قادر أوستون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

أثار سحب الولايات المتحدة قاذفات القنابل من طراز «بي-1» التي استخدمتها ضد إيران من قاعدة «راف فيرفورد» الجوية في بريطانيا، نقاشًا مثيرًا للاهتمام بشأن التحالف الأمريكي البريطاني. وتقدم الطريقة التي تناول بها تحليلان منفصلان نُشرا في صحيفة «نيويورك تايمز» (NYT) وصحيفة «وول ستريت جورنال» (WSJ) في 7 أكتوبر/تشرين الأول، مؤشرات مهمة على ما تعنيه الحرب مع إيران بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأمريكية. فقد اتُخذ القرار كإجراء احترازي استنادًا إلى معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران تخطط لشن هجوم بطائرات مسيّرة على القاعدة. وبينما فسّر الليبراليون القرار على أنه دليل جديد على أن الحرب أظهرت حدود القوة الأمريكية مرة أخرى، اتهم المحافظون بريطانيا بالتسامح مع الجماعات الإرهابية، ودافعوا عن أطروحة مفادها أن هذا البلد تحول إلى طرف لا يمكن الوثوق به.

ويمثل المقالان أيضًا مقاربتين مختلفتين للمكانة التي تحتلها إسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية وعلاقات الولايات المتحدة بحلفائها. فاضطرار الولايات المتحدة، بالتزامن مع الحرب مع إيران، إلى إعادة تشكيل وجودها في أوروبا أيضًا، فضلًا عن تقليص وجودها في المنطقة، يُنظر إليه في وسائل الإعلام الليبرالية باعتباره تراجعًا استراتيجيًا وإخفاقًا. أما وسائل الإعلام المحافظة، فتتحدث عن تساهل أوروبا المفرط مع إيران، وتدافع عن أن الضغوط التي مارستها بريطانيا على إسرائيل بشأن المستوطنين تندرج ضمن هذا السياق. وتسلط وجهتا النظر المختلفتان الضوء على المشكلات التي أدى إليها تقليص الوجود العسكري الأمريكي، سواء في المنطقة أو في أوروبا، داخل التحالف الغربي.

تراجع قوة الولايات المتحدة وعدم موثوقية بريطانيا

من الواضح أن إدارة ترامب تواجه صعوبة في إدارة التصورات المرتبطة بانسحابها من المنطقة والمشكلات الأمنية التي واجهتها في بريطانيا، بعدما اضطرت إلى الدخول في الحرب مع إيران بسبب إسرائيل، رغم رغبتها في الانسحاب من الشرق الأوسط. وبينما تتعامل إدارة ترامب مع قضية القاعدة البريطانية باعتبارها مجرد إجراء أمني بسيط، تتناول صحيفة «نيويورك تايمز» المسألة في سياق العواقب غير المتوقعة. وتدافع الصحيفة عن أن تدخلات ترامب في فنزويلا وإيران لا تدل على إظهار عظمة القوة الأمريكية بقدر ما تعني ضعفها وتراجعها، كما يتضح من إغلاق القواعد في الخليج وفرض قيود على استخدام القاعدة الموجودة في بريطانيا. وتشير الصحيفة إلى أن حاملات الطائرات والطائرات الحربية التي تضطر إلى التزود بالوقود من مسافات بعيدة جدًا تواجه مشكلات لوجستية جسيمة، ملمحة إلى أن هذا الوضع يشجع إيران على التجرؤ على تهديد الولايات المتحدة، ولا سيما في أوروبا أيضًا.

أما تحليل «وول ستريت جورنال»، فيرى أن الحكومة البريطانية ظلت، منذ فترة، تتجاهل التهديدات الداخلية ذات المنشأ الإيراني، بذريعة الدبلوماسية مع إيران، وذلك في ما يتعلق بمسألة القاعدة في بريطانيا. ويتناول التحليل أيضًا دعم فلسطين والخطوات الرامية إلى فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في هذا السياق، مقدمًا الولاء لإسرائيل وكأنه عنصر محوري في السياسة الخارجية الأمريكية. وعلى الرغم من أن بعض المحافظين الأمريكيين ينتقدون أوروبا بسبب ممارستها ضغوطًا غير ضرورية على إسرائيل، فمن المعروف أن القاعدة المؤيدة لترامب تبدي استياءً من المصاعب الاقتصادية الناجمة عن الدخول في الحرب مع إيران بسبب إسرائيل. ومن المعروف أن التصور الذي تتبناه «وول ستريت جورنال»، والذي يرى إسرائيل عنصرًا لا غنى عنه في السياسة الخارجية الأمريكية، لا يحظى بقبول شرائح واسعة من الجمهور. وعلى الرغم من أن الصحيفة أعلنت عدم موثوقية بريطانيا، فإن «التحالف الخاص» مع بريطانيا مستمر بالطبع، ولا يبدو أن هناك مشكلة في تبادل المعلومات الاستخباراتية على أعلى المستويات عبر آلية «العيون الخمس». ومع ذلك، فمن الواضح أيضًا أن السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة تدفع جميع الحلفاء الغربيين، بمن فيهم بريطانيا، إلى إعادة النظر في حساباتهم.

البحث عن الاستقلال الاستراتيجي

تشير أمثلة من قبيل عدم تشاور ترامب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) عند دخوله الحرب مع إيران، ثم شكواه من عدم قدوم الحلف لمساعدته على فتح مضيق هرمز، إلى وجود تباعد استراتيجي داخل التحالف الغربي. وفي اجتماع لمركز أبحاث بريطاني بارز مثل «تشاتام هاوس»، يجري التأكيد على أنه لم يعد من الممكن مواصلة العلاقات مع الولايات المتحدة استنادًا إلى الافتراضات القديمة. ويتناول تقرير أعده مجلس اللوردات البريطاني أن إدارة ترامب لم تنسق مع لندن بشأن الهجوم على إيران، وأن الضغوط التجارية التي تمارسها على حلفائها، وتجاهلها شبه التام للمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، قد وضعت العلاقات بين البلدين أمام صعوبات. وحتى إن لم تسمِّ بريطانيا الأمر بهذا الاسم، فإنها تسعى إلى إقامة علاقة أقل تبعية للولايات المتحدة. وسيكون لسعي بريطانيا، التي ظلت لسنوات طويلة الداعم الأول للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الاستقلال الاستراتيجي، شأنها شأن الدول الأوروبية الأخرى، تداعيات طويلة الأمد على السياسة الخارجية الأمريكية.

لن يكون من المبالغة القول إن السياسة الخارجية الأمريكية تمر بتحول بالغ الأهمية، وإن هذا التحول سيغير التحالف الغربي من أساسه. ويشكل اتخاذ أوروبا مواقف مختلفة عن واشنطن في كل من الحرب في أوكرانيا والحرب مع إيران، واتخاذها بعض الخطوات المحدودة بشأن إسرائيل، ولو بهدف «تحسين الصورة»، أمثلة على النتائج التي أفرزتها السياسة الخارجية الترامبية. وحتى لو وصلت إدارة ديمقراطية إلى السلطة بعد ترامب، فمن المؤكد أن الحلفاء الأوروبيين والشرق أوسطيين لن ينظروا إلى واشنطن بالعين نفسها. ويسعى حلفاء الولايات المتحدة، الذين يعملون منذ الآن على بناء تحالفات بديلة وقدرات استراتيجية مستقلة، إلى استثمار هذه المرحلة الانتقالية على نحو مثمر، من خلال تشكيل تحالفات مصغرة فيما بينهم أيضًا. ومع ذلك، يمكن القول إن فكرة أن التقلبات التي تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية ليست مؤقتة، بل دائمة، باتت تحظى بالقبول.

إن عجز واشنطن عن صياغة خطاب واضح بشأن قضية القاعدة في بريطانيا، واتخاذ صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» موقفين متناقضين تمامًا، ليسا سوى مثال صغير على حالة انعدام القدرة على التنبؤ التي تتسم بها السياسة الخارجية الأمريكية. ومن اللافت أن ماركو روبيو، بينما يدعو في أثينا إلى ضرورة «عودة التحالف الغربي إلى جوهره»، لا يستطيع تجاوز المشكلات الخطيرة التي تواجهها الولايات المتحدة مع كل من حلفائها الأوروبيين، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا. فالولايات المتحدة، التي توجّه من جهة رسالة مفادها أن على التحالف أن يعتمد على نفسه، تقلّص وجودها العسكري في الشرق الأوسط وأوروبا، وتعلن من جهة أخرى أن حلفاءها، مثل بريطانيا، لا يمكن الوثوق بهم. كما أن واشنطن، التي تقبل بالمخاطرة بعزلة دبلوماسية كاملة بشأن إسرائيل، لا تستطيع، بصفتها قائدة التحالف الغربي، تقديم حل شامل. ويمكننا تحديد التحدي الأساسي الذي أفرزته الحرب مع إيران في أن الولايات المتحدة وضعت أولويات إسرائيل في صلب استراتيجيتها الخاصة، وتتوقع من حلفائها تقديم دعم غير مشروط لها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!