ترك برس

استعرض مقال تحليلي للكاتب والإعلامي التركي كمال أوزتورك، التحركات الدبلوماسية المكثفة التي قادتها عدة دول، على رأسها تركيا، لاحتواء التصعيد في المنطقة، لكنه يخلص إلى أن هذه الجهود لم تعد كافية في ظل استمرار التوترات والهجمات. 

ومن هنا يطرح أوزتورك، في مقاله بموقع الجزيرة نت، فكرة الانتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى بناء إطار سياسي أوسع، عبر توسيع التحالف الرباعي الذي يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان ليشمل إسبانيا، تمهيدًا لتأسيس “تحالف المتوسط السياسي”. 

ويرى أن هذا التحالف، المستند إلى الروابط الحضارية في البحر المتوسط، يمكن أن يشكل بديلاً عمليًا للتحالفات التقليدية، وأن يسهم في إدارة الأزمات الإقليمية وصياغة نظام جديد أكثر توازناً واستقراراً. وفيما يلي نص المقال:

من أجل إيجاد حل لوقف الأزمة التي تعصف بالمنطقة، بادر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بالاتصال بالرئيس التركي أردوغان، وناقشا ما يجب فعله.

شرح أردوغان لسانشيز تفاصيل لقاءاته مع عشرات القادة، ومخاوفه بشأن المنطقة، والخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها. وعلى الرغم من أنهما لا يتحدثان اللغة نفسها، فإنهما كانا يتشاركان الفكرة والمخاوف والرؤية ذاتها.

وفي التوقيت نفسه، كانت هناك مئات التحركات الدبلوماسية تجري بين عشرات الدول، من باكستان إلى قطر، ومن إنجلترا إلى المملكة العربية السعودية.

وعندما علمتُ بتفاصيل حركة لقاءات رئيس الجمهورية التركي، ووزير الخارجية، ورئيس جهاز الاستخبارات، أدركتُ أن هذا أكبر نشاط دبلوماسي شهدته السنوات الأخيرة.

وحين أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن جهودهم الكبيرة من أجل وقف إطلاق النار، تبين أنه كان أيضا على تواصل مع عشرات الدول.

وبينما كان هناك توجه للاتفاق على وقف إطلاق النار في نهاية المطاف، شنت إسرائيل أكبر هجوم لها في السنوات الأخيرة، مما تسبب في مقتل 254 شخصا وإصابة الآلاف في لبنان.

لقد كانت هذه الهجمات في الواقع بمثابة قنبلة ألقيت على مشروع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار.

ما أريد الوصول إليه هو: أن الجهود الدبلوماسية قيمة للغاية، لكنها لم تعد كافية لوقف العدوان الإسرائيلي. لذا، أصبح من الضروري الانتقال إلى خطوة أبعد.

يجب إضافة إسبانيا إلى هيكل التحالف الرباعي

إن مساعي الدول الأربع لتأسيس تحالف، وهو الأمر المطروح على الأجندة منذ فترة وتمت مناقشته في اجتماعين ملموسين، قد تلعب دورا حيويا تحديدا في هذه الأيام؛ فتركيا، والسعودية، وباكستان، ومصر تتحدث فيما بينها حول هذا الموضوع وتحرز تقدما.

وأرى أنه من الممكن المضي قدما عبر تغيير هيكلية هذا التحالف قليلا؛ حيث إن إسرائيل التي تحاول خنق هذا التحالف بمفاهيم مثل "الهلال السني" أو "ناتو إسلامي" لم تجد ضالتها بعد، لكنها لا تزال تحاول.

من الممكن توسيع هذا الهيكل وجعله أكثر سياسية ودبلوماسية من خلال ضم إسبانيا إليه، والنقطة المشتركة هنا هي "حضارة البحر المتوسط".

إن متابعي هذه الزاوية يعلمون أنني أدافع منذ فترة طويلة عن هذه الفكرة التي أطلقتُ عليها اسم "تحالف المتوسط"؛ فبينما يتفكك النظام العالمي، ويضعف الاتحاد الأوروبي، وتبرز الحاجة إلى أنظمة وتحالفات جديدة، يمكن لـ"تحالف المتوسط" أن يقدم مساهمة كبيرة في حل المشكلات.

تحالف المتوسط السياسي

يتحدث المؤرخ والمفكر الفرنسي الشهير فرناند بروديل في كتابه الفريد "البحر المتوسط والعالم المتوسطي"، عن كيف أن دول الشرق والغرب هي في الواقع أجزاء من حضارة مشتركة. ولهذه الحضارة ثقافة ومشاعر وتاريخ وتقاليد ووجهات نظر سياسية مشتركة.

وإن عشرات الدول وعشرات الشعوب، من إسبانيا إلى لبنان، ومن تركيا إلى فرنسا، هي أجزاء مشتركة في هذه الثقافة.

والآن، برزت أمامنا فرصة لتحريك هذه الحضارة المشتركة ضد الأزمة التي تشهدها المنطقة؛ إذ بدأت المواقف السياسية ووجهات النظر وسبل الحل للعديد من الدول تتماثل تجاه هذه الأزمة.

في الوقت الحالي؛ تهيأت الأرضية والظروف لتأسيس "تحالف المتوسط السياسي". وليس بالضرورة أن يكون هذا التحالف في المجالين العسكري والدفاعي، فلقد ظهرت القيمة الكبيرة للحوار والوحدة السياسية التي بدأتها الدول الإسلامية الأربع خلال عملية وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي مقابل تهديد ترمب بـ"تدمير الحضارة"، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بفضل الجهود الرائعة لباكستان ودعم الدول الأخرى. أما إسرائيل فقد خربت هذه العملية بقصف وقف إطلاق النار هذا.

وقد أعرب الرئيس أردوغان عن رد فعله تجاه إسرائيل في محادثته مع سانشيز قائلا: "يجب ألا نسمح لأي أحد بإحراق جهود وقف إطلاق النار".

الآن، يجب دعوة إسبانيا للانضمام إلى الرباعي: تركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وباكستان؛ فإسبانيا، التي تمثل صوت الضمير في أوروبا، سيكون لديها الكثير لتقدمه للجهود المبذولة من أجل إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

وأنا واثق تماما من أن فرنسا وإيطاليا، اللتين تشكلان جزءا من المتوسط وتهتمان بالمنطقة، ستنضمان إلى هذا التحالف السياسي في وقت قصير.

وبشكل طبيعي، ستنضم أيضا الدول المطلة على المتوسط مثل لبنان، وسوريا، وليبيا، وتونس، والمغرب، ومالطا، وغيرها من دول المنطقة التي تؤمن بهذه الفكرة السياسية.

يجب أن يكون البحر المتوسط مركز الجذب الجديد

حوض البحر المتوسط هو المكان الذي تأسست فيه أكثر حضارات العالم خصوبة وثراء. ولا تزال هذه المنطقة هي المجال الأكثر إستراتيجية لموارد الطاقة والثروات الباطنية، وللمواصلات البحرية والبرية، وللموقع الجيوسياسي.

وبعد الأزمة التي دخل فيها الشرق الأوسط، لن تعود المنطقة أبدا كما كانت في السابق؛ فقد بدأت بالفعل مساعٍ وتطلعات جديدة في كل المجالات.

لقد أدركت الدول التي تشكل جزءا من هذه الجغرافيا الآن أنه يتعين عليها تقرير مصيرها بنفسها. وإذا وحدت دول المنطقة قواها، بدءا من الصناعات الدفاعية وصولا إلى الاقتصاد، ومن التكنولوجيا إلى التمويل، فستنبثق عن ذلك قوة هائلة.

لنتألم للدمار الذي تخلفه الأزمات، ولكن دعونا نفكر أيضا في بناء عالم تعيش فيه الأجيال القادمة بسلام، وذلك من خلال التركيز على الفرص التي تبرز في الوقت ذاته. 

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!