ترك برس

في مقال تحليلي نشرته صحيفة ستار، يستعرض الكاتب والمحلل التركي محمد علي أوجار، اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي الذي ينعقد اليوم في بروكسل عاصمة بلجيكا، ويستمر يومين، ويضع على جدول أعماله أسعار الطاقة والمنافسة الاقتصادية ودعم أوكرانيا والدفاع وميزانية الاتحاد للسنوات السبع المقبلة. 

ويشير الكاتب إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى للحفاظ على قوته الاقتصادية وزيادة فعاليته في السياسة الدولية، لكنه يواجه صعوبة في توفير الموارد اللازمة واتخاذ القرارات المشتركة، معتبراً أن جدول أعمال القمة يعكس هذه المعضلة الجوهرية. ويتساءل أوجار: لماذا يعجز الاتحاد الأوروبي، وهو أحد أكبر اقتصادات العالم، عن تحويل حجمه الاقتصادي إلى قوة سياسية موازية؟

يرى الكاتب أن الإجابة تكمن في تاريخ التكامل الأوروبي. فقد بدأ المسار بمعاهدة روما عام 1957 التي جمعت الدول الأوروبية حول سوق اقتصادية مشتركة، ثم دخل السوق الموحد حيز التنفيذ عام 1993، بينما دفع اليورو التكامل الاقتصادي إلى مرحلة أبعد. غير أن هذا التكامل الاقتصادي لم يتقدم بالسرعة ذاتها في المجال السياسي. ويوضح أن معاهدة ماستريخت عام 1992 أسست الاتحاد الأوروبي وسعت إلى التعاون في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، إلا أن الدول الأعضاء احتفظت إلى حد كبير بسلطاتها الأساسية في السياسة الخارجية والدفاع والإنفاق العام. ويضيف أن موجة التوسع الكبرى التي بدأت عام 2004 بانضمام دول وسط وشرق أوروبا غيّرت التوازنات الداخلية للاتحاد؛ فبينما توسع السوق المشترك، ازدادت الحاجة إلى جمع دول ذات ظروف اقتصادية وتجارب تاريخية وأولويات سياسية مختلفة في آلية قرار واحدة، مما جعل مشكلات التوافق أمام التكامل السياسي أكثر وضوحاً.

ويشير أوجار إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد في خطابه بجامعة السوربون في 26 سبتمبر 2017 أن أوروبا المكونة من 28 عضواً لا يمكنها أن تعمل كما كانت في مرحلة التأسيس بست دول، ودعا إلى عدم بناء المشروع المشترك على أدنى قاسم مشترك، مقترحاً أن تتقدم الدول الراغبة في تكامل أعمق بسرعات مختلفة. ويلفت الكاتب إلى أن أوروبا امتلكت بذلك سوقاً مشتركة وعملة موحدة، لكنها لم تصل إلى جيش مشترك أو ميزانية مركزية قوية أو آلية قرار قادرة دائماً على التحرك الموحد في السياسة الخارجية. ويذكر أن أمن أوروبا ظل طوال الحرب الباردة يعتمد إلى حد كبير على حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، واستمر هذا الترتيب الأمني بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. لكن حرب أوكرانيا ومطالبة واشنطن لأوروبا بتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر أعادا طرح حدود النظام القديم.

وينتقل الكاتب إلى ما يسميه «الضغط الثلاثي» الذي تواجهه أوروبا اليوم، معتبراً أن موضوعات القمة الحالية انعكاس لهذا الإشكال التاريخي. فالاتحاد يكافح من جهة ارتفاع تكاليف الطاقة، ويحاول من جهة أخرى الحفاظ على القدرة التنافسية لصناعته في مواجهة الصين والولايات المتحدة. ويوضح أن اهتزاز نموذج الإنتاج القائم على الطاقة الرخيصة القادمة من روسيا رفع تكاليف الصناعة الأوروبية، بينما يفاقم القدرة الإنتاجية الصينية والاستثمارات التكنولوجية الأميركية من صعوبة المنافسة. ويشير إلى أن الاتحاد يسجل عجزاً تجارياً يومياً مع الصين يبلغ مليار يورو. ويضيف أن أوروبا باتت مضطرة أيضاً إلى تخصيص موارد أكبر للدفاع، حيث يزيد استمرار الدعم لأوكرانيا وتعزيز القدرات العسكرية من الضغط على ميزانيات الحكومات.

ويختم أوجار بأن كل هذه النقاشات تتمحور حول ميزانية الاتحاد للفترة 2028-2034. فالاتحاد يرغب في تخصيص موارد لمجالات متعددة تمتد من الدفاع إلى التكنولوجيا والبنية التحتية والزراعة