية، الأمر الذي يتنافى مع القيم الأخلاقية للمجتمع التركي.

ومع تصاعد الاحتجاجات، وزيادة حدة التجمعات النسائية الغاضبة، وتبني الإعلام الغربي موقفا مناوئا لقرار الحكومة التركية، كشفت بعض الشخصيات المقربة من دوائر صنع القرار في أنقرة آنذاك عن البند الذي تسبب في قرار الانسحاب من المعاهدة، والذي يقنن بوضوح الشذوذ الجنسي، حيث جاء فيه…” يجب تفعيل بنود هذه الاتفاقية من قبل الأطراف الموقعة، والهادفة إلى حماية حقوق الضحايا، دون تمييز ، خاصة التمييز القائم على الجنس والنوع أو العرق، أو اللغة أو الدين أو المواقف السياسية…. أو الميول الجنسية أو الهوية الجنسانية..”، الأمر الذي يعد مخالفة واضحة وصريحة لتعاليم الدين الإسلامي الذي يدين به غالبية الشعب، ويخالف الموروثات الأخلاقية للمجتمع.

كما قامت اللجنة الدستورية في البرلمان التركي بداية العام الجاري بالتقدم بمشروع قانون لإجراء تعديل دستوري على المادة 41 من الدستور، التي تحمل عنوان ” حماية حقوق الأسرة والطفل” حيث تم تغييرها إلى ” حماية الأسرة والاقتران بالزواج وحقوق الطفل” وهذا بهدف منع زواج المثليين، والحفاظ على كيان الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، كما حرص القانونيون الذين أشرفوا على إجراء هذا التعديل على إعادة تعريف الزواج وتحديده بأنه ” لا يمكن قيامه والاعتراف به من جانب الدولة إلا بالزواج بين رجل وامرأة.

ورغم هذه الإجراءات القانونية، والتصريحات المحذرة من إفساح المجال لهؤلاء الشواذ بنشر سمومهم في المجتمع، إلا أن هذه الإجراءات لم تردع هؤلاء ومن يقفون خلفهم، إذ مع كل مواجهة من جانب الدولة تتزايد محاولاتهم الرامية إلى الخروج في تظاهرات ومسيرات في المدن التركية الكبرى كإسطنبول وأنقرة وإزمير، إلى جانب ظهور بعض المظاهر الشاذة في الميادين الهامة، وأمام المراكز التجارية الكبرى، كما يتم توسيع نطاق المواجهات الدائرة بين المنتمين لهذا التيار الشاذ وقوى الأمن، في تحد واضح لسلطة الدولة التركية، وكأن المقصود من هذه المواجهات التي بدأت تأخذ طابعا شبه يومي، أن تكون بكل تفاصيلها معروضة على الملأ، كبارا وصغارا، حتى تصبح رؤيتهم بأشكالهم وملابسهم وحركاتهم الغربية أمرا مألوفا لا يثير غضب المواطنين الأتراك أو حفيظتهم، فالآلة الإعلامية تتناول أخبار المواجهات التي تتم بينهم وبين الشرطة، وتتداولها بشكل مستمر تماشيا مع توجهات الإعلام الغربي، الذي يتعمد إفراد  مساحات كبيرة لها، ويوليها اهتماما زائدا، على أمل أن تحقق هذه السياسة الهدف منها، وهو اختراق التحصينات الدينية والأخلاقية للمجتمع من خلال هذا السلوك.

فهل تنجح تركيا في هذه المعركة الأخلاقية مثلما سبق وأن حققت نجاحات مشرفة في المعارك السياسية والاقتصادية التي هدفت إلى إخضاعها وتركيعها!!


**مقال تحليلي للكاتبة والصحفية المصرية صالحة علام، نشره موقع "الجزيرة مباشر"

عن الكاتب

صالحة علام

كاتبة وصحفية مصرية مقيمة في تركيا


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!