
ترك برس
في قلب مرمرة التركية، حيث تتجاور المدن العريقة مع البحيرات والجبال والسواحل، تتشكل صورة مختلفة للسياحة تقوم على الهدوء، والحفاظ على التراث، والاستمتاع بالطبيعة بعيدا عن صخب المدن الكبرى. وتبرز في هذا المشهد ثلاث وجهات هي فيزه وإزنيق وشَرْكوي، التي تجمع بين إرث حضاري يمتد لآلاف السنين وطبيعة تمنح زائرها فرصة لاكتشاف تركيا من زاوية أكثر هدوءا وأصالة.
وتنتمي هذه المدن إلى شبكة "Cittaslow" (المدن البطيئة)، وهي مبادرة دولية تشجع المدن الصغيرة على الحفاظ على هويتها المحلية، وحماية البيئة، ودعم المنتجات والثقافة المحلية، وتوفير نمط حياة أكثر هدوءا واستدامة. وفي منطقة مرمرة، تبدو هذه الفلسفة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، من المعالم التاريخية والأسواق التقليدية إلى الشواطئ والبحيرات والحقول الممتدة.
فيزه.. مدينة بين إسطنبول وأدرنة
تقع فيزه بولاية قرقلر إيلي في الجزء الأوروبي من تركيا، بين مدينتي إسطنبول وأدرنة، وتمتد جغرافيا بين ساحل البحر الأسود وجبال إسترنجه. وقد منحها هذا الموقع أهمية تاريخية وجغرافية، فيما تركت الحضارات التي تعاقبت عليها إرثا غنيا من المعالم والقصص.
وتعود جذور الاستيطان في المنطقة إلى عصور قديمة جدا، إذ تشير المعطيات التاريخية إلى وجود بشري فيها منذ زمن التراقيين، فيما يمتد تاريخ المنطقة إلى نحو 4 آلاف عام قبل الميلاد. وفي العهد البيزنطي، تحولت فيزه إلى مركز إداري وثقافي مهم، قبل أن تدخل لاحقا ضمن المجال العثماني.
ومن أبرز معالم المدينة مسجد غازي سليمان باشا، المعروف أيضا باسم "آيا صوفيا الصغيرة"، وهو مبنى ديني يعود أصله إلى الحقبة البيزنطية. وشُيدت الكنيسة في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، على موقع معبد كان مكرسا للإله أبولو، وتتميز ببعض الخصائص المعمارية النادرة في العمارة البيزنطية.
ومع العهد العثماني، جرى تحويل المبنى إلى مسجد وحمل اسم سليمان باشا، فيما لا تزال بعض الزخارف التي أضيفت خلال الفترة العثمانية محفوظة فيه. ويمنح هذا المعلم فيزه خصوصية كبيرة، إذ تختصر جدرانه طبقات متعاقبة من تاريخ المنطقة وتحولاتها الدينية والسياسية والثقافية.
إزنيق.. على ضفاف البحيرة وذاكرة الإمبراطوريات
أما إزنيق، المعروفة في العصور القديمة باسم نيقية، فتقع على ضفاف بحيرة إزنيق في ولاية بورصة، ضمن منطقة مرمرة التي تحتضن إسطنبول أيضا. وتعد المدينة واحدة من أبرز الوجهات التاريخية في المنطقة، ليس فقط لما تضمه من آثار، وإنما لمكانتها في التاريخ الديني والسياسي للإمبراطوريات التي تعاقبت على الأناضول.
وخلال العهد البيزنطي، أصبحت إزنيق مركزا دينيا مهما، واستضافت اثنين من المجامع المسكونية، كما ارتبط اسمها بمجمع نيقية وبالتطورات الكبرى التي شهدتها المسيحية في تلك الحقبة. وتحتفظ المدينة حتى اليوم بالعديد من آثار ماضيها العريق، ما يجعل التجول فيها أشبه برحلة عبر طبقات متعاقبة من التاريخ.
ولا تقتصر جاذبية إزنيق على آثارها، فهي تشتهر كذلك بصناعة الفخار والخزف والبلاط اليدوي، الذي أصبح جزءا من هويتها الثقافية والحرفية. وتلتقي هذه الحرف التقليدية مع طبيعة المنطقة الهادئة، حيث توفر بحيرة إزنيق والمناطق المحيطة بها أجواء مناسبة للراغبين في قضاء وقت بعيد عن ازدحام الوجهات السياحية التقليدية.
وفي عام 2021، انضمت إزنيق إلى شبكة المدن البطيئة "Cittaslow"، في اعتراف بنمط الحياة الهادئ الذي تتميز به، وبجهود الحفاظ على بيئتها وتراثها التاريخي والثقافي. ويبدو هذا الانتماء منسجما مع طبيعة المدينة التي تجمع بين إرث تاريخي غني ومساحات طبيعية تمنح الزائر فرصة للاستمتاع بالهدوء واستكشاف تفاصيل الحياة المحلية.
شَرْكوي.. حيث تلتقي كروم العنب بزرقة مرمرة
وعلى ساحل مرمرة، تبرز شَرْكوي بوصفها واحدة من الوجهات التي تجمع بين البحر والتاريخ والطبيعة في مشهد واحد. وعرفت المدينة في العصور القديمة باسم تريستاتيس، بينما تطور اسمها الحالي عبر العصور من تسمية "شهير كوي" خلال الفترة العثمانية.
وتحمل شَرْكوي آثار حضارات متعاقبة يعود بعضها إلى العصر الحجري الحديث، ما يجعلها أشبه بفسيفساء ثقافية مفتوحة على تاريخ طويل. وفيها تتجاور المواقع الأثرية القديمة والكنائس التاريخية والأزقة المرصوفة بالحجارة والمنازل الخشبية العتيقة، لتمنح الزائر فرصة لاكتشاف ملامح مختلفة من الماضي في أثناء التجول في أحيائها.
وتتضاعف جاذبية المدينة بفضل طبيعتها، حيث يلتقي البحر ببساتين الزيتون، فيما تمتد كروم العنب على سفوح الجبال. وتشتهر شَرْكوي بشواطئها الحاصلة على العلم الأزرق ومياهها الصافية، الأمر الذي جعلها إحدى الوجهات الساحلية البارزة في منطقة مرمرة.
ولا تقتصر الأنشطة فيها على الاسترخاء على الشاطئ، إذ توفر المنطقة خيارات لمحبي المغامرة، من بينها ركوب الأمواج شراعيا والطيران الشراعي والرحلات البرية بسيارات الدفع الرباعي. كما يستطيع الزائر اكتشاف الطبيعة من خلال رحلات التصوير، قبل أن يختتم يومه في الميناء لمشاهدة غروب الشمس فوق مياه مرمرة.
وتكتمل صورة شَرْكوي بمطبخها المحلي، حيث تمتزج النكهات التقليدية مع ملامح حديثة من ثقافة الطعام، في تجربة تضيف بعدا آخر إلى الرحلة. وبين البحر وكروم العنب والأحياء التاريخية، تقدم المدينة نموذجا للسياحة التي لا تقوم على كثرة المعالم فحسب، بل على الإحساس بالمكان واكتشاف إيقاع الحياة فيه.
مرمرة.. سياحة تقوم على الهدوء واكتشاف التفاصيل
وتكشف فيزه وإزنيق وشَرْكوي، كل واحدة بطريقتها الخاصة، عن وجه من وجوه تركيا بعيدا عن الصورة التقليدية للمدن الكبرى والمقاصد السياحية المزدحمة. ففي فيزه يحضر التاريخ البيزنطي والعثماني، وفي إزنيق تتقاطع ذاكرة الإمبراطوريات مع الحرف التقليدية وبحيرة هادئة، بينما تمنح شَرْكوي زائرها مزيجا من البحر وكروم العنب والموروث الثقافي.
وهكذا تبدو "Cittaslow Marmara" أكثر من مجرد قائمة بمدن هادئة؛ إنها دعوة إلى اكتشاف مرمرة بوتيرة مختلفة، حيث يصبح السير في الأزقة القديمة، والجلوس إلى جانب بحيرة، ومراقبة غروب الشمس، وتذوق المنتجات المحلية، جزءا من تجربة السفر نفسها.
وفي هذه المدن، لا يحتاج الزائر إلى مطاردة الوقت كي يستمتع برحلته؛ فربما تكمن جاذبيتها الحقيقية في أن تتيح له التوقف قليلا، والتأمل، والاقتراب من الطبيعة والتاريخ والحياة المحلية، ليكتشف أن بعض أجمل الرحلات هي تلك التي تمنح الإنسان فرصة للعيش في المكان بدلا من المرور به فقط.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











