فرمان كاراتشام - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس

لقد أضعف مفهوم الحضارة السائد في عصرنا الحالي، وقلب رأسًا على عقب، العلاقات بين الإنسان والإنسان، والإنسان والطبيعة، والإنسان والمعرفة، والإنسان والكون، والإنسان والأشياء، والإنسان والعدالة.

وقد أدت شبكة العلاقات التي قلبتها الحضارة الغربية الوضعية رأسًا على عقب إلى تغييرات وتحولات كبيرة في أعماق الحياة الاجتماعية.

وحدث أكبر تغيير في مجالين.

أحدهما القانون، والآخر المنصات الرقمية.

فقدت المؤسسات والمنظمات التي تأسست باسم العدالة، وبوعد تمثيل الضمير العالمي، فاعليتها بالكامل.

لأن الأقوياء وجهوا الأسلحة التي في أيديهم نحو المظلومين ومن لا سند لهم.

وأدت هذه الأسلحة، أمام أنظار الجميع، إلى دمار هائل، ثم بدأت تظهر مشاهد المهاجرين الذين تركوا منازلهم وأوطانهم وبيوتهم لإنقاذ حياتهم، وجثث الأطفال التي جرفتها الأمواج إلى شواطئ البحار.

وشكلت هذه المشاهد التي جرحت الروح الإنسانية أساسًا لفتح صفحة جديدة.

ففي الوقت الذي كان فيه يُسمع قلق النخب وهي ترتشف الويسكي في شرفاتها المرتفعة المطلة على البحر، خرجت في الجانب الآخر حشود كبيرة إلى الميادين، متعانقة لتخفف عن أرواحها وضمائرها الجريحة.

وكانت صرخة الضمائر الجريحة الصاعدة من الميادين تنبئ بأن الظلمات التي غطت العالم بعد العهد العثماني ستتبدد حتمًا قريبًا.

ولا شك أن المسلمين، من خلال وحدتهم وتضامنهم، سيبددون هذه الظلمة التي فرضتها الحضارة الغربية الوضعية والمادية على كوكبنا، وسيهدون البشرية من جديد نورًا جديدًا تمامًا.

لأن الحضارة الغربية جلبت للبشرية، بدلًا من السلام، الأزمات والفوضى والدماء والدموع.

بل إن هذه الحضارة جعلت حتى أبناءها يعيشون القلق والتعاسة.

إلى درجة أنه "لم يعد من الممكن حتى الحديث عن إخضاع العقل، للعلم الذي أنتجه بنفسه، لمقاربة نقدية مستقلة تجاهه".

ولهذا السبب، شكلت ثلاث دول من الشرق والشرق الأوسط وآسيا، في مواجهة هذه الحضارة الغربية المتآكلة، تكتلًا وفق مفهوم جديد تمامًا.

ونتيجة لهذا التحرك التاريخي الصاعد من الشرق؛ فإن هذا التعاون الذي وضعت تركيا والسعودية وباكستان أسسه في مكان مبارك ومقدس مثل مكة، يوم الجمعة 17 أغسطس/آب 2025، سيتطور ويتوسع، إن شاء الله، بانضمام أطراف أخرى.

الردع سيحتاج إلى مصادر تمويل جديدة وكبيرة جدًا

من ناحية أخرى، يواصل العلم تقدمه، بينما يبطئ هيمنة العقل بلا هوادة داخل متاهاته: مثل شبكات الجيل الجديد اللاسلكية، كشبكات الجيل السادس (6G) والاتصالات القائمة على الضوء، التي ترفع سرعة نقل البيانات إلى مستويات التيرابت في الثانية.

وأنظمة ذكية قادرة على التفكير مثل الإنسان، والتحدث مثل الإنسان، والتحرك مثل الإنسان، وأداء وظائف في جميع المجالات، وتُعرف أيضًا باسم الذكاء الاصطناعي العام.

وأنظمة تخزين حاسوبية توفر مساحات هائلة من خلال تخزين البيانات في جزيئات الحمض النووي (DNA).

وحواسيب كمومية تتمتع بالقدرة على حل مشكلات معقدة قد تستغرق أجهزة الكمبيوتر العادية آلاف السنين لحلها، وذلك في غضون ثوانٍ.

ورقائق عصبية الشكل تحاكي بنية دماغ الإنسان، وتحافظ على وظائفها الحيوية باستهلاك قدر قليل من الطاقة.

وتقنيات واجهات الصور الافتراضية ثلاثية الأبعاد الهولوغرافية التي تلغي الحاجة إلى الشاشات.

كل هذه التطورات الرقمية وغيرها الكثير، من جهة، تغير حسابات الجيوش التقليدية بالكامل، ومن جهة أخرى، أوجدت حاجة جديدة وكبيرة جدًا إلى التمويل.

فالردع سيغير شكله بالكامل، ويحتاج إلى أدوات جديدة ومصادر تمويل ضخمة جدًا.

ولهذا السبب، فإن تركيا التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة قوة إقليمية في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاستخبارات والقوة الاقتصادية، وخاصة الصناعات الدفاعية، تريد الآن أن تصبح قوة عالمية جديدة.

وقد دفعت هذه الرغبة تركيا، بحكم مسؤوليتها التاريخية، إلى التوجه نحو مراكز قوة جغرافية أكثر استراتيجية ومصادر تمويل في مناطق مثل البلقان والشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.

ومن الطبيعي النظر إلى الاتفاق المبرم مع باكستان والسعودية في هذا السياق.

غزة أيقظت الجماهير باعتبارها نصبًا تذكاريًا للمقاومة

في العام الماضي، هاجمت إسرائيل، الدولة العصابية التي ترتكب الإبادة الجماعية، قطر من دون سبب.

وخلال الهجوم الذي استهدف العاصمة القطرية الدوحة يوم الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، كان وفد حركة حماس مجتمعًا.

وكانت الولايات المتحدة قد طلبت عقد هذا الاجتماع.

وكان وفد حماس موجودًا في الدوحة لمناقشة شروط وقف إطلاق النار التي قدمتها الولايات المتحدة.

وفي الهجوم الذي استشهد فيه خمسة أشخاص من وفد حماس، إضافة إلى أحد أفراد الأمن القطري، نجا كبار مسؤولي حماس بفضل تحذير الاستخبارات التركية لهم: "اتركوا هواتفكم على الطاولة وغادروا المكان الذي أنتم فيه بسرعة".

وكان هذا الهجوم تحذيرًا بالغ الأهمية للإنسانية، ولا سيما بالنسبة إلى "العالم الإسلامي".

وكانت الأحداث التي وقعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل حتى ذلك اليوم تكشف عن ثغرة واضحة: فإما أن الدولة الإرهابية إسرائيل لا تستمع إلى الولايات المتحدة، أو أنها تتحرك مع الولايات المتحدة ضد المسلمين.

وفي كلتا الحالتين، كان الحدث يحمل تحذيرًا للأطراف الثالثة.

وبعد نحو عشرة أيام من هذا الحدث، التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يوم الخميس 18 سبتمبر/أيلول 2025 في العاصمة السعودية الرياض.

وأسفر هذا اللقاء عن اتفاق.

ووقعت الدولتان "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك".

بدلًا من الخاتمة، دعونا نؤكد أيضًا على ما يلي

يمكن تلخيص ضرورة هذا الاتفاق في عدة نقاط.

أولًا: تعرض جماهير كبيرة على مستوى العالم، من المظلومين والمتضررين ومن يكافحون لتأمين قوتهم في بلدانهم، لممارسات جائرة وغير قانونية من جانب الحضارة الغربية.

وعجز المؤسسات الدولية المتآكلة والمنهارة عن أداء وظائفها.

ثانيًا: إن الاتجاه المتزايد نحو استخدام، أو الاستعداد لاستخدام، التقنيات الرقمية والسيبرانية بدلًا من القوة التقليدية في صناعات الدفاع والحرب، يستلزم وجود موارد بشرية مدربة في هذه المجالات، وقوة مالية، وشعوب شابة، ونفوذ في المناطق الاستراتيجية، فضلًا عن التآزر الناجم عن التعاون.

ثالثًا: تعرضت جماهير كبيرة تتشارك القيم نفسها مع هذه الدول الثلاث من الناحيتين الدينية والثقافية، للعنف على المستويين الإقليمي والعالمي منذ سنوات طويلة.

ويتمثل الهدف من هذا العنف، بدرجة كبيرة، في زج الفقراء المنحدرين من الشرق والشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا في الإرهاب مقابل المال، واستخدامهم كأدوات للوصاية، وإقحامهم في أنشطة إرهابية واسعة داخل بلدانهم.

وخلاصة القول؛ لقد قلنا إن الحضارة الغربية آخذة في الانهيار تدريجيًا، وإن مؤسساتها لم تعد تعمل.

ولنضف أيضًا ملاحظة مهمة جدًا: إن سبب انهيار الحضارة الغربية هو ابتعادها عن الأخلاق والروحانيات والرحمة، وبشكل متزايد عن القيم الإيمانية، واعتمادها بالكامل على "العقل والعلم"، وتمردها على الطبيعة.

ويجب ألا تقتصر الشراكة الجديدة التي وُضعت أسسها على الجوانب الاقتصادية والمعرفية والمادية والدفاعية والرقمية.

بل يجب، إلى جانب ذلك، اعتبار "الثقافة والأخلاق والروحانيات" شرطًا أساسيًا يحظى بالأولوية الأولى.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!