ترك برس

دخلت القوات العثمانية الفاتحة جزيرة قبرص عام 1571 على يد السلطان العثماني "سليم الثاني" 1524 ـ 1574"،

وظلت قبرص خاضعة للسيطرة العثمانية وسط تعايش توافقي بين اليونان والأتراك إلى تاريخ 4 حزيران/ يونيو 1878، حيث تم في ذلك التاريخ استئجار الجزيرة من قبل الإمبراطورية البريطانية مقابل 92 مليون و799 ألف جنيه إسترليني.

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر على الإمبراطورية البريطانية علامات الكهل والشيخوخة المُكللة بالضعف السياسي والاقتصادي، وبدأت بريطانيا تحاول التخلص من المستعمرات التي كانت تحت سيطرتها، خاصة بعد تعرض بريطانية لضغط من مجلس الوصاية التابعة للأمم المتحدة التي تلقت طلب رسمي لحل الاستعمار البريطاني على الجزيرة من قبل الحكومة اليونانية.

وفي بداية الخمسينيات أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستلتقي الطرفين اليوناني والتركي للوصول إلى حل مشترك، وبينما كانت الحكومة البريطانية تحاول إعداد خططها لحل القضية القبرصية بشكل توافق استراتيجي، بدأت النزاعات والاشتباكات المسلحة بين السكان اليونان والأتراك تظهر للسطح، الأمر الذي زاد من قلق الحكومة البريطانية لتعجيل العمل الخاص بإيجاد الحلول المناسبة للقضية، لإدراك التوتر وحله قبل تضخمه واتساعه.

وعلى العجلة قامت الحكومة البريطانية بدعوة الطرفين التركي واليوناني للاجتماع في لندن للتوصل إلى اتفاقية مشتركة خاصة بجزيرة قبرص، وبعد مفاوضات عميقة توصلت الأطراف المعنية إلى اتفاقية "الضمان" "زيوريخ" بتاريخ 11 شباط/ فبراير 1959.

نصت هذه الاتفاقية على أن رئاسة الجمهورية تكون يونانية ورئاسة الوزراء تركية ويكون هناك دستور قانوني عام مشترك بين الطرفين التركي واليوناني، كما نصت الاتفاقية على حق الدول الثلاث "بريطانيا، تركيا، اليونان" في التدخل لإنهاء أي صراع مسلح قد يظهر بين الطرفين.

لم يتم مراعاة هذه الاتفاقية سوى ثلاث سنوات، إذ في 1 كانون الثاني/ يناير 1961، حيث أعلنت الحركة اليونانية "الأينوسيس" "يونان الوطن الأم" بقيادة زعيمها ورئيس قبرص في ذات الآن "ميكاريوس" انقلابها على الدستور وطرح فكرة انضمام قبرص إلى اليونان الوطن الأم والأساسي لها.

وعقب هذا التاريخ بدأت هذه الحركة بقتل وتشريد المواطنين القبارصة ذوي الأصول التركية، واستمر انتهاك الطرفي اليوناني للمواطنين الأتراك إلى أن تدخلت القوات التركية في قبرص عام 1974، وقسمت قبرص إلى قسمين قسم تركي وقسم يوناني، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن وقبرص مُقسمة ويحاول طرفيها التوصل إلى حل مشترك ومعترف به من قبل القانون الدولي الذي يرفض الاعتراف بقبرص على أنها دولتين منقسمتين ما بين تركيا ويونانية.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر من العام المنصرم حاول الطرفان التوصل إلى إيجاد أرضية مناسبة لوضع حل مثالي يخدم مصالح الطرفين ويُعيد قبرص إلى حالها السابق، وعلى الرغم من استمرار المفاوضات إلى الآن إلا أن المفاوضات الجارية بين الطرفين تُقيم على أنها إيجابية ومُثمرة.

وحسب ما يورده الدكتور الأكاديمي "فاروق شان"، في مقاله "المفاوضات القبرصية اليونانية التركية"، نُشر في صحيفة "ميلييت"، بتاريخ 18 كانون الثاني 2016، فإن المفاوضات ما زالت جارية بين الطرفين وسط أجواء إيجابية، وتُعد الشروط التالية هي الشروط المطروحة من قبل الطرفين لإيجاد حل مشترك:

ـ يتم حل مشكلة العقارات التي تعود إلى المواطنين اليونان وتوجد في الطرف التركي من خلال تقديم تعويض مالي بقيمة 30  مليار دولار كبديل لعدم تمكن المواطنون اليونان استخدام أراضيهم لمدة طويل ويتم إعادة هذه الأملاك إلى أصحابها اليونان، وكتقييم لقبول لهذا الشرط من قبل تركيا والطرف التركي في قبرص، فتعتبر النتيجة إيجابية، إذ سيتمكن المواطنون الأتراك أيضا ً من الحصول على تعويض بقيمة 10 مليار دولار وكما سيتمكنون من استرداد أملاكهم الواقعة في الطرف اليوناني.

ـ استمرار المواطنون الأتراك الذين قدموا من تركيا بعد عام 1974 وأقاموا في قبرص، بالبقاء في قبرص كمواطنين قبارصة دون التعرض لأي إجراءات سلبية، وهذا الشرط يصب في مصلحة الطرفين، إذ أن هنالك العديد من المواطنين اليونان الذين قدموا إلى قبرص وأقاموا بها بعد عام 1974، وهذا يعني بأن هذا الشرط يخدم الطرفين وليس طرف واحد على حساب طرف آخر.

ـ وضع دستور يعتمد على أساس النظام الرئاسي التناوبي بين الطرفين التركي واليوناني، كما يكون عدد النواب في البرلمان المشترك متساوي بين الطرفين التركي واليوناني. هذا الشرط يواجه اعتراض شديد من قبل الطرف اليوناني، ويؤكد أن مجرد طرحه على الطاولة أمر مرفوض، لعدم عدالته في ظل كثافة النسمات اليونانية مقارنة بالنسمات التركية المُقيمة في الجزيرة.

ـ حصول المواطنون الأتراك القبارصة على حق دخول أوروبا بحرية والحصول على حق إيجاد نواب باسمهم في البرلمان الأوروبي تساويا ً مع المواطنين اليونان.

ويشير شان إلى أن الشرطين الآخرين يشكلان نقاط الخلاف الأساسية بين الطرفين، إذ يعارض الطرف اليوناني النظام الرئاسي التناوبي والنظام البرلماني المتساوي بشدة، وكما يبين الطرف اليوناني أنه لا يضمن حصول المواطنين الأتراك القبارصة على حق إيجاد نواب باسمهم في البرلمان الأوروبي، ولكن من ناحية أخرى، يبدو أن الاتفاق بين الطرفين ممكن مع تنازل تركيا عن شرط النظام الرئاسي التناوبي والنظام البرلماني المتساوي وطرح شرط أكثر انسيابية وعقلانية، كما يمكن تأجيل شرط البرلمان الأوروبي لأنه متعلق بالاتحاد الأوروبي أكثر من الطرف اليوناني.

ويؤكد شان على أن الشروط المطروحة بسيطة ويمكن إيجاد حل مشترك من خلالها، وهذا ما ستبرهنه الأيام القادمة التي يمكن أن تجعل عام 2016 عام حل القضية القبرصية العالقة منذ فترة طويلة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!