ترك برس

في قلب مدينة بورصة التركية، التي احتضنت البدايات الأولى للدولة العثمانية وشهدت مراحل مهمة من تشكل هويتها الحضارية، يقف الجامع الكبير شاهدًا على حقبة مفصلية من تاريخ العمارة الإسلامية في الأناضول. فهذا الصرح التاريخي، المعروف باسم «أولو جامع» (Bursa Ulu Cami)، ليس مجرد مكان للعبادة، بل معلم يجمع بين عظمة البناء وروعة الفنون الإسلامية وثراء الذاكرة التاريخية، ويعكس جانبًا من الرؤية الحضارية التي رافقت صعود الدولة العثمانية وتوسعها.

ويتميز الجامع، الذي شُيّد في أواخر القرن الرابع عشر، بتصميمه الفريد ذي القباب المتعددة، ومنبره الخشبي الذي يعد من أبرز نماذج الحرفية الفنية في العمارة العثمانية، فضلًا عن لوحاته الخطية التي تزين جدرانه، ومقتنياته التاريخية المرتبطة بالحرمين الشريفين. وعلى امتداد أكثر من ستة قرون، ظل الجامع حاضرًا في المشهد الديني والثقافي لبورصة، مستوعبًا التحولات التاريخية والكوارث الطبيعية وأعمال الترميم، ليبقى اليوم أحد أبرز المعالم التي تستقطب الزوار المهتمين بالتاريخ والفن والعمارة الإسلامية في تركيا.

بناء ارتبط بانتصارات الدولة العثمانية

شُيّد الجامع الكبير في بورصة بين عامي 1396 و1400، في عهد السلطان العثماني يلدرم بايزيد، عقب انتصاره في معركة نيقوبوليس عام 1396. ويُعد أول نموذج للمنشآت العثمانية الضخمة ذات القباب المتعددة، إذ مثّل تصميمه مرحلة مهمة في تطور عمارة المساجد العثمانية.

وتشير الكتابة المنقوشة فوق باب المنبر إلى اكتمال بناء الجامع في عام 802 هجري، الموافق للفترة بين عامي 1399 و1400 ميلادي. وعقب انتهاء أعمال البناء، أُقيمت الصلاة الأولى بإمامة الشيخ صومونجو بابا، بحضور السلطان يلدرم بايزيد وعدد من الشخصيات الدينية البارزة، من بينهم الملا فناري والأمير سلطان.

أما أول إمام للجامع، فكان سليمان جلبي، مؤلف قصيدة «المولد» التي تحظى بمكانة بارزة في التراث الديني والثقافي التركي.

ويضم الجامع مئذنتين؛ شُيّدت الغربية منهما في عهد السلطان يلدرم بايزيد، فيما أُقيمت الشرقية في عهد السلطان محمد جلبي. وقد تعرض المبنى للتخريب خلال الغزو التيموري، قبل أن يخضع لأعمال إصلاح، ثم شهد أكبر عمليات الترميم عقب زلزال عام 1855 الذي ألحق أضرارًا بالمدينة ومعالمها التاريخية.

عشرون قبة تميز عمارة الجامع

يمتاز الجامع الكبير بتصميم معماري فريد في تاريخ العمارة العثمانية، إذ يتخذ شكلًا مستطيلًا تبلغ أبعاده 55 مترًا طولًا و69 مترًا عرضًا، فيما تصل مساحته الداخلية الإجمالية إلى 3165 مترًا مربعًا، ما يجعله أكبر جامع من نوعه في تركيا.

ويستند البناء إلى اثنتي عشرة دعامة كبيرة مربعة الشكل، تحمل عشرين قبة تغطي مساحة الجامع الداخلية. وتتميز القبة الواقعة في وسط المبنى بفتحة علوية أُغلقت في السنوات الأخيرة بالزجاج، بما يسمح بدخول الضوء الطبيعي إلى الداخل. أما الجدران، فقد شُيّدت بالكامل من حجارة مشذبة بعناية، تعكس متانة البناء ودقة تنفيذه.

ولا تقتصر أهمية هذا التصميم على حجمه الكبير، بل تمتد إلى الطريقة التي وُزعت بها القباب والدعامات داخل المبنى، في صيغة معمارية تميز الجامع عن كثير من المساجد العثمانية اللاحقة، وتكشف عن مرحلة مبكرة من تطور تقاليد بناء المساجد في الدولة العثمانية.

كسوة من الكعبة تحملها ذاكرة المكان

من أبرز المقتنيات التاريخية في الجامع قطعة من كسوة باب الكعبة المشرفة، تتدلى في مكان مرتفع بجوار غرفة الإمام، بالقرب من الباب الشرقي.

وترتبط هذه القطعة بالسلطان العثماني سليم الأول، المعروف باسم ياووز سلطان سليم، الذي تولى الخلافة بعد حملته على مصر. فبعد إرسال كسوة جديدة للكعبة من إسطنبول، جرى استبدال الكسوة القديمة، وأمر السلطان بنقلها إلى بورصة وإهدائها إلى الجامع الكبير. وتذكر الرواية التاريخية أنه حملها بنفسه وعلّقها في مكانها داخل الجامع.

وقد زُيّنت الكسوة بآيات قرآنية مطرزة بخيوط الذهب الخالص، وظلت محتفظة بلونها الداكن عبر القرون. ومع مرور الزمن، أدت الرطوبة داخل الجامع إلى تساقط أجزاء من التطريز، وأصبحت الآيات المتبقية أكثر وضوحًا عند تسليط الضوء عليها.

وتضفي هذه القطعة على الجامع قيمة تاريخية إضافية، إذ تربط بين أحد أبرز معالم بورصة والتراث المرتبط بالكعبة المشرفة، وتمنح الزائر فرصة للتعرف على جانب من تاريخ الكسوة وانتقالها بين الحواضر الإسلامية.

المحراب والمنبر.. روائع الفن الإسلامي

يُعد المحراب من العناصر الفنية البارزة في الجامع الكبير، إذ يتميز بزخارفه الغنية التي تشمل صفوفًا من المقرنصات، إلى جانب أعمدة زخرفية صغيرة تشبه الساعة الرملية عند الزوايا الخارجية. ويعود بعض طابعه الزخرفي إلى التقاليد الفنية التي تعود إلى القرن الرابع عشر، فيما اكتمل المحراب بصورته المعروفة عام 1751. ويظهر اسم المعلم محمد، الذي تولى صنعه، إلى يسار المحراب.

لكن المنبر الخشبي يظل من أهم التحف الفنية التي يحتضنها الجامع. فقد صُنع من خشب الجوز وطُلي باللون الأسود، ويتميز بتصميم هندسي دقيق يعكس مهارة الحرفيين المسلمين في التعامل مع الخشب وتشكيله.

وتشير الكتابة الموجودة فوق باب المنبر، التي يبلغ مقاسها 40 سنتيمترًا في متر واحد، إلى أن الجامع اكتمل عام 1400 بأمر من السلطان يلدرم بايزيد. كما تنسب الكتابة الموجودة عموديًا على الجانب الأيمن من حاجز المنبر صنعه إلى الحرفي الحاج محمد بن عبد العزيز الدقي الأنطاكي، الذي سبق له أن صنع منبر الجامع الكبير في مانيسا بأمر إسحاق بك الساروهاني عام 1379.

ويبرز في المنبر تأثير فن «الكندكاري»، وهو أسلوب يعتمد على تشكيل القطع الخشبية هندسيًا وتركيبها بعضها في بعض من دون استخدام الغراء أو المسامير. وقد نُفذت زخارفه وفق هذا الأسلوب، لتشكّل نموذجًا لافتًا من نماذج الحرفية الفنية في العمارة الإسلامية.

كما تضم الواجهة الشرقية للمنبر بروزات أثارت اهتمام الباحثين، إذ يُقال إنها ترمز إلى النظام الشمسي والكواكب. وتكشف الزخارف والتفاصيل الهندسية للمنبر عن مرحلة انتقالية مهمة في تطور الطراز المعماري العثماني، ما يجعله من الأعمال الفنية ذات القيمة الاستثنائية في تاريخ هذا الفن.

تفاصيل معمارية تجمع البساطة والأناقة

يضم الجامع مقصورة مرتفعة بسيطة التصميم للمؤذن، تستند إلى ثمانية أعمدة أنيقة، وقد أُنشئت عام 1549. وفي الجهة المقابلة لها، توجد منضدة حجرية دائرية منحوتة من قطعة واحدة من الرخام، أُقيمت عام 1815.

وللجامع ثلاثة أبواب رئيسية تتجه نحو الشرق والغرب والشمال. ويُعد البابان الغربي والشمالي أحدث عهدًا، في حين تعود مصاريع الباب الشرقي إلى الفترة نفسها التي شُيّد فيها الجامع. وقد صُنعت هذه المصاريع من خشب الجوز، وزُيّنت بزخارف هندسية قائمة على الحفر والتعشيق، مع احتفاظها بجزء كبير من تفاصيلها الأصلية رغم ما أصاب بعض أجزائها من تلف.

أما البوابة الرئيسية المطلة على الفناء من الجهة الشمالية، فتتميز بضخامتها وزخارفها التي تعزز الهيبة المعمارية للمبنى. وتتكون المنطقة المقعرة فوق المدخل من أحد عشر صفًا من المقرنصات، فيما يحيط بإطار التجويف الزخرفي شريط عريض وبسيط يبرز جمال التكوين المعماري.

وتختلف نوافذ الجامع من حيث الشكل والحجم باختلاف الواجهات، فيما صُنعت إطاراتها من الرخام الأملس. وتوجد فوق النوافذ فتحات صغيرة تُعرف باسم «نَفَسْليك»، أي فتحات التهوية. وقد أُغلقت لاحقًا النوافذ السفلية في جزء من الجدار الجنوبي، كما لا تتطابق محاور النوافذ العلوية مع محاور النوافذ السفلية.

وتكشف سماكة جدران الجامع عن اختلافات في تصميم أجزائه؛ إذ يبلغ سمك الجدار الشرقي 2.80 متر، والغربي 3.10 متر، والشمالي 2.40 متر، فيما يصل سمك الجدار الجنوبي إلى 2.20 متر.

الخط العربي يزين جدران الجامع

يشكل الخط العربي أحد أبرز عناصر الجمال داخل الجامع الكبير، حيث تنتشر على جدرانه لوحات خطية تحمل آيات قرآنية وكتابات ذات طابع ديني وفني. ويحمل معظم هذه اللوحات توقيع الخطاط الذي كتبها، فيما تولى الخطاط شفيق بك تصحيح الأجزاء الناقصة في عدد كبير منها أو إعادة كتابتها.

ويضم الجامع 87 لوحة خطية جدارية تحتوي على 192 نصًا مكتوبًا، نفذها 41 خطاطًا باستخدام 13 أسلوبًا مختلفًا من أساليب الخط. ويعكس هذا التنوع ثراء تقاليد الخط العربي وتطورها عبر العصور، كما يبرز المكانة التي احتلها الخط في تزيين المساجد العثمانية وتحويل جدرانها إلى مساحات فنية تحمل مضامين دينية وجمالية.

وإلى جانب اللوحات الخطية، يحتفظ الجامع بمجموعة من الساعات والثريات والشمعدانات والمصاحف القرآنية الثمينة، التي تضيف إلى قيمته الدينية والتاريخية بعدًا فنيًا وثقافيًا.

نوافير الماء في قلب الجامع

يضم فناء الجامع ثلاث نوافير مخصصة للوضوء، كما توجد نافورة داخل المبنى نفسه، تحت إحدى القباب. ويُعتقد أن تصميم هذه النافورة الداخلية يرتبط باهتمام الأتراك بالماء منذ السنوات الأولى للدولة العثمانية، حين كان للماء حضور مهم في الحياة اليومية والطقوس الدينية.

وتتميز النافورة بحوض ذي ستة عشر ضلعًا ونافورة ذات ثلاثة أحواض متراكبة، تتدفق منها المياه في ثمانية اتجاهات قبل أن تصل إلى الحوض، ثم تتوزع نحو الصنابير المخصصة للاستخدام.

ومن اللافت في تصميم الجامع أن محور المحراب ومحاور الأبواب الثلاثة تلتقي عند مركز النافورة، في تنسيق معماري يجمع بين الوظيفة العملية والتكوين الجمالي، ويعزز الانسجام بين عناصر المبنى المختلفة.

معلم تاريخي يروي قصة بورصة العثمانية

لا تكمن أهمية الجامع الكبير في بورصة في ضخامة بنائه أو تعدد قبابه فحسب، بل في كونه سجلًا معماريًا وفنيًا يحمل آثار مراحل مختلفة من التاريخ العثماني. فمن بنائه في عهد السلطان يلدرم بايزيد، مرورًا بما شهده من أضرار وترميمات، وصولًا إلى مقتنياته التاريخية وفنونه الزخرفية والخطية، يقدم الجامع صورة متكاملة عن تطور العمارة الإسلامية في الأناضول.

وبفضل منبره الخشبي الفريد، وكسوة باب الكعبة، ولوحاته الخطية، ونوافيره الداخلية، يظل الجامع الكبير واحدًا من أبرز معالم بورصة التاريخية، ووجهة مهمة لكل من يرغب في اكتشاف جانب من الإرث الحضاري للدولة العثمانية، والتعرف على الكيفية التي امتزجت بها الوظيفة الدينية مع الإبداع الفني والهندسي في بناء المساجد.

المصدر: مديرية الثقافة والسياحة في ولاية بورصة التركية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!