
يحيى بستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
بينما كانت الوفود الأمريكية والإيرانية تتفاوض في بورغنشتوك السويسرية، كان يُعقد بالتوازي في القاهرة اجتماع مهم. فقد اجتمع وزراء خارجية تركيا وباكستان ومصر والسعودية في إطار الاجتماع التنسيقي الرابع. ومن خلال التصريحات الصادرة نفهم أن حركة اتصالات هاتفية مكثفة جرت بين القاهرة وبورغنشتوك أثناء اللقاء. لكن من الواضح أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية لم تكن الموضوع الوحيد المطروح على جدول أعمال القاهرة.
إطلاق اسم على الآلية
لا بد أن الاجتماع تناول العديد من الملفات، مثل مخاطر ما بعد الحرب، والبنية الإقليمية الجديدة، وسبل كبح جماح إسرائيل في غزة ولبنان وسوريا. وبرأيي، فإن أهم نتيجة لاجتماع القاهرة هي أنه جرى أخيراً منح هذه الآلية التنسيقية اسماً رسمياً. فقد أطلقت الدول الأربع على هذه الآلية اسم «آر4» (الرباعي الإقليمي). وتُعد هذه التسمية، من إحدى الزوايا، إعلاناً عن التوجه نحو الطابع المؤسسي. وسنرى ما إذا كان لهذا المسار استمرارية، وما إذا كان «آر4» سيتحول إلى ميثاق دفاعي أوسع نطاقاً.
وكان أحد أسباب إشعال إسرائيل للحرب مع إيران هو تضييق هامش حركتها في فلسطين. فاحتمال قيام دولة فلسطينية يثير ذعرها الشديد. تذكروا أنه بينما كانت الهجمات على غزة مستمرة، اجتمعت الدول الأعضاء في مجموعة الاتصال الخاصة بغزة، التي تأسست بمبادرة من أنقرة وشاركت فيها ثماني دول، مع ترامب في سبتمبر/أيلول 2025، وتم إقناع الرئيس الأمريكي بوضع خارطة طريق توقف الإبادة الجماعية في غزة. وكان إطار الخطة يشير إلى حل الدولتين. وقد كرّست إسرائيل كل طاقتها لعرقلة تنفيذ الخطة عبر تعقيد الأوضاع في غزة وإثارة أزمة أكبر لتغيير جدول الأعمال.
مساحة إسرائيل ستتقلص
كانت الحرب مع إيران هي تلك الأزمة الكبرى. فقد منحت تل أبيب فرصة صرف الأنظار عن غزة، وضرب إيران التي تُعد هدفها الأكبر، وتحقيق مكاسب إقليمية في لبنان وربما في سوريا أيضاً. وستسعى إسرائيل إلى استخدام هذه المكاسب مستقبلاً في المفاوضات وفق منطق «تقليل الخسائر من الأرباح». لكن مع الفشل العسكري والاستراتيجي في إيران، وتحميل الولايات المتحدة حكومة نتنياهو مسؤولية هذا الفشل، بدأت الرياح تتغير. ونحن ندخل الآن مرحلة ستتقلص فيها مساحة الحركة الإسرائيلية. وهناك مؤشرات قوية على اتخاذ خطوات جديدة في هذا السياق.
وقد كنت لخّصت في الأيام الأولى للحرب ما كان ينبغي فعله: إذا لم تستطع تركيا إيقاف الحرب، فعليها أن تؤثر في نتائجها. وكان ينبغي إعادة تشكيل البنية الإقليمية الجديدة بما يخدم مصالح دول المنطقة. وأولاً، كان يجب إخراج ترامب من دائرة التأثير الإسرائيلي كما حدث في ملف غزة (انظر: «على أعتاب قرارات صعبة في إيران»، 6 مارس/آذار). وما يجري اليوم هو بالضبط ذلك. فالبنية الإقليمية الجديدة تتشكل حول «آر4». وقد بدأنا نرى مؤشرات ذلك في مشاريع الطاقة (تركيا، العراق، سوريا) ومشاريع النقل (تركيا، سوريا، الأردن، السعودية، العراق).
