ترك برس

حيث يلتقي زرقة البحر الأسود بخضرة الغابات الكثيفة، تمتد منطقة غرب البحر الأسود التركية كواحدة من أجمل وأغنى مناطق الأناضول تاريخاً وطبيعة. هذه الأرض التي عُرفت في العصور القديمة باسم «بافلاجونيا»، احتضنت حضارات متعاقبة تركت وراءها مدناً أثرية شاهدة على عظمة الإنسان وإبداعه. 

في رحلة عبر هذه المنطقة، يجد الزائر نفسه أمام سلسلة من المدن العتيقة التي تجمع بين الأساطير والتجارة والفنون والعبادات، وتشكل جزءاً أساسياً من التراث الإنساني المشترك. إليكم أبرز هذه المدن التي تستحق الزيارة والاكتشاف.

في ولاية دوزجه، وتحديداً في بلدة كونورالب، تقع مدينة بروسياس أد هيبيوم التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. أسسها ملك بيثينيا بروسيا الأول على ضفاف نهر هيبيوس (نهر ملين الحالي)، وأُطلق عليها اسم «بروسياس على ضفاف هيبيوم» لتمييزها عن مدن أخرى تحمل الاسم نفسه. بفعل الزلازل غرقت أجزاء كبيرة منها تحت المستوطنة الحديثة، لكن ما تبقى يكشف عن أسوار من العصر الهيلينيسي المتأخر والروماني المبكر، وجسر روماني، وقنوات مياه، وبوابة الفرسان، ومسرح أثري ضخم كان يتسع لآلاف المتفرجين. ويُعرض تمثال «ثيكي» الذي يُعد رمزاً للمدينة في متحف إسطنبول للآثار، فيما تُحفظ معظم اللقى الأخرى في متحف كونورالب المحلي.

وإلى الشرق قليلاً، في ولاية زونغولداق، تبرز هيراكليا بونتيكا (كارادينيز إريغلي الحالية) كإحدى أقدم المستعمرات اليونانية على الساحل. تأسست حوالي عام 550 ق.م على يد مهاجرين دوريين من ميغارا وبويوتيا، وحملت اسم البطل الأسطوري هيراكليس (هرقل). وترتبط المدينة بأسطورة المهام الاثنتي عشرة، حيث يُعتقد أن هرقل أخرج كلب الجحيم ثلاثي الرؤوس «كيرberos» من كهوف «جهنم أغزي» القريبة. هذه الكهوف، التي كانت تُعتبر مدخلاً إلى العالم السفلي، ما زالت تحتفظ بسحرها الأسطوري، وتُعد محطة لا غنى عنها في زيارة المدينة. ازدهرت هيراكليا كميناء تجاري قوي، وسكّت عملاتها الخاصة، وظلت مركزاً مهماً حتى العصور البيزنطية والجنوية.

وفي الموقع نفسه من الساحل، عند مصب نهر بالايوس (فيليوس)، تقع مدينة تيون (تيوس أو فيليوس الأثرية). كانت ميناءً حيوياً في العصور القديمة، استفادت من التربة الغرينية الخصبة التي يحملها النهر لتصبح مركزاً زراعياً وتجارياً غنياً. ما زالت أسوارها وقلعتها والمعرض المقبب وقنوات المياه وبرج الدفاع والمقابر المتنوعة قائمة حتى اليوم، وتكشف الحفريات المستمرة منذ عام 2006 عن طبقات أقدم تجعلها المدينة الوحيدة على ساحل البحر الأسود التي لم تُدفن تحت المستوطنات الحديثة أو الرمال.

أما أماستريس (أماسرا الحالية في ولاية بارتين)، فتحمل اسم الملكة أماستريس، أول ملكة سكّت عملات باسمها في التاريخ. وفقاً لسترابون، أسسها الأمازونات في البداية، ثم أعادت الملكة بناءها في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد بدمج عدة مستوطنات أيونية صغيرة. أصبحت المدينة مركزاً تجارياً مهماً بفضل مينائها الاستراتيجي، وما زالت أطلالها منتشرة قرب البلدة الحديثة: قلعة أماسرا، ونصب طريق كوش كاياسي، والبدستان، وجسر كيميري، والطريق العتيق، والمسرح، والمعرض تحت الأرض في حصاربيتشي. ولا تكتمل الزيارة دون الاستمتاع بجمال أماسرا كوجهة سياحية شهيرة تجمع بين التاريخ والطبيعة الخلابة.

وفي ولاية كارابوك، وتحديداً في قضاء إسكيبزار، تمتد أطلال هادريانوبوليس على مساحة واسعة تشمل عدة قرى. يعود الاستيطان فيها من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن العاشر الميلادي، وتتميز بفسيفساءات نادرة من أواخر العصور القديمة تزين أرضيات البازيليكات وفيلا رومانية متأخرة. ارتبطت المدينة بالقديس ستيليانوس أليبيوس، مما أعطاها مكانة خاصة في تاريخ المسيحية المبكرة. كما تشير المدرجات على التلال والرسوم الموجودة في أرضيات الكنائس إلى ازدهار زراعة الكروم كمصدر رئيسي لثروتها. وفي السنوات الأخيرة، كشفت الحفريات عن قاعة استقبال قصرية تعود إلى القرن الرابع الميلادي مزينة بفسيفساءات فريدة لم تُر مثيلاتها من قبل.

وأخيراً، في ولاية كاستامونو، قضاء تاشكوبرو، تقع بومبيوبوليس التي يمتد تاريخها إلى العصر الحجري القديم. تأسست حوالي عام 64 ق.م على يد القائد الروماني بومبيوس الكبير لتصبح عاصمة بافلاجونيا الرومانية. بُنيت على تلين منخفضين يُعرفان بـ«زيمبيلي تبه»، وتشهد فسيفساءات الأرضيات والأكروبوليس والمقبرة والمعبد وبقايا الأسوار على ثرائها وتطورها. وتُعرض اللقى المكتشفة من شواهد القبور والتماثيل والتيجان والتوابيت والعملات في متحف كاستامونو.

هكذا تروي مدن غرب البحر الأسود قصة حضارات متعاقبة عبر آلاف السنين، داعية الزائر إلى رحلة تجمع بين جمال الطبيعة وعمق التاريخ، لتبقى شاهداً حياً على تراث الأناضول الغني الذي يستحق الاكتشاف والحفاظ.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!