
ترك برس
في مقال نشره موقع «إندبندنت تركية»، يحلل غورسل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، المشهد الإقليمي بعد نحو سبعة أشهر من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. ويرى الكاتب أن الحرب فقدت زخمها مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر 2026، لكن هذا ليس سلاماً بل «تقويماً». ويشير إلى ادعاء الرئيس دونالد ترامب من على منبر الجمعية العامة بأن طهران تماطل في الاتفاق حتى ترى نتيجة الانتخابات، معتبراً ذلك القراءة الرسمية لواشنطن. أما من الجانب الآخر فيُستغل النافذة نفسها لمداواة الجراح وإعادة تموضع العناصر الوكيلة وإدارة الضائقة الاقتصادية. ويؤكد توكماك أوغلو أن الحرب لم تتوقف، بل انتقلت من بحث كلاسيكي عن النصر إلى مرحلة «تغيير الوضع».
يوضح الكاتب أن عقدتين لم تُحلا بعد: الوضع الفعلي لمضيق هرمز ومصير المادة النووية. فقد أُقيمت طاولة ووُقع مذكرة ثم انهارت. إطار الـ14 بنداً في يونيو فتح نافذة تفاوض مدتها 60 يوماً، لكنه أرجأ فتح هرمز ورفع الحصار وربط العقوبات بجدول زمني وتصريف مخزون اليورانيوم المخصب. وأُغلقت النافذة وعادت الحصار والضربات المحدودة. وما زال على الطاولة المسألتان نفسهما. ويربط توكماك أوغلو معضلة ترامب «الاتفاق أو التدمير» بهاتين العقدتين، بينما تحافظ إيران على خط «التفاوض دون قبول لغة القوة». ويشير إلى أن ما يُقال على المنابر لم يلغِ الاتصالات غير المباشرة في الكواليس، مستشهداً بلقاء خط ويتكوف-كوشنر مع وفد عراقجي في نيويورك كدليل على وجود تواصل بلا حل.
ويؤكد الكاتب أن الحرب الاقتصادية لا تتوقف. فالحصار الأمريكي والعقوبات وحملة «الإقصاء الاقتصادي» مستمرة، والاقتصاد الإيراني ينكمش والريال عند مستويات تاريخية منخفضة والتضخم مرتفع، بينما يتزايد التوتر الداخلي بسبب نقص الوقود والعملة. وتشير توقعات صندوق النقد إلى ركود عميق. ومع ذلك، يقول توكماك أوغلو إن رسالة طهران للعالم طبيعية: «لم نُدمر، حمينا الوطن، هزمنا أمريكا». وهذا الخطاب ليس ادعاء نصر عسكري بل لغة دعاية لاستمرارية النظام. ويستشهد بتصريح بزشكيان في الأمم المتحدة «لم نركع» وعرضه صور مدرسة ميناب وخط «نحن ضحايا الإرهاب» كمحاولة لتقديم الضائقة الداخلية مقاومة خارجية. والواقع الاستراتيجي مختلف: إيران لم تنهر، لكن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية تتراكم دون أن تنتج بعد انكساراً للنظام.
أما التحول الجوهري فيراه الكاتب ليس في البر الإيراني بل في المحيط. ففي ظل انسداد جزئي لهرمز، انتقل ممر الطاقة والتجارة إلى محور البحر الأحمر-باب المندب-ينبع، مما وضع السعودية في المركز. وسيطر الحوثيون على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر والجزر الاستراتيجية، فأدخلوا الخليج والبحر الأحمر في دائرة تهديد واحدة. واستهدفت الهجمات منشآت الطاقة السعودية ومدن الجنوب وينبع وحتى المجال الجوي لمكة، فانتقل الموضوع من «حرب ضد إيران» إلى «معمار أمن الخليج». وبينما يتجه إسرائيل وأمريكا نحو التقويم الانتخابي، تضمد إيران جراحها وتنقل العنصر الوكيل الضغط إلى السعودية. وهنا لا تدافع الرياض عن نفسها فحسب، بل تتحمل مسؤولية تدفق النفط والغاز واستمرارية التجارة العالمية، وهو عبء تفرضه الجغرافيا لا الاختيار.
ويشير توكماك أوغلو إلى اتفاق مكة الموقع في 7 أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي ينص على أن «الهجوم على أحد هجوم على الجميع». ويعتبر تصعيد الحوثيين اختباراً لهذا البند، مشيراً إلى اجتماع وزراء الخارجية الثلاثة في كواليس الجمعية العامة وقرار عقد اجتماع طارئ لرؤساء الأركان كدليل على تسارع الاتفاق. ويوضح أن مكة لا تلغي المظلة الأمريكية، لكن في ظل انسداد هرمز وتحول البحر الأحمر إلى جبهة ثانية يصبح البحث المشترك عن الردع من العواصم الثلاث المعنية بممر الطاقة ذا معنى. ودور تركيا هنا ليس «شراكة حماسية» بل وضع قدراتها في المضائق وشرق المتوسط وصناعة الدفاع والوساطة الدبلوماسية على الطاولة نفسها. والاتفاق لم يتأسس بعد بشكل كامل، لكن الاختبار بدأ.
وفيما يخص الجمعية العامة، يرى الكاتب أنها لم تغير النتيجة. فالمنبر ينتج الشرعية والإدراك لا القرارات، والعمل الحقيقي جرى في اللقاءات الثنائية والمتعددة. وتحدث الجميع من المنبر لجمهوره الداخلي، بينما ناقشت الكواليس هرمز وجدول العقوبات وثمن وقف إطلاق النار. وهذه الثنائية، حسب توكماك أوغلو، هي المظهر الطبيعي لحرب الجيل الخامس. أما الصورة الأكثر دلالة فهي حضور الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن بدعوة من ترامب دون المشاركة في الجمعية العامة. الزيارة الرسمية لثلاثة أيام والمشاهد الودية ومأدبة الدولة وحضور رؤساء شركات التكنولوجيا والتمويل وتمديد الهدنة التجارية لشهرين فقط، كلها تظهر توتراً قابلاً للإدارة مربوطاً بالعرض. ويؤكد الكاتب أن ثقل الصين غير المباشر في خط هرمز وإيران يؤثر مباشرة على فعالية الحصار الاقتصادي الأمريكي على طهران، وأن وجود شي في البيت الأبيض لا في نيويورك يدل على أن المساومة الحقيقية في زمن عجز منظومة الأمم المتحدة عن إدارة الأزمات تجري بين الاقتصادين الأكبر.
ويخلص توكماك أوغلو إلى أن النتيجة لم تتغير لكن الوضع تغير. فما زالت مشكلتا هرمز والمادة النووية قائمتين. وأمريكا تريد تسعير الوقت قبل الانتخابات لمصلحتها، وإيران تستخدم الوقت نفسه لاستمرارية النظام ونقل الضغط عبر العناصر الوكيلة. وانتقل مركز الثقل في الخليج إلى السعودية والتهديد عبر الحوثيين إلى البحر الأحمر. واتفاق مكة دخل مسار أن يصبح الرد المؤسسي على هذا التحول. والمنبر الأممي سجل روايات الأطراف دون أن يعلن الحقيقة، بينما ذكّر مشهد ترامب-شي بأن توازن القوى الحقيقي ما زال يُبنى بين الكبار. ويطرح الكاتب أطروحته: لا نصر كلاسيكي بل تغيير استراتيجي في الوضع. وما سيُقاس الآن هو ما إذا كان هرمز سيُفتح فعلياً، وما إذا كان المخزون النووي سيُربط بصيغة قابلة للرقابة، وما إذا كان تصعيد الحوثيين سينقل الثلاثي المكي إلى ردع فعلي. فالتقويم الانتخابي قد يؤجل هذه الأسئلة الثلاثة لكنه لا يلغيها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