هل يمكن أن نشهد قمة مفاجئة في الناتو؟
ومن الخطوات المتوقعة أيضاً، مع اقتراب إغلاق ملف إيران، إدارة الملف اللبناني بصورة صحيحة وإعادة توجيه الاهتمام نحو غزة. ومن خلال ما أفهمه، هناك استعدادات جارية في هذا الاتجاه أيضاً. وقد يكون من الممكن أن يجتمع مجدداً الرئيس الأمريكي ترامب مع قادة الدول الثماني الأعضاء في مجموعة الاتصال الخاصة بغزة، والتي يشكل «آر4» نواتها الأساسية. وقد تشكل قمة الناتو التي ستُعقد في أنقرة (ومن المرجح أن يحضرها ترامب وقادة الخليج أيضاً) أرضية مناسبة لمثل هذا اللقاء. وإذا انعقد هذا الاجتماع، فقد يتمكن قادة الدول الثماني من إعادة تركيز اهتمام ترامب على غزة.
غير أن الأمر أشبه بمصارعة أذرع. فإسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي بالطبع. إذ ستقوم بمحاولات لإفشال المفاوضات الأمريكية الإيرانية والحيلولة دون فقدان أرضيتها الاستراتيجية، ولا سيما في لبنان وربما في سوريا أيضاً. وستحاول فرض أجندتها الخاصة على المنطقة. كما ستسعى إلى كسب الوقت لتوسيع الاحتلال في الضفة الغربية. ولنكرر مجدداً: الهدف الأساسي لإسرائيل هو القضاء على احتمال قيام دولة فلسطينية، بالتوازي مع استمرار احتلالها في الدول المحيطة.
التشديد على 2 و5 و10 سنوات
كما تشير التطورات الجارية إلى أن إسرائيل أجرت «تحديثاً لقائمة أعدائها». فملف تركيا لم يعد في إسرائيل مجرد مادة انتخابية. بل إن ما يسمى بالتهديد القادم من «المحور الشيعي» بدأ يحل محله «المحور السني» (والمقصود هنا خط تركيا – سوريا – باكستان – قطر، بينما لا تزال دول الخليج غير مدرجة ضمن هذا التصور). وقد انعكس هذا التحول على التصريحات الرسمية أيضاً. وقد لفت انتباهي بشكل خاص تصريح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي شيكلي، الذي قال: «علينا أن نستعد ليس لإيران بعد سنتين أو خمس أو عشر سنوات، بل لتركيا». ومن المعروف أن إسرائيل تسعى إلى الحد من تأثير أي فاعل صاعد قبل أن يتحول إلى قوة رادعة. أما المدد الزمنية المذكورة فربما تعكس نقاشات تدور في الدوائر الداخلية.
ولم تعد معاداة إسرائيل لتركيا محصورة في المستوى الخطابي. فهي تحاول ترجمة ذلك عملياً في المجال الأمني من خلال بناء بنية تحتية دولية لهذا الغرض. وسأنقل هنا خبرين لم يحظيا بالاهتمام الكافي:
أولاً: كتبت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن «الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات كشفت هويات خمسة عناصر من حماس يديرون من تركيا أنشطة عسكرية تستهدف إسرائيل والضفة الغربية».
ثانياً: كتبت وسائل الإعلام القبرصية اليونانية أن «الفلسطينيين الذين أُلقي القبض عليهم في قبرص واليونان مرتبطون بشبكة إرهابية تنشط على مستوى أوروبا، وكانوا يخططون لتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين في قبرص واليونان، كما أن أعضاء من حماس تمكنوا من الوصول إلى المناطق المحتلة عبر تركيا...».
ومن خلال هذه الأخبار يمكنكم أن تروا كيف تحاول إسرائيل رسم صورة لتركيا. كما أن الشطر القبرصي اليوناني واليونان يؤديان دور البيادق الطوعية في هذه اللعبة القذرة التي تديرها إسرائيل. كنت سأقول إن هذا لا يليق بعلاقات الجوار، لكننا تجاوزنا تلك المرحلة منذ زمن بعيد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












