ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

كمال كيليتشدار أوغلو ولد في ديسمبر 1948 لعائلة علوية في تركيا، تدرج في أروقة حزب الشعب الجمهوري، أقوى أحزاب المعارضة حاليا، والذي أسسه مؤسسة الجمهورية التركية كمال أتاتورك في عام  1923،قفز كيليشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب بعد فضيحة سلفه دنيز بايكال الأخلاقية والتي خرج على إثرها من الحزب في واحدة من الفضائح الكبرى التي مرت على الحزب اليساري العلماني.

هذا الحزب الكبير بشعبيته استطاع خلال الفترة الماضية أن يعود إلى المشهد السياسي بقوة بعد نتائج مخيبة للآمال خلال السنوات الأربعين الماضية، إذ كانت الانقلابات هي الداعم الوحيد له في الوصول للحكم، فلم يشكل حكومة منفردة بعد انقلاب 1980، فبعد عودة الحياة السياسية في تركيا شكل الحزب حكومات ائتلافية مع أحزاب أخرى، وفي بعض الأحيان لم يستطع تخطي العتبة الانتخابية، وللحق فإن أداء الحزب تغير تماما بعد تولي كيليشدار أوغلو رئاسته، مع ذلك فإن هناك تيار داخل الحزب كان يسعى خلال الفترة الماضية، للإطاحة به بسبب النتائج المخيبة في انتخابات الرئاسة مرتين متتاليتين وكذا الانتخابات البرلمانية التي وعد فيها أن يشكل حزبه الحكومة ولم يستطع، لكن نتائج انتخابات البلدية في إسطنبول أنقذته من هذا المصير.

اعتمد حزب الشعب الجمهوري في خطابه خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية وكذا البلدية الأخيرة خطابا شعبويا يحض على الكراهية ضد السوريين بالأساس، مناكفا في ذلك الخطاب الذي تبناه الرئيس أردوغان وحزبه (الأتراك أنصار والسوريون مهاجرون) في إشارة إلى التاريخ الإسلامي في بداية إنشاء الدولة في المدينة، وهو خطاب اعتبره حزب الشعب ديني يخالف تعاليم الدولة ودستورها العلماني.

خطاب كيليتشدار أوغلو تطور خلال الأسبوع الماضي ليتعدى السوريين إلى استهداف المصريين المهاجرين إلى تركيا بفعل الانقلاب العسكري، الذي نفذه رأس النظام حاليا ضد الرئيس المدني المنتخب، فقد انتقد كيليتشدار أوغلو، الرئيس رجب طيب أردوغان على سياساته مع النظام في مصر والتي اعتبرها خاطئة، ودعا كيليتشدار أوغلو إلى تغيير سياسة تركيا الخارجيةوالتخلي عن الإخوان المسلمين والتصالح مع نظام السيسي، وحذر رئيس حزب الشعب الجمهوري من سياسة اردوغان مؤكدا أنها تفوت على تركيا مكاسب كثيرة، وأضاف: (إذا كنا نقول لتكسب تركيا في سياستها الخارجية فعلى أردوغان أن يتخلى أولا عن الإخوان المسلمين، من هم الإخوان؟! مصالح الدولة التركية فوق كل شيء)، ودعا إلى أن يتصالح أردوغان مع النظام في مصر مذكرا بالشراكة التاريخية والثقافية التي تجمع البلدين.

صدق كمال كيليتشدار أوغلو، فيما يجمع البلدين من مشتركات في الثقافة والتاريخ، ولا يزال الشعب المصري يكنّ للشعب التركي من الود والمحبة ما تضاعف رصيده مع وصول الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه إلى سدة الحكم. لقد كانت مصر وتركيا على وفاق كبير منذ عشرات السنين، يذكر كل تركي مخلص، ما قام به الشعب المصري إبان الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في عام 1999 يوم أن أكل الأتراك الخبز المصري، رمزا للأخوة والإخلاص، وهو تاريخ لا يمكن أن ينكره إلا جاحد، فهي علاقة دم ونسب ومصاهرة وتاريخ وثقافة، لكن كيليتشدار أوغلو يجهل أن الأنظمة زائلة والشعوب باقية، وما يفعله حزب العدالة والتنمية الآن مع المصريين إنما ينسجم مع الأخلاق الأصيلة للشعب التركي الذي خرج يوم 15 تموز ليقاوم الانقلاب ويدحره، ولولا هذا الشعب، لكن كيليتشدار أوغلو في السجن يحاسب على انخراطه في العملية الديمقراطية، أو لربما كان عنده نظرة أخرى للانقلاب غير تلك التي يراها داعمو الديمقراطية، فلولا الشعب الذي انتصر على الانقلاب، لكانت تركيا الآن تحت حكم الحديد والنار تكمم فيها الأفواه ولا يسمح حتى لرئيس حزب أن يعرض برأيه.

كيليتشدار أوغلو غلف طلبه بغلاف الخوف على مصلحة تركيا الاقتصادية والسياسية، مشيرا إلى التبادل التجاري بين البلدين وحقوق تركيا في غاز شرق المتوسط الذي يخشى أن يعارضه النظام في مصر، لكن ما يجهله كيليتشدار أوغلو أن التبادل التجاري بين مصر وتركيا قد زاد بشكل مضطرد خلال السنوات الخمس الماضية، وذلك بفعل المصريين المعارضين المتواجدين على أرض تركيا، وهو ما ضخ ملايين الدولارات في الاقتصاد التركي رصدته الإحصائيات الرسمية، ليس في تركيا فقط بل في مصر أيضا، وهو ما يعني أن هؤلاء الذين يريد رئيس حزب الشعب الجمهوري أن يطردهم مصدر خير لبلاده، كما أن الاستثمارات التي جاء بها المعارضون من دول الخليج بعد أن ضيق عليهم حكامها تعد بالملايين أيضا وهي ملايين مستثمرة في دورة رأس مال توفر فرص عمل لمواطنين أتراك، أما عن غاز شرق المتوسط فهو حق يمكن لتركيا الدفاع عنه دون الزج بالمعارضين فيه، وهو ما تقوم به الإدارة التركية باقتدار حتى الآن رغم الضغوط الغربية الكبيرة عليها.

لكن أكثر ما يجهله كيليتشدار أوغلو هو ذلك الغطاء الأخلاقي الذي يتدثر به حزب العدالة والتنمية والمتناغم  مع مبادئه، فلم يزر أحد من نوابه أو وزرائه نظام الأسد ولم يدعمه في قتل شعبه بالبراميل المتفجرة، ولم يدعم أحد من حزب العدالة والتنمية حفتر المنقلب على الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، ولم يشارك أحد من أعضاء العدالة والتنمية فاعليات لدعم إرهابيي حزب العمال الكردستاني بغطاء سياسي من خلال حزب الشعوب الديمقراطي، قد يكون تعريف السياسة قديم لدى كيليتشدار أوغلو لذا أنصحه أن يدرس في مدرسة العدالة والتنمية. 

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس