ترك برس

في مقال تحليلي نشره موقع "خبر7"، يتناول الكاتب التركي حسين عاكف كوتشوك آل، منح جائزة نوبل للسلام لهذا العام، ويربطه بمحاولة غربية لإعادة صياغة سردية ما يجري في غزة وتبرئة إسرائيل عبر تحويل المسؤولية إلى أفراد بعينهم، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو.

يبدأ الكاتب بالإشارة إلى أن جائزة نوبل للسلام ذهبت إلى نافانيثم بيلاي، التي ترأست لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية. ويؤكد أنه ينظر إلى جوائز نوبل عموماً على أنها تُمنح بدوافع سياسية أكثر مما تُمنح بناءً على الإنجازات الحقيقية، ولذلك يرى أن التساؤل عن سبب منح الجائزة لشخص بحث في جرائم إسرائيل في فلسطين أمر يستحق التأمل.

ويرى الكاتب أن جوائز السلام تحمل في نظر لجنة نوبل معنى الاستثمار في المستقبل وتعكس رؤية السياسة الخارجية الغربية. ويوضح أن المعارضين للأنظمة المناهضة للغرب يُكافَؤون بهدف إضعاف الحكومات، مستشهداً بمنح الجائزة العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماتشادو، ثم ما أعقب ذلك من انقلاب حققت بعده الولايات المتحدة ما أرادته، بينما انزوت ماتشادو نفسها إلى النسيان. ويضيف أن القرارات في جوائز نوبل تتغير بحسب الرياح السياسية الموسمية، وأن بعض الحاصلين عليها سبق أن ارتكبوا مجازر مروعة، كما حدث مع أونغ سان سو تشي التي حصلت على الجائزة عام 1991 ثم كانت المسؤولة الأولى عن عمليات القتل والاغتصاب والتهجير بحق مسلمي الروهينغيا بعد وصولها إلى السلطة عام 2016. ويشير أيضاً إلى أن أسماء خدمت السلام فعلاً تُستبعد عمداً، مما يؤكد عدم عدالة اللجنة في نظره.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى شخصية نافانيثم بيلاي، فيصفها بأنها ليست موظفة أممية عادية؛ فقد بدأت محامية تدافع عن الناشطين السود في حقبة الفصل العنصري، ثم ترأست المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وتولت منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. ويذكر أن اللجنة التي ترأستها أصدرت في أيلول/سبتمبر 2025 تقريراً خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في غزة، وأن منح الجائزة لمن وقّع على هذا الاستنتاج يمثل أحد أكثر الخطوات الرمزية التي يمكن للغرب أن يخطوها في اتجاه الاعتراف بما حدث هناك. ويشير إلى أن اللجنة المانحة للجائزة تُعيَّن من قبل البرلمان النرويجي، وأن النرويج اعترفت بدولة فلسطين عام 2024 وتُعد من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً لسياسات إسرائيل، بينما فرضت إدارة ترامب في العام الماضي عقوبات على المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين فرانشيسكا ألبانيز. وقد يبدو للوهلة الأولى أن منح الجائزة لشخص يعمل في هذا الاتجاه يمثل موقفاً مناهضاً للغرب.

غير أن الكاتب يرى أن الصورة تتغير عند التدقيق. فالغرب اليوم ليس له سياسة واحدة تجاه إسرائيل؛ فهناك انقسام بين العواصم الأوروبية وإدارة ترامب، وهناك أيضاً تصدعات داخل واشنطن نفسها. والقاسم المشترك بينهما هو استهداف نتنياهو لا إسرائيل ككل. فأوروبا بهذا تستريح ضميرها، وأمريكا تحمل المسؤولية لحكومة واحدة فتكتسب مساحة للتراجع. ويقف منح الجائزة لبيلاي عند نقطة التقاء هذين النهجين. ويضيف أن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها حكومة إسرائيل في غزة غيّرت نظرة العالم إليها سلباً، وأن الصهيونية بحاجة إلى إعادة كتابة هذه الرواية حتى تتمكن من التحرك بحرية، وأن الخطوة الأولى تبدأ باعتراف الغرب بما حدث في غزة. ويخلص إلى أن الغرب، وإن لم يكن مهتماً سياسياً بما جرى هناك، يبحث عن طرق لتبرئة إسرائيل. والخطوة التالية المتوقعة هي تحميل العملية بأكملها لشخص أو أشخاص محدودين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزراء حكومته. وبذلك سيشهد شعوب العالم صاحبة الضمير محاولة تبرئة إسرائيل عبر تقديم أكباش فداء.

ويربط الكاتب بين منح الجائزة لبيلاي ومحاولة التخلي عن نتنياهو، مستذكراً مثال ماتشادو. ويشير إلى أن اقتراب الانتخابات وذكرى السابع من أكتوبر جعلا الادعاءات بأن نتنياهو كان على علم مسبق بالهجوم تتداول بكثافة منذ أيلول/سبتمبر، مدعومة باتهامات من صحيفة هآرتس وإفادات السكرتير العسكري السابق آفي جيل، بالإضافة إلى تحذيرات من الإمارات ومصر لم يُستمع إليها في تل أبيب. وينقل عن تقرير سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، نشرته «دروب سايت نيوز» نقلاً عن مصدرين أمريكيين، أن سياسات حكومة نتنياهو والحروب المتعددة الجبهات تدفع إسرائيل نحو خطر حرب أهلية وانهيار الدولة، بسبب الجنود المصابين بصدمات نفسية والغضب من الإعفاءات من الخدمة العسكرية وفقدان الدعم داخل الولايات المتحدة والعالم. ويذكر أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل تشير إلى احتمال كبير لخسارة نتنياهو، رغم أن المعارضة غير متوقع لها أن تحقق نصراً حاسماً، وأن بحثاً لمعهد أغام التابع للجامعة العبرية أظهر أن نحو 67% من الإسرائيليين لا يرغبون في بقائه رئيساً للوزراء.

ويؤكد الكاتب على تفصيل مهم في تقرير الاستخبارات المركزية: أن معظم المعارضة لنتنياهو داخل إسرائيل لا تنصب على الوحشية في غزة، بل على طريقة إدارة العملية. فالأحزاب الصهيونية المعارضة تركز هجومها على الفشل الأمني في السابع من أكتوبر لا على الإبادة. وحتى لو خرجت حكومة بلا نتنياهو في 27 أكتوبر، فليس هناك مؤشر جدي على تغير سياسة غزة؛ ما سيتغير هو فقط الجهة التي ستُحمَّل الفاتورة. وهذا جوهر نظريته عن «كبش الفداء».

وفي الختام يتناول الكاتب محاولة الولايات المتحدة تبرئة نفسها، مستنداً إلى تقرير خاص لصحيفة نيويورك تايمز اعتمد على 15 مسؤولاً أمريكياً وعشرات الوثائق الداخلية. ويزعم التقرير أن ديفيد ميلستين، كبير مستشاري السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تلاعب بالتقارير الدبلوماسية المرسلة إلى واشنطن لتصوير حكومة نتنياهو بصورة إيجابية، فأخفى أو عدّل تقارير عن توسع الاحتلال في الضفة الغربية وعنف المستوطنين، وأهمل مطالب عائلات مواطنين أمريكيين قُتلوا، وأخفى تحذيرات بشأن مخاطر المساعدات الإنسانية في غزة. ويشير إلى أن هاكابي بدأ مؤخراً يستخدم وصف «إرهابيين» للمستوطنين في الضفة الغربية، وأن السفير ينفي الادعاءات الموجهة إلى مستشاره حالياً، غير أن الأرضية تُمهَّد لواشنطن كي تقول لاحقاً بعد رحيل نتنياهو: «لم نكن نعلم».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!