سليمان سيفي أوغون - يني شفق (09.04.2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

ابتداءً من حرب الخليج، فقدت العمليات التدميرية التي أطلقتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط نجاحها الذي حققته حتى اليوم في لحظة واحدة. نحن أمام لحظة ذات أهمية تاريخية. لندخل في صلب الموضوع مباشرة: الولايات المتحدة هُزمت في إيران.

لنعد إلى البداية ونتذكر الأجواء عشية الحرب. بينما كانت التهديدات تتطاير في الهواء، كانت التقديرات تنقسم إلى مسارين مختلفين. بعضهم كان يرى أن هذه الحرب ستكون كارثة كاملة بالنسبة للولايات المتحدة، ولذلك—رغم ضغوط إسرائيل—ستبقى واشنطن بعيدة عنها. هؤلاء كانوا يرون أن هناك عقلانية داخل البيت الأبيض تدعم هذا التوجه، وأن المؤسسة الأمريكية لن تخاطر بهذا الرهان، رغم وجود قائد غير متزن مثل ترامب. في المقابل، كان هناك من يعتقد عكس ذلك، وكنت أنا منهم. كنت أرى أن ترامب ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية المؤسسية الأمريكية، وأن من بقي منها—رغم محاولات التصفية—قد تم ترويضه. وأصبح المشهد بيد شخصيات مثل هيغسيث وروبيو. وفي تلك الأثناء، كان نتنياهو يزور الولايات المتحدة باستمرار، محاولًا التأثير على ترامب. وفي النهاية، خرج السهم من القوس، وبدأت الحرب.

أما تقديراتي لمسار الحرب، فقد كانت مرتبطة بالزمن. فقد قلت إنه إذا تمكنت إيران من الصمود لمدة أسبوعين، فإن الكفة ستميل لصالحها. وبعد انقضاء هذه المدة، أعلنت حكمي النهائي في برنامج “غرفة العقل”، وصرحت بوضوح أن الولايات المتحدة خسرت هذه الحرب بكل الأشكال وعلى عدة مستويات.

وخلال استمرار الحرب، حدثت واقعتان جانبيتان عززتا قناعتي. الأولى جاءت من داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد انقسمت حركة “ماغا” التي أوصلت ترامب إلى السلطة إلى قسمين: قسم صهيوني، وقسم آخر يعارض الصهيونية أو على الأقل يقف منها على مسافة. وكان اغتيال تشارلز كيرك أول مؤشر على ذلك. كما أن تاكر كارلسون، وهو من أبرز صناع الرأي، بدأ يوجه انتقادات حادة ومتواصلة لما يسميه “حب إسرائيل”. وقد بدأ التأييد التقليدي لإسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي بالتآكل بسرعة. ومن التطورات اللافتة استقالة جو كينت، الذي عيّنه ترامب مديرًا للاستخبارات وأغدق عليه المديح، بعد توجيهه انتقادات شديدة للبيت الأبيض. ثم تتابعت الأحداث ككرة الثلج، وكان آخرها موجة إقالات الجنرالات، ما خلق أجواء انهيار داخلي في الولايات المتحدة.

أما التطور الثاني فجاء من روسيا والصين. فبينما كانت التهديدات الأمريكية ضد إيران تتصاعد عشية الحرب، لم يصدر أي رد فعل من هاتين الدولتين، ما أعاد إلى الأذهان ما حدث في فنزويلا حين أُطيح بمادورو دون تدخل يُذكر منهما. وقد اعتبر بعض المحللين هذا الصمت دليل ضعف، لكن الزمن أثبت عكس ذلك. فقد كان صمتهما نتيجة استعداد عميق. ففي الوقت الذي كان فيه العقل المؤسسي الأمريكي مكبوتًا، كان نظيره في روسيا والصين يعمل بكامل طاقته. وامتد “الشلل العقلي” الذي بدأ في إسرائيل إلى الولايات المتحدة، حيث كان نتنياهو وترامب يتبادلان هذا التأثير. وقد شكل ذلك فرصة مثالية لإضعاف واشنطن.

وقدمت الصين وروسيا دعمًا كبيرًا لإيران، بدءًا من تشغيل أنظمة الأقمار الصناعية والإشارات. ومع مرور الوقت، تحسنت دقة الصواريخ الإيرانية بشكل ملحوظ. كما تم رصد طائرات شحن صينية وروسية تهبط في إيران بشكل متواصل، محمّلة بأسلحة غير معلومة حتى الآن.

أما بالنسبة للخسائر، فقد تعرضت القواعد الأمريكية في الخليج، التي تتولى حماية الدول العربية، لضربات قاسية. وتم تعطيل أنظمة الرادار الأمريكية، ولم تعد السفن الأمريكية قادرة على التحرك بحرية. ولم تتمكن حاملات الطائرات والطرادات من الاقتراب. كما تم إسقاط مروحيات وطائرات مختلفة، بما في ذلك طائرات إف-35 الشهيرة. صحيح أن إيران تكبدت خسائر كبيرة أيضًا، لكن كل ضربة زادت من عزيمتها، وخلقت حالة من التلاحم الوطني. وكان أحد أهداف الحرب إسقاط النظام، لكن العكس هو ما حدث، إذ التف الشعب حوله.

وفي ظل تعثرها، لجأت الولايات المتحدة إلى طلب الدعم من دول الخليج والحركات الكردية وحلف الناتو، لكن الأبواب أُغلقت في وجهها، ووجدت نفسها وحيدة مع إسرائيل. ثم فكرت في تصعيد الموقف عبر عملية برية، لكنها أدركت حجم التكلفة. وفي النهاية، سعت إلى وقف إطلاق النار بمساعدة ثلاثي باكستان وتركيا ومصر. ووافقت إيران على ذلك بعد قبول خطة تفاوض من عشر نقاط. والآن، تبدو الكفة في صالح هذا المحور، ويمكن القول إن ما حدث يمثل انتصارًا لإيران، وكذلك للصين وروسيا، على الولايات المتحدة.

واليوم، تقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد أن انهار نظامها، وأصبحت دولة جريحة فقدت هيبتها ومصداقيتها، وانتهت هيمنتها فعليًا. وخلال الفترة المقبلة، ستشهد الولايات المتحدة والنظام العالمي تغييرات كبيرة. وسنرى هذه التغيرات تتوالى. أما المؤكد حاليًا، فهو أن كل من يراهن على الناتو والولايات المتحدة في التوازنات الجديدة سيكون خاسرًا.

عن الكاتب

سليمان سيفي أوغون

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس