ترك برس

بعد أكثر من 13 عامًا على واحد من أكثر الهجمات دموية في تاريخ تركيا الحديث، تواصل السلطات التركية ملاحقة المتهمين بالتخطيط والتنفيذ لتفجيرات مدينة الريحانية بولاية هاتاي، في عملية أمنية ممتدة شملت توقيف عدد من المشتبه بهم داخل سوريا وخارجها.

وكانت مدينة الريحانية القريبة من الحدود السورية قد شهدت في 11 مايو/أيار 2013 تفجير سيارتين مفخختين، ما أدى إلى مقتل 53 شخصًا وإصابة العشرات، في وقت كانت فيه الحرب السورية في واحدة من أكثر مراحلها توترًا، وكانت المنطقة الحدودية التركية تشهد حركة واسعة للنازحين والمعارضة السورية.

توقيف عمر الخطيب بعد سنوات من الملاحقة

أحدث التطورات في الملف جاء في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026، حين أعلنت الاستخبارات التركية توقيف السوري عمر الخطيب، أحد المطلوبين على خلفية الهجوم، أثناء محاولته التوجه بحرًا إلى أوروبا. وكان الخطيب ملاحقًا بموجب نشرة حمراء، وفق مصادر أمنية تركية.

وتقول تلك المصادر إن الخطيب شارك في التخطيط للهجوم، وكان حلقة تنسيق بين منفذي العملية وعناصر في أجهزة استخبارات تابعة لنظام بشار الأسد آنذاك. كما تتهمه بربط يوسف نازيك، أحد أبرز مخططي التفجير، بكفاح ملحم، الذي كان يشغل موقعًا بارزًا في الاستخبارات العسكرية السورية.

وبحسب الرواية الأمنية التركية، دخل الخطيب ونازيك إلى ولاية هاتاي في فبراير/شباط 2013 قبل التفجير بهدف استطلاع المواقع المحتملة، ثم عادا إلى سوريا، حيث جرى استكمال تفاصيل العملية والحصول على الموافقة لتنفيذها. كما تقول المصادر إن مواد استخدمت في تجهيز المتفجرات جرى الحصول عليها من فرع للاستخبارات العسكرية في اللاذقية.

سلسلة اعتقالات بدأت قبل سنوات

لم يكن توقيف الخطيب أول عملية من نوعها. ففي عام 2018، تمكنت الاستخبارات التركية من جلب يوسف نازيك من مدينة اللاذقية إلى تركيا، حيث قال خلال التحقيقات إنه شارك في التخطيط للهجوم بناءً على تعليمات من المخابرات السورية، وفق ما نقلته حينها وكالة الأناضول.

واستمرت عمليات التوقيف لاحقًا؛ إذ أُلقي القبض على جنكيز سرتل عام 2024، ثم محمد ديب كورالي وتمير دوكانجي عام 2025، قبل توقيف عمر الخطيب في أكتوبر/تشرين الأول 2026. وبذلك تحولت القضية إلى واحدة من أطول عمليات الملاحقة الأمنية التي واصلتها أجهزة الاستخبارات التركية على مدى سنوات.

كفاح ملحم.. اسم ما زال خارج القبضة

رغم توقيف عدد من المتهمين، يبقى كفاح ملحم من أبرز الأسماء التي تشير إليها المصادر الأمنية التركية في ملف الريحانية.

وتقول هذه المصادر إن ملحم هو من أعطى الموافقة على تنفيذ الهجوم، وإنه كان يشغل آنذاك موقعًا قياديًا في أجهزة أمن النظام السوري. وفي فبراير/شباط 2024 عينه بشار الأسد رئيسًا لمكتب الأمن الوطني، قبل أن يغادر سوريا عقب سقوط نظام الأسد، وفق المعلومات التي نقلتها وسائل إعلام تركية عن مصادر أمنية.

ولا تزال السلطات التركية تتعامل معه باعتباره أحد أبرز المطلوبين في القضية.

معراج أورال ضمن الأسماء المرتبطة بالملف

كما برز في التحقيقات اسم معراج أورال، المعروف أيضًا باسم علي كيالي، الذي قاد تنظيمًا مسلحًا مواليًا لنظام الأسد في الساحل السوري.

وخلال التحقيق مع يوسف نازيك عام 2018، قالت المصادر التركية إنه قدّم معلومات عن صلات أورال بالمخابرات السورية ودوره المحتمل في شبكة مرتبطة بتفجيرات الريحانية. لكن طبيعة مسؤوليته المباشرة عن الهجوم ظلت تُعرض في المصادر التركية ضمن إطار الاتهامات والنتائج الأمنية، وليس باعتبارها حكمًا قضائيًا نهائيًا بحقه.

لماذا اكتسب هجوم الريحانية هذه الأهمية؟

وقع التفجير في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى تركيا؛ فالريحانية تقع مباشرة على الحدود السورية، وكانت آنذاك واحدة من أبرز نقاط العبور والاستقرار للسوريين الفارين من الحرب، كما كانت هاتاي منطقة محورية في التحركات المرتبطة بالملف السوري.

ولهذا لم يُنظر إلى التفجير داخل تركيا بوصفه حادثًا أمنيًا محليًا فقط، بل باعتباره جزءًا من التداعيات المباشرة للحرب السورية على الأمن القومي التركي.

ومنذ ذلك الحين، ربطت السلطات التركية نتائج التحقيقات بعدد من عناصر وشبكات مرتبطة بأجهزة النظام السوري السابق، بينما ظلت القضية حاضرة في الخطاب الأمني والسياسي التركي طوال السنوات التالية.

ومع توقيف عمر الخطيب، أعادت أنقرة الملف إلى الواجهة مجددًا، مؤكدة عمليًا أن مرور أكثر من عقد على الهجوم لم ينه ملاحقة المشتبه بهم.

ويبقى كفاح ملحم وعدد آخر من الأسماء خارج قبضة السلطات التركية، ما يعني أن ملف تفجيرات الريحانية لم يُغلق بعد، رغم مرور 13 عامًا على وقوعها.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!