جلال سلمي - خاص ترك برس

تتناقل وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى القضية القبرصية ومايتعلق بها من مشاورات ومباحثات سلام تجري بين طرفي القضية "الطرف التركي والطرف اليوناني"، ولكن إلى اليوم لم تتناقل وسائل الإعلام بأن هناك نتائج إيجابية للمشاورات المتبادلة بين الطرفين منذ زمن طويل، هذه المشاورات بدأت عام 1953 وما زالت مستمرة إلى يومنا الحالي ولكن إلى يومنا لم تجدي نفعًا ولم تتمكن من حل القضية القبرصية؛ وفي هذا المقام يطفو على السطح السؤال الجوهري الذي يسأل "عن ماهية التعقيدات التي تجعل القضية القبرصية مُعقدة إلى هذا الحد"؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من تناول القضية القبرصية في سطور مُختصرة، بعد بدء محادثات السلام الخاصة بتركيا في مدينة لوزان السويسرية تم التوصل إلى اتفاقية لوزان بتاريخ 24 تموز/ يوليو 1923[1] وعلى إثرها تم الاعتراف بتركيا كجمهورية من قبل عصبة الأمم المتحدة والدول العضوة بها.

بناءًا على اتفاقية لوزان تم إعطاء 12 جزيرة واقعة في بحر إيجه مابين تركيا واليونان إلى اليونان وهو ما جعل اتفاقية لوزان تُوصف بالاتفاقية الفاشلة من قبل بعض الخبراء والمؤرخين الأتراك. [2] بعد اتفاقية لوزان شهدت اليونان أواسط الثلاثينات بداية حرب أهلية استمرت إلى بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، بعد استقرار السياسة الداخلية في اليونان بدأ الطرفان التركي واليوناني يدعيان حقهما بجزيرة قبرص التي ما زالت تقبع تحت الاستعمار البريطاني في ذلك العهد.

ضغط الرأي العام على الحكومة اليونانية جعلها يطالب بريطانيا بنقل القضية إلى الأمم المتحدة بأسرع وقت ممكن، بعد وصول القضية إلى الأمم المتحدة؛ بينت تركيا بأنها ترى القضية على أنها قضية قبرصية داخلية لا دخل لأي دولة أخرى بها ولكن أدعت اليونان بأنها تملك الحق في ضم الجزيرة لأراضيها واستندت في ذلك إلى الأغلبية التي يشكلها ذوي الأصول الرومية اليونانية المُقيميمن في الجزيرة.[3]

أعلنت الحكوة التركية في ذلك الوقت بأنه تؤيد استمرار السيطرة الانجليزية على الجزيرة ولكن في حين تم طرح أوراق استقلال الجزيرة على الساحة فإنها لن تقبل إطلاقًا ضم الجزيرة إلى اليونان، على الرغم من نقل اليونان القضية القبرصية إلى الأمم المتحدة عام 1954 إلا أنها لم تحصل على نتيجة ملموسة، فبدأت بعض النزاعات والاشتباكات الداخلية تدور بين سكان الجزيرة اليونان والأتراك، وهذه الاشتباكات تُعتبر أحد النقاط الهامة التي عملت على توتير العلاقات التركية اليونانية منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا الحالي.

ازداد قلق المُستعمر الانجليزي من ازدياد حجم التدهور الدائر في الجزيرة فدعى الطرفين التركي واليوناني إلى لندن لإجراء اتفاق عاجل بشأن الجزيرة القبرصية حتى يتم تدارك التدهور قبل ازدياد وتيرته، خلال هذه المشاورات بين الأطراف الثلاث تم التوصل إلى اتفاقية زيوريخ أو مايُسمى اتفاقية "الضمان" وتم توقيعها بتاريخ 11 شباط/ فبراير 1959 وعلى أساسها تم قبول القس اليوناني ميكاريوس رئيس لقبرص وممثل للطرف اليوناني وتم قبول فاضل كوجوك نائب لرئيس قبرص وممثل للطرف اليوناني وتم وضع دستور مشترك ومُعترف بالطرفين[4].

عقب هذه الاتفاقية اتفاقية لندن التي تم إبرامها بتاريخ 19 فبراير 1959 وعلى هذه الأساس تم تقرير إعلان قبرص دولة جمهورية مستقلة بتاريخ 19 آب/ أغسطس 1960[5].

