إبراهيم كيراس – صحيفة وطن – ترجمة وتحرير ترك برس

من الخطأ وصف ما حدث من تفجير ومجزرة دموية في سوروج بأنه "تفجير يهدف إلى خلط الأمور داخل تركيا، وأنّ الهدف منه النيل من السلام الأهلي في بلدنا"، وإنما ما حصل فعليا هو مجرد امتداد للصراع المسلح المستمر بين حزب العمال الكردستاني وبين تنظيم داعش، وهذا التفجير ما هو الا امتداد جغرافي وديمغرافي لذلك الصراع الحاصل في شمال سوريا، وسبب ذلك هو أنّ الهيكل الرئيسي لحزب العمال الكردستاني متواجد داخل حدود تركيا، ولا شكّ أنّ الحركة السياسية الكردية أرادت استغلال هذا الحدث وتحويله إلى فرصة يهدفون من خلالها إلى التأثير على القواعد الشعبية، وهذا هو هدف الدعاية الإعلانية الغبية التي تقول "تركيا تدعم داعش".

من المعلوم أنّ فجوة السلطة التي حصلت بعد بدء الحرب الداخلية في سوريا، ساهمت في بروز قوتين لسد هذا الفراغ، هما العناصر المنشقة عن القاعدة والمتمثلة حاليا بتنظيم داعش، والقوة الأخرى هي حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعتبر الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني، والصفة المشتركة لهاتين المجموعتين هي أنهما لم يقاتلا أبدا ضد النظام السوري منذ بدء الحرب الداخلية، وهم في آخر سنتين يتقاتلون فيما بينهم لكسب مهمة السيطرة على شمال سوريا.

وقد أدرك الرأي العام التركي حقيقة هذا الصراع بعد الأحداث التي جرت في كوباني، عندما تعرضت كوباني التي كانت تخضع إلى سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي لهجوم مركز من قبل تنظيم داعش، وحينها قامت الحركة السياسية الكردية بشن حملة دعائية منظمة يقولون فيها أنّ "داعش تقتل الجميع في كوباني دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، والحكومة التركية تغض الطرف عن ذلك، وحتى ربما تكون تدعم داعش".

كان لهذه الحملة الدعائية تأثيرات كبيرة، وتسببت في انفعال الشارع الكردي، والشباب منهم نزلوا إلى الشوارع، خصوصا بعد نداء صلاح الدين دمرطاش وما رافقه من أحداث، والتي أدت في المحصلة لمقتل أكثر من 40 شخصا بريئا ليسوا لهم علاقة بحزب العمال الكردستاني.

حتى لو كانت ادعاءاتهم فيما يتعلق بموضوع كوباني صحيحة، فلا يمكن أنْ تكون الجرائم التي ارتكبوها في الشوارع وفي المدن عمليات شرعية، فكيف عندما تكون تلك الادعاءات كلها مبنية على الكذب والافتراء؟ فأصلا الحديث لم يكن يدور عن قتل للشعب المدني في كوباني، لأنّ كل المدنيين الذين كانوا هناك لجؤوا ودخلوا حدود تركيا.

أما تصوير ما يجري بأنه أفعال مقصودة تهدف إلى "قتل الأكراد" فهو أمر عار عن الصحة، خصوصا وأنّ القوة المنافسة لحزب العمال الكردستاني على الأرض هي تنظيم داعش، وهو تنظيم مسلح يتشكل من مقاتلين معظمهم أكراد، حتى بعض القادة في التنظيم هم من الأكراد.

ومن المؤكد أنّ الأكراد الاشتراكيين يتحاربون مع الأكراد المحافظين من أجل أخذ المنطقة تحت سيطرتهم، ومن المؤكد أيضا أنّ هناك عدة قوى تقف خلفهم، وكما تحدثنا في السابق مرارا وتكرارا أنّ الحرب في سوريا هي حرب وكالة تقاتل فيها المجموعات المسلحة لأهداف الجهات الخارجية، سواء أكانوا مدركين لذلك أم لا.

تسعى دعاية حزب العمال الكردستاني التي يدّعون فيها بأنّ تركيا تدعم داعش، إلى نشر هذه الفكرة على أوسع نطاق بعد أحداث كوباني، ونحن لاحظنا أنّه بعد مجزرة سوروج أرادوا تحميل مسؤولية فاتورة هذه العملية لتركيا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا اتهام باطل وغير عادل، لأنّ الهدف من ذلك فقط زيادة الاحتقان لدى قواعدهم الشعبية، وكذلك فإنّ عناصر التنظيم الموازي والمعارضة التركية اليسارية تسعى جاهدة لنشر مثل هذه الاتهامات، لأنّ هدفهم ليس أكل العنب، وإنما قتل القمح، بينما الواقع واضح جدا، وكما أسلفنا فإنّ الحرب الداخلية في سوريا هي حرب بالوكالة، وتنظيم داعش يتم استخدامه، وهو عُنصر تهديد صريح لتركيا.

من المؤكد أنّه بالإمكان انتقاد سياسة تركيا تجاه سوريا، ونحن منذ بدء الأحداث انبرت ألستنا في انتقاد أخطاء السياسة التركية تجاه المسألة السورية، لكن الانتقاد شيء، وأنْ تكون أداة في يد جهة خارجية شيء آخر، وهذا ما يجب أنْ يدركه المثقفون من القوميين ومن اليساريين.

عن الكاتب

إبراهيم كيراس

كاتب في صحيفة ستار


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس