
ترك برس
تُعد مدينة أفروديسياس الأثرية واحدة من أبرز الكنوز الحضارية في تركيا ومن أهم المواقع الأثرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، إذ تختزل في معالمها قرونًا من التاريخ والفنون والعمارة الكلاسيكية التي ازدهرت في العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية.
وتمثل المدينة نموذجًا فريدًا للتفاعل بين الطبيعة والإنسان، حيث أسهم موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية في تحويلها إلى مركز حضاري وثقافي وفني ترك بصمته في تاريخ العالم القديم. وقد تُوجت هذه القيمة الاستثنائية بإدراج المدينة، إلى جانب محاجر الرخام التاريخية المجاورة لها، على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2017، اعترافًا بأهميتها الإنسانية والحضارية.
تقع مدينة أفروديسياس ضمن حدود حي غييره التابع لقضاء قره جاسو في ولاية أيدن غربي تركيا، فوق هضبة ترتفع بنحو 600 متر عن سطح البحر، في وادٍ خصب شكله نهر داندالاز، أحد روافد نهر مندريس التاريخي.
وقد وفر هذا الموقع للمدينة بيئة طبيعية ملائمة للاستقرار والنمو منذ عصور ما قبل التاريخ، إذ كانت الأراضي الزراعية الخصبة والمياه الوفيرة عاملين رئيسيين في ازدهارها عبر آلاف السنين.
غير أن العنصر الأكثر تأثيرًا في تاريخ المدينة لم يكن الزراعة وحدها، بل الثروة الرخامية الهائلة الموجودة شمالها عند سفوح جبل باباداغ. فقد شكلت محاجر الرخام القريبة المصدر الرئيسي لازدهار أفروديسياس الاقتصادي والفني، إذ وفرت خامًا عالي الجودة مكّن حرفييها ونحاتيها من إنتاج أعمال فنية استثنائية أصبحت لاحقًا من أشهر نماذج النحت في العالم القديم.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن تاريخ الاستيطان في أفروديسياس يعود إلى منتصف الألف الخامس قبل الميلاد، ما يجعلها من أقدم مراكز الاستقرار البشري في المنطقة. وخلال القرن السادس قبل الميلاد كانت مجرد قرية صغيرة، لكنها شهدت تحولًا كبيرًا في القرن الثاني قبل الميلاد مع اتساع حركة التحضر في وادي مندريس، لتصبح مدينة مستقلة تتمتع بوضع "دولة-مدينة" أو "بوليس"، وهو ما فتح أمامها مرحلة جديدة من التطور السياسي والاقتصادي والثقافي.
وازداد شأن المدينة خلال القرن الأول قبل الميلاد بفضل علاقاتها الوثيقة مع روما. فقد حظيت بمكانة خاصة لدى أوكتافيان، الذي أصبح لاحقًا الإمبراطور أغسطس، والذي عبّر عن تقديره لها بقوله: "من بين مدن آسيا كلها اخترت هذه المدينة لنفسي."
وبفضل هذه الرعاية الإمبراطورية منحها مجلس الشيوخ الروماني عام 39 قبل الميلاد امتيازات واسعة، من بينها الإعفاء الضريبي والحكم الذاتي، الأمر الذي وفر لها ظروفًا مثالية للنمو والازدهار لتتحول إلى واحدة من أهم مدن آسيا الصغرى في العصر الروماني.
وتنبع الأهمية الأثرية لأفروديسياس من حفاظها الاستثنائي على مبانيها الرخامية ومنشآتها العامة، إضافة إلى النقوش البارزة والكتابات التاريخية التي توثق مراحل تطورها بين العصر الهلنستي المتأخر والعهدين الروماني والبيزنطي.
ويتيح هذا الإرث الثري للباحثين فرصة نادرة لفهم طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والفنية في تلك الحقب التاريخية، كما يعكس حجم التبادل الفكري والثقافي الذي شهدته المدينة مع مختلف أنحاء العالم المتوسطي.
واكتسبت أفروديسياس شهرة عالمية خاصة بوصفها إحدى أهم مدارس النحت في الإمبراطورية الرومانية. فمنذ القرن الأول وحتى القرن الخامس الميلادي تخرج فيها عدد كبير من النحاتين الذين حملت أعمالهم توقيعاتهم وانتشرت في روما وفي مختلف أقاليم الإمبراطورية.
وأسهم القرب الاستثنائي لمحاجر الرخام من المدينة في توفير المادة الخام بكميات كبيرة وجودة عالية، وهو ما جعلها مركزًا متقدمًا لإنتاج المنحوتات الرخامية، ومختبرًا حيًا لتطور الفنون والعمارة الرومانية في إقليم آسيا.
ولم تقتصر أهمية المدينة على الفن والعمارة فحسب، بل ارتبطت أيضًا بكونها مركزًا دينيًا بارزًا في العالم القديم. فقد حملت اسمها من معبد ومزار الإلهة أفروديت، الذي لعب دورًا محوريًا في تشكيل هوية المدينة، بينما امتد تأثير الطقوس الخاصة بعبادة أفروديت فيها إلى مناطق واسعة من حوض البحر الأبيض المتوسط، لتصبح المدينة أحد أبرز المراكز الدينية والثقافية في تلك الحقبة.
واعترافًا بهذه القيمة التاريخية والفنية والدينية الفريدة، أُدرجت مدينة أفروديسياس الأثرية، إلى جانب محاجر الرخام التاريخية الواقعة على بعد نحو كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات شمال شرقيها، على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2017، باعتبارها شاهدًا استثنائيًا على ازدهار الحضارة الكلاسيكية وعلى الدور المحوري الذي لعبته في تطور فن النحت والعمارة والثقافة في العالم القديم.
واليوم، لا تمثل أفروديسياس مجرد موقع أثري يحتفظ ببقايا حضارة غابرة، بل تعد متحفًا مفتوحًا يروي قصة مدينة استطاعت بفضل موقعها وثروتها الطبيعية وإبداع فنانيها أن تخلد اسمها في سجل الحضارة الإنسانية، وأن تظل واحدة من أهم الوجهات الأثرية والثقافية في تركيا والعالم، يقصدها الباحثون وعشاق التاريخ لاستكشاف إرث حضاري يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