لكن لم يمضي على هذه الاتفاقيات سوى عام؛ إذ قام الطرف اليوناني عام 1961 برمي جميع هذه الاتفاقيات بعرض الحائط وبدأ بارتكاب المجازر الدموية بحق المواطنين الأتراك، استمرت هذه المجازر والمناوشات ووصلت إلى ذروتها إلى عام 1964 إذ أعلن ماكريوس عدم قبوله باتفاقية لندن وزوريوخ الأمر الذي زاد من حدة الاشتباكات وجعل المواطنين الأتراك يشروعون بالدفاع عن أنفسهم أمام المجازر الشنيعة التي كان يرتكبها الطرف اليوناني دون أي رادع.[6]

قررت تركيا عام 1964 استخدام حق الضمان المُسند لها من خلال اتفاقية الضمان والتي تسمح للدول الثلاث "اليونان وتركيا وبريطانيا" إجراء تدخل عسكري من أجل فرض السلام في الجزيرة في حين تدهورت الأحوال الأمنية في الجزيرة، وبالفعل بدأت الطائرات التركية بالإغارة فوق أجواء قبرص، ولكن بعد خوف الولايات المتحدة الأمريكية من حدوث حرب عسكرية شديدة بين دولتين عضوتين في حلف الشمال الأطلسي "الناتو" وبالتالي تفكك الحلف، أرسل الرئيس الأمريكي، في ذلك الوقت، لينود جونسون مكتوب خاص "غير مؤدب وتهديدي" إلى رئيس وزارء تركيا عصمت إينونو بتاريخ 5 حزيران/ يونيو 1964 يمنع استخدام تركيا الأسلحة الأمريكية الموجودة لديها في تدخلها العسكري في قبرص وذلك حسب الشروط الخاصة باتفاقيات الأسلحة الموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول المستوردة للأسلحة منها[7]".

بعد هذا المكتوب "المُهين" لم تتمكن تركيا من إجراء تدخلها العسكري التي كانت تُخطط له واستمرت الانتهاكات اليونانية والحرب الداخلية بالتدهور والاشتعال في قبرص، عقب هذا المكتوب تدهورت العلاقات التركية الأمريكية بشكل كبير وبدأت تركيا بالبحث عن اتفاقيات عسكرية وسياسية مع دول جديدة للقضاء على حالة العزلة السياسية والوهن العسكري التي اكتشفت بأنها تعاني الضعف منهما بسبب توحيد علاقتها مع الولايات المُتحدة الأمريكية فقط.[8]

استمرت المجازر الدموية ووصلت أخبارها المؤلمة والبشعة إلى جميع الصحف الدولية، بعد انتشار فضائح جرائم الطرف اليوناني الدموية زادت الضغوطات الدولية على اليونان للضغط على الطرف اليوناني في الجزيرة لوقف هذه الجرائم ولقبول العودة إلى طاولة المفاوضات السلمية وعاد الطرفان للالتقاء والتفاوض في لندن عام 1969.[9]

اتفق الطرفان خلال هذه المشاورات على سحب الأسلحة من الجزيرة والقبول بالعيش المشترك واستمرت هذه الحال إلى عام 1974 إذ عاد اليونان إلى جرائمهم واعتدائتهم، خاصة بعد دعم اليونان لمنظة "أكو" العسكرية التي انقلبت على ميكاريوس ونفته وأحضرت مكانه نيكوس سامبسون، اشتدت الاعتداءات الإجرامية على المواطنين الأتراك في الجزيرة فقررت الحكومة التركية بتاريخ 20 تموز/ يوليو 1974 إجراء تدخل عسكري في قبرص مستندة في ذلك إلى حقها كدولة ضمانة للأمن والاستقرار حسب اتفاقية زوريوخ عام وجرى التدخل العسكري في نفس التاريخ.[10]

جرت العملية العسكرية وبعدها أو أثناءها تم عقد مؤتمر جنيف للسلام، عرضت تركيا نظام الحكم الفيدرالي وأصرت عليه ولكن الطرف اليوناني عارض ذلك وبشدة، لذا قامت القوات التركي بتاريخ 6 آب/ أغسطس من نفس العام بتنفيذ تدخل عسكري أوسع واستطاعت بذلك الحصول على 30% من المساحة الكلية للجزيرة.[11]

