د. عثمان غازي كاندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

تُغيّر الحرب في أوكرانيا المسلّمات الأساسية المتعلقة بكيفية إدارة الحروب الحديثة.

ومن أحدث الأمثلة على هذا التغيير، برنامج الابتكار الجديد الذي أطلقه حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتعاون مع أوكرانيا، والذي يركّز على تطوير تقنيات من شأنها أن تجعل القواعد الجوية الروسية غير قابلة للاستخدام لفترات طويلة.

قد تبدو هذه المبادرة، للوهلة الأولى، وكأنها مسابقة تقنية، لكنها في الواقع تكشف عن إعادة تشكيل المقاربة المتعلقة بالقوة الجوية.

ويرتكز البرنامج على مفهوم يُعرّف باسم "تعطيل القواعد الجوية بشكل دائم". ويتمثل الهدف في تطوير حلول لا تقتصر على إحداث أضرار مؤقتة في المدارج، بل تجعل أعمال الإصلاح أكثر صعوبة، وتؤدي إلى تعطيل العمليات الجوية لفترات طويلة.

ولهذا الغرض، يُطلب من القطاع الخاص، وشركات التكنولوجيا، وفرق البحث، تقديم مقترحاتها. وبهذه الطريقة، يُستهدف إنشاء شبكة ابتكار أكثر مرونة وسرعة، بدلاً من نموذج تطوير التكنولوجيا الذي كانت تحدده شركات الصناعات الدفاعية الكبرى على مدى سنوات.

ويقف وراء هذا التوجه ما أفرزته الحرب في أوكرانيا من خبرات عملية. فعلى مدى العامين الماضيين، نفذت أوكرانيا العديد من الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة ضد قواعد جوية روسية تقع خلف خطوط الجبهة.

ولم تستهدف هذه العمليات الطائرات فحسب، بل أظهرت أيضاً أن المدارج، ومناطق الصيانة، ومستودعات الوقود، والبنية التحتية اللوجستية، تُعد جميعها أجزاء لا تتجزأ من العمليات الجوية. وحتى إذا بقيت القاعدة الجوية قائمة من الناحية المادية، فإن تعذر استخدام مدارجها قد يفقدها إلى حد كبير قيمتها العملياتية.

ويشير ذلك إلى تحول لافت في مفهوم التفوق الجوي. ففي الماضي، كانت الطريقة الأساسية لتعطيل القوات الجوية تتمثل في تدمير طائرات العدو، سواء في الجو أو على الأرض. أما اليوم، فيُنظر إلى إمكانية تحقيق النتيجة نفسها من خلال منع الطائرات من الإقلاع. ولم يعد الهدف يقتصر على المنصات الجوية، بل يشمل أيضاً البنية التحتية التي تُبقيها عاملة.

وقد أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية المختبر الأكثر وضوحاً لهذا التحول. فمع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة بعيدة المدى، بات واضحاً أن المنشآت العسكرية الواقعة في العمق لم تعد آمنة كما كانت في السابق.

ومع تعرض حتى القواعد الجوية الواقعة على بعد مئات الكيلومترات من خطوط الجبهة لخطر الهجمات، تبيّن أيضاً أن أنظمة الدفاع الجوي ليست قادرة على صد جميع التهديدات.

ولهذا السبب، يضع البرنامج الجديد للناتو أسس مفهوم عملياتي جديد للصراعات المستقبلية. ولا سيما في سيناريوهات الحروب عالية الكثافة، حيث بدأت حماية القواعد الجوية وتعطيل القواعد الجوية للخصم تتصدر أولويات التخطيط العسكري.

ومن العناصر اللافتة الأخرى الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص. فخلال الحرب في أوكرانيا، تمكنت العديد من شركات التكنولوجيا الصغيرة، اعتماداً على التغذية الراجعة الواردة من الجبهة، من تطوير أنظمة مسيّرة جديدة، وبرمجيات، وحلول للحرب الإلكترونية خلال فترة زمنية قصيرة.

وبالنظر إلى أن عمليات التوريد الدفاعي التقليدية قد تستغرق سنوات، فقد وفر هذا المستوى من السرعة ميزة مهمة.

ويستند النموذج الجديد الذي اعتمده الناتو أيضاً إلى هذه التجربة. ففي الوقت الذي تحتفظ فيه المشاريع الدفاعية الكبرى بأهميتها على المدى الطويل، يهدف البرنامج إلى الاستفادة من الحلول المبتكرة التي تقدمها الشركات الصغيرة، بما يسمح بتلبية الاحتياجات التي تبرز في ميدان المعركة خلال فترة أقصر.

ويمثل هذا التطور أيضاً مؤشراً على التحول الذي تشهده الصناعات الدفاعية. ففي حين كانت التقنيات العسكرية المتقدمة تُطوّر في الماضي عبر برامج ضخمة ذات ميزانيات كبيرة، باتت الأنظمة الأقل تكلفة اليوم قادرة على تحقيق نتائج استراتيجية.

وتُعد الطائرات المسيّرة، وبرمجيات تحديد الأهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار المتطورة، من أبرز الأمثلة على ذلك.

وفي المقابل، تُظهر الإجراءات التي اتخذتها روسيا أيضاً إدراكها لهذا التغيير.

فقد بدأ خلال الفترة الأخيرة تشييد ملاجئ محصنة في بعض القواعد الجوية التي تتمركز فيها القاذفات الاستراتيجية، وهو ما يشير إلى أن حماية القواعد الجوية لم تعد تُعد كافية بالاعتماد على أنظمة الدفاع الجوي وحدها.

كما يكشف تعزيز إجراءات الحماية المادية عن الإقرار بأن القواعد الواقعة في العمق أصبحت هي الأخرى تحت تهديد دائم.

وتشير جميع هذه التطورات إلى أن أهمية البنية التحتية ستزداد أكثر فأكثر في مستقبل الحروب الجوية. فالمدارج، وممرات التحرك، وحظائر الصيانة، ومنشآت الوقود، لم تعد مجرد عناصر دعم، بل أصبحت تُعد أهدافاً استراتيجية مباشرة.

وباتت فعالية أي قوة جوية ترتبط ليس فقط بعدد الطائرات التي تمتلكها، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية هذه البنية التحتية.

ومن هذا المنطلق، تمثل المبادرة التي أطلقها الناتو خطوة مهمة نحو إضفاء الطابع المؤسسي على الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا.

ومع إعادة تعريف مفهوم التفوق الجوي، يُقدَّر أن الطرف القادر في صراعات المستقبل على جعل مدارج الإقلاع غير صالحة للاستخدام سيتمكن من الحد بصورة كبيرة من القوة الجوية لخصمه.

وفي الوقت الذي تُسرّع فيه الخبرات المكتسبة على الجبهة الأوكرانية من وتيرة تطور تقنيات الحرب، فإنها تعيد أيضاً تشكيل العقائد العسكرية. ويبرز برنامج الناتو الجديد بوصفه أحد أحدث الأمثلة التي تُظهر أن هذه الدروس أصبحت جزءاً من التخطيط طويل الأمد.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!