ترك برس

تناول مقال للكاتب والمحلل التركي إسماعيل ياشا، الزيارة غير المعلنة لرئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركي إبراهيم قالن إلى العاصمة اليونانية أثينا، والرسائل التي حملها إلى القيادة اليونانية في ظل تصاعد التعاون العسكري بين اليونان وإسرائيل. 

يناقش الكاتب في مقاله بصحيفة "عربي21"، مساعي أنقرة لطمأنة أثينا إلى أن تركيا لا تمثل تهديدا لها، بالتوازي مع تحذيرها من الانجرار إلى خطوات قد تمس الأمن القومي التركي أو تخدم المصالح الإسرائيلية في شرق المتوسط.

كما يستعرض تداعيات صفقة منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية لليونان، والمصالح الاقتصادية التي تربط أنقرة وأثينا، ولا سيما السياحة، وصولا إلى التساؤل عما إذا كانت تركيا قادرة على تحييد اليونان وسحب "الورقة اليونانية" من يد إسرائيل في ظل التنافس الإقليمي المتصاعد.

وفيما يلي نص المقال:

قام رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم قالن، قبل أيام، بزيارة غير معلنة للعاصمة اليونانية، أثينا، والتقى خلالها نظيره اليوناني ثيميستوكليس ديميريس. ونقل قالن رسائل من أنقرة إلى أثينا تحمل نصائح قيّمة لتخفيف مخاوف اليونان من منطلق حسن الجوار، ولكنها في ذات الوقت تحتوي تحذيرات هامة. وجاءت هذه الزيارة المفاجئة قبيل الإعلان عن توقيع اتفاق في تل أبيب ستنشئ إسرائيل بموجبه منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في اليونان تعتمد بالكامل على أنظمة إسرائيلية الصنع.

قالن ناقش مع نظيره اليوناني ملفات العلاقات الثنائية وشرق المتوسط وبحر الجزر، وأبدى الجانبان، وفقا لمصادر إعلامية يونانية، رغبة في عدم التصعيد، والحفاظ على الهدوء في العلاقات بين البلدين. وكانت رسائل أنقرة واضحة غاية الوضوح: تركيا ليست تهديدا لليونان، ولكنها لن تسمح أبدا لأحد بالإقدام على خطوات تمس أمنها القومي ومصالحها. وبعد زيارة قالن لأثينا، أشار وزير الخارجية اليوناني جيورجوس جيرابتريتيس، في منتدى اقتصادي أقيم ضمن فعاليات معرض سالونيك الدولي، إلى أهمية تخفيف التوترات الناجمة عن الأزمات والحفاظ على حسن العلاقات مع جيران اليونان.

زيارة قالن لأثينا والرسائل التي حملها؛ متعلقة أيضا بالتوتر بين تركيا وإسرائيل. وترى أنقرة أن إسرائيل تسعى إلى استغلال مخاوف اليونان للضغط على تركيا من جبهتها الغربية، ولذلك تحاول الحكومة التركية أن تطمئن أثينا لتحييدها في الصراع التركي الإسرائيلي.

وكانت إسرائيل تخطط أن تستغل الأكراد ضد تركيا إلا أن أنقرة سحبت تلك الورقة من يد تل أبيب من خلال مشروع "تركيا بلا إرهاب"، ومن المؤكد أن الأيام القادمة هي التي ستكشف مدى نجاح الجهود التركية الرامية إلى سحب الورقة اليونانية من يد إسرائيل ومدى اقتناع أثينا بأن تركيا لا تشكل تهديدا لجيرانها.

اليونان لا تستطيع أن تخوض سباق التسلح مع تركيا التي حققت قفزة نوعية في السنوات الأخيرة في مجال الصناعات الدفاعية، كما أن حجم اليونان لا يسمح لها بتنافس عسكري مع تركيا. وفي الوقت الذي تقوم فيه تركيا بتطوير أنظمتها الوطنية للدفاع الجوي، تشتري اليونان أنظمة من إسرائيل. وتقدر قيمة الصفقة الأخيرة بــ3.48 مليار دولار أمريكي، وتوصف بواحدة من أكبر الصفقات في تاريخ إسرائيل. ومن المؤكد أن هذه الصفقة عبء كبير على الاقتصاد اليوناني الذي عانى لسنوات طويلة من أزمات وبدأ يتحسن في الآونة الأخيرة بفضل تدخل الاتحاد الأوروبي.

تصعيد التوتر مع تركيا بتحريض من إسرائيل لا يخدم مصالح اليونان، لأنها تستفيد اقتصاديا من حسن علاقاتها مع تركيا. وزار الجزر اليونانية، العام الماضي، حوالي 1,5 مليون سائح تركي. وأشار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في مؤتمر صحفي عقده الأحد، خلال زيارته لمعرض سالونيك الدولي، إلى أهمية زيارات السياح الأتراك للجُزر، قائلا إن اقتصاد تلك الجزر قائم إلى حد كبير على هؤلاء. وأضاف أنهم يستضيفون اليوم في الجزر عشرات الآلاف من السياح الأتراك بدلا من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين. ومن المؤكد أن أي تصعيد عسكري بين البلدين سيحرم سكان الجزر من تلك الموارد السياحية التي يعتمدون عليها في كسب معيشتهم.

الحكومة اليونانية ترى إسرائيل شريكا استراتيجيا، إلا أن عموم الشعب اليوناني يختلف معها، ويتعاطف مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 76 في المائة من الشباب اليوناني لديهم آراء سلبية تجاه إسرائيل بسبب حرب الإبادة التي يخوضها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وأن نسبة اليونانيين الذين يشعرون بالقرب من إسرائيل لا تتجاوز 20 في المائة. ويمكن أن تستغل أنقرة هذه المفارقة، وتخاطب هؤلاء اليونانيين المناهضين لإسرائيل، بالإضافة إلى العقلاء من السياسيين والإعلاميين في أثينا، للضغط على حكومة ميتسوتاكيس، وتشرح لهم أن استفزاز تركيا لصالح إسرائيل لا يخدم الشعب اليوناني.

الحكومة اليونانية تأخذ نصائح أنقرة وتحذيراتها محمل الجد إن كانت أولوياتها هي أمن اليونان واستقرارها ومصالح شعبها، ولا تجر بلادها إلى مغامرات لعيون الصهاينة. وعلى ميتسوتاكيس أن يصغي إلى نصائح أنقرة وتحذيراتها، ويعلم أنه في حال حاول اختبار صبر تركيا وفرض توسيع مياه اليونان الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا، ظنا منه أن القوات الجوية اليونانية تتفوق على القوات الجوية التركية، فإن تركيا لن تتردد في الدفاع عن مصالحها في شرق المتوسط وبحر الجزر، كما أكد قالن خلال زيارته الأخيرة لأثينا، وأن الطائرات والأسلحة والأنظمة التي اشترتها اليونان من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل لن توقف الأتراك من الدفاع عن وطنهم الأزرق.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!