بعد هذا التدخل العسكري؛ تم فرض حصار عسكري على تركيا من قبل الولايات المُتحدة الأمريكية وكما اهتزت صورة تركيا بشكل كبير في الساحة الدولية فأصبحت تحركاتها السياسية والعسكرية محدودة جدًا، لا سيما بعد فرض عقوبات عسكرية واقتصادية عليها من قبل حلف الشمال الأطلسي "الناتو" والتجمع الأوروبي "الاتحاد الأوروبي اليوم".[12]

على الرغم من جميع ماتعرضت له من ضغوطات الدولية إلا أنها بعد عام 1974 جعلت نقاطها الأساسية للتفاوض بما يخص قبرص بالشكل التالي؛ تأسيس دولة فيدارالية، تخصيص دستورين منفصلين لكلا الطرفين، تخصيص حقوق متساوية لكلا الطرفين.[13] لكن على الصعيد الأخر استمرت اليونان في فرض نظرية دولة مركزية تحتضن المواطنين الأتراك كأقلية وتكفل حقوقهم[14].

سئم الطرف التركي من مماطلة وعدم جدية الطرف اليوناني في التوصل لحل جذري؛ لذا قام عام 1976 بإعلان تأسيس دولة قبرص التركية الفيدرالية لتقديم فرصة الإدارة الذاتية المستقلة للمواطنين الأتراك المُقيمين في الجزيرة، بعد مرور فترة طويلة من الزمن على المباحثات دون أي نتيجة قرر المجلس البرلماني لدولة قبرص التركية الفيدرالية بإعلان استقلاله بتاريخ 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1983 تحت مُسمى "جمهورية قبرص الشمالية التركية" وذلك للضغط على الطرف اليوناني للتوصل إلى حل جذري. على الفور قامت تركيا بالاعتراف بها ولكن لم تعترف بها أي دولة أخرى بذلك.

ويعود السبب إلى عدم اعتراف أي دولة أخرى بها إلى إعلان الأمم المتحدة بقرار مجلس الامن رقم 353 قيم التدخل العسكري التركي للجزيرة بمثابة الاحتلال العدواني وحسب هذا القرار أيضا ً قررت الأمم فرض حصار دولي على أي دولة تقوم بالاعتراف بقبرص التركية.[15]

حاول الأمين العام للأمم المتحدة، في ذلك الوقت، كورت والدهييم حل القضية بالتوافق وتحت ظل سقف الأمم المتحدة، استمرت المفاوضات والمباحثات في عهد كورت والدهييم ولكن لم يستطع الأخير تقديم أي حل ملموس لانتهاء فترة أمانته العامة للأمم المتحدة عام 1981.[16]

حاول خلفه جافير بيريز دا كويلار الاستمرار في قيادة المباحثات والمفاوضات التي كان سلفه قد قام بها، وفي عام 1985 أعلن دا كويلار بأن اللجان السياسية والحقوقية للأمم المتحدة توصلت إلى مسودة اتفاق مشتركة تجمع حقوق ومطالب الطرفين، كانت الاتفاقية تعترف بحقوق الأتراك القبرصيين وبعض مطالبهم، فوافق الطرف التركي على الاتفاقية بشكل كامل ولكن الطرف اليوناني رفض الاتفاقية تمامًا.

بعد فشل الأمم المتحدة في إقناع الطرفين للتوصل لحل مشترك، قامت الأمم المتحدة بنقل القضية إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ولكن الأخير زاد الطين بلة إذ قام في آذار/ مارس 1995 بقبول قبرص اليونانية كعضو للاتحاد الأوروبي ضاربًا بعرض الحائط اتفاقية الضمان التي تحذر على قبرص الدخول في أي اتفاق دولي دون استشارة الدول الثلاث "تركيا، اليونان، بريطانيا" الضامنة لأمنها واستقرارها.[17]

بعد تولي كوفي عنان للأمانة العامة للأمم المتحدة عام 2002، حاول حل القضية القبرصية من خلال جمع الطرفين على طاولة المفاوضات من جديد، بعد اجتماع الطرفين قام عنان بطرح خطته المبدأية وكما قام بطرح فكرة إعداد خطة جذرية لحل القضية من خلال تعاون الطرفين فيما بينهما بشكل مباشر، اجتمع الطرفان على هذا الأساس لأول مرة بتاريخ 26 فبراير 2003 وقرر الطرفان خلال هذا الاجتماع طرح قضية إعادة توحيد شطري الجزيرة على الجمهور القبرصي اليوناني والتركي من خلال استفتاء شعبي عام.[18]

ولكن بعد الاجتماع الذي جمع الطرفين بتاريخ 10 مارس 2003 لم يتوافق الطرفان على التوصل لحلول مشتركة فانقطعت الاجتماعات وعُلقت خطة عنان، بعد إجراء الانتخابات البرلمانية في قبرص عام 2004 قام الحزب الديمقراطي وحزب تركيا الجمهوري بالتوافق وتأسيس حكومة ائتلافية وكان أولى برامج الحكومة إعادة التفاوض مع الطرف اليوناني.[19]

تم إجراء بعض التعديلات على خطة عنان التي كانت تقضي بإعادة توحيد الجزيرة تحت إطار تقاسم السلطات بشكل مشترك بين الطرفين، وفي أبريل 2004 قُرر عرضها على الشعبين التركي واليوناني، قبل الطرف التركي الخطة بنسبة 65% ولكن رفض الطرف اليوناني الخطة بنسبة 76%.

بعد الرفض الساحق الذي أبدها الطرف اليوناني للخطة، تلقى الطرف التركي إشارة واضحة وملموسة عن عدم جدية الطرف اليوناني شعبًا وحكومة، لذا بعد هذا التاريخ اُصيبت القضية القبرصية بخمول شديد، وإلى اليوم لم يُبدي الطرفان أي تحرك ملموس لإعادة التفاوض.

حاول الطرفان قبل شهر من الأن التوصل إلى أرضية تبسط لهم الاتفاق لإعداد حلول جذرية للقضية، ولكن بسبب اختلاف الطرفين على بعض الأمور التكتيكية لبساط الاتفاق تم تعليق التفاوضات والمباحثات دون التوصل إلى أي اتفاق جذري، ويبدو بأن اتفاق الدولة الفيدارالية هو الحل الأمثل لحل هذه القضية التي يرفض طرفيها العيش معا ً بشكل مشترك.

المصدر:

[1] المواد الخاصة باتفاقية لوزان، الموقع الرسمي وزارة الداخلية التركية، تاريخ الوصول 10 نوفمبر 2015

[2] المصدر نفسه

[3] القضية القبرصية، موقع مجلس العلاقات التركية اليونانية التابع لاتحاد غرف تجارة وبورصة تركيا، تاريخ الوصول 10 نوفمبر 2015

[4] المصدر نفسه

[5] أسباب ومجريات القضية القبرصية، الباحث سرحات سارو، موقع "الاقتصادي" للدراسات الاستراتيجية، تاريخ الوصول 11 نوفمبر.

[6] المصدر نفسه

[7] المصدر نفسه

[8]  القضية القبرصية، موقع مجلس العلاقات التركية اليونانية التابع لاتحاد غرف تجارة وبورصة تركيا، تاريخ الوصول 10 نوفمبر 2015

[9] المصدر نفسه

[10] عدنان حطيط، قبرص الوجه الأخر للقضية، الطبعة الأولى، سبتمبر 1987، الصفحة 86 ـ 87

[11] المصدر نفسه، صفحة 102

[12] المصدر نفسه، صفحة 103

[13] تاريخ القضية القبرصية، وزارة الخارجية التركية، تاريخ الوصول 11 نوفمبر 2015

[14] المصدر نفسه

[15] غوك هان أوجلان، القضية القبرصية من منظور تركي يانوني، موقع منظور أكاديمي، تاريخ الوصول 11 نوفمبر 2015

[16] المصدر نفسه

[17] تاريخ القضية القبرصية، وزارة الخارجية التركية، تاريخ الوصول 11 نوفمبر 2015

[18] المصدر نفسه

[19] غوك هان أوجلان، القضية القبرصية من منظور تركي يانوني، موقع منظور أكاديمي، تاريخ الوصول 11 نوفمبر 2015

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!