عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

إعلان الرئيس الأمريكي ترامب أن بلاده “باتت قريبة جدًا” من التوصل إلى اتفاق مع إيران يدفع المحافظين الجدد إلى الجنون. فقد كتب جون بولتون، أحد المحافظين الجدد المخضرمين، في منشور على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد، أن تفاصيل الخطة المتعلقة بالاتفاق، كما انعكست في وسائل الإعلام الأمريكية، تبدو وكأنها تصب في مصلحة إيران. وقال بولتون: “إذا كانت الأخبار المتعلقة بالاتفاق مع إيران صحيحة، فإن آيات الله سيكونون قد حققوا انتصارًا كبيرًا”.

وكان بولتون، الذي شغل لفترة منصب مستشار الأمن القومي خلال الولاية الأولى لترامب، قد طرده ترامب نفسه لاحقًا من البيت الأبيض. بل إن ترامب قال عنه في تصريح لاحق: “لو كنت استمعت إليه، لكنا الآن في الحرب العالمية الخامسة أو السادسة”.

أما “السلام عبر الاتفاق” فلا وجود له في كتاب المحافظين الجدد. فهؤلاء لا يؤمنون إلا بالقوة الغاشمة. ووفقًا لذلك، فإن الولايات المتحدة تُملي، والطرف المقابل يخضع. وقبل 2500 عام، قامت أثينا الإمبريالية بالقضاء على سكان جزيرة ميلوس الصغيرة، رغم أنها لم تكن تشكل أي تهديد لها.

وكان الأثينيون، الذين طالبوا سكان ميلوس بالخضوع غير المشروط، قد استخدموا عبارة مفادها: “الأقوياء يفعلون ما تفرضه قوتهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله”. وقد دخلت تلك المفاوضات المزعومة بين أثينا وميلوس إلى المصادر الحديثة تحت اسم “الحوار الميلي”.

وهذا الحوار الوارد في كتاب الجنرال الأثيني القديم ثوسيديديس يُعد أحد النصوص المقدسة لدى المحافظين الجدد الأمريكيين. فقد وصف إيرفينغ كريستول، المعروف بأنه الأب الروحي للمحافظين الجدد، في مقال له عام 2003، تاريخ ثوسيديديس بأنه “النص النيكوني المفضل”. ولنذكّر بأن المقال نُشر بعد بضعة أشهر فقط من الغزو الأمريكي للعراق.

أما أكثر شخصيات المحافظين الجدد ظلامًا، اليهودي الأمريكي مايكل ليدين، فقد قال في خطاب ألقاه مطلع التسعينيات: “كل نحو عشر سنوات، ينبغي للولايات المتحدة أن تختار دولة صغيرة وغير مهمة وتضربها بالحائط، لكي تُظهر للعالم أننا جادون”. وفي عام 2002، لخّص الكاتب المحافظ الجديد جوناه غولدبرغ آراء ليدين أثناء دفاعه عن ضرورة مهاجمة العراق، تحت اسم “عقيدة ليدين”. وتُعتبر التدخلات الأمريكية، وعلى رأسها في أفغانستان والعراق وفنزويلا، تطبيقات لهذه العقيدة المشؤومة.

وبحسب ليدين، الذي كان في قلب العديد من المؤامرات خلال فترة “الحرب الباردة”، فإن الشيء الوحيد المهم ليس حجم الخسائر، بل عدم خسارة الحرب. أما المحافظون الجدد الحاليون، فهم أيضًا لا يريدون اتفاقًا، بل استمرار الحرب. كما أن الصقور الجمهوريين منزعجون من خطة ترامب للاتفاق. فهؤلاء الصقور، الذين لعبوا دورًا في دفع ترامب إلى شن حرب على إيران بالتعاون مع إسرائيل، يعارضون الآن بشدة أي اتفاق لا يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.

وكان رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر، الذي يرى أن وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا سيكون كارثة، قد كتب على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي: “ستذهب كل المكاسب التي حققتها عملية الغضب الملحمي سدى”. أما السيناتور ليندسي غراهام، فيرى أن تنفيذ خطة الاتفاق سيغير ميزان القوى في المنطقة لصالح إيران وعلى حساب إسرائيل. وقال غراهام: “إذا كانت هذه التصورات صحيحة، فإن سبب اندلاع الحرب يصبح موضع تساؤل أيضًا”. ووفقًا للمنشورات الصهيونية، فإن السيناتور غراهام يعكس مخاوف إسرائيل.

لكن غراهام، في تصريح أدلى به يوم الأحد، أغدق المديح على خطة ترامب، مؤكدًا ضرورة توقيع الدول العربية في المنطقة على “اتفاقيات أبراهام” مع إسرائيل. كما حذر من أن عدم القيام بذلك سيكون “خطأً حسابيًا فادحًا”. أما السيناتور تيد كروز، فقد أعرب بدوره عن قلقه العميق إزاء الأخبار المتعلقة بالاتفاق.

ومن جانبه، قال مايك بومبيو، الذي شغل منصب وزير الدفاع خلال الولاية الأولى لترامب، بشأن الخطة المتعلقة بإيران: “لا علاقة لها إطلاقًا بمبدأ أمريكا أولًا. الأمر واضح تمامًا: افتحوا ذلك المضيق اللعين. امنعوا إيران من الوصول إلى الأموال. اقضوا على قدرات إيران بحيث لا تتمكن من تهديد حلفائنا في المنطقة. كان يجب فعل ذلك منذ زمن. هيا لنبدأ”. وأضاف بومبيو أن خطة ترامب تبدو وكأنها خرجت من كتاب لعب مهندسي الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد أوباما.

أما مدير الاتصالات في البيت الأبيض، ستيفن تشيونغ، فقال في منشور له بتاريخ 24 مايو: “مايك بومبيو لا يعرف إطلاقًا عمّا يتحدث. عليه أن يغلق فمه الأحمق ويترك العمل الحقيقي للمحترفين. إنه لم يفهم أبدًا حقيقة ما يجري، فكيف له أن يعرف؟”. كما دعا ترامب في تصريح له إلى عدم الإصغاء لأولئك الذين يطلقون التصريحات العبثية ضد خطة الاتفاق.

فهل ستكون هناك دولة أخرى مستهدفة لتهدئة المحافظين الجدد الذين لا يستطيعون العيش دون حروب؟ إن كوبا، التي تعيش منذ فترة طويلة تحت الحصار الأمريكي، أصبحت منذ مدة أيضًا تحت مجهر ترامب. وبعد أن تبيّن أن إيران ليست فنزويلا، فهل ستكون كوبا هي الدولة الجديدة التي ستُضرب بالحائط؟

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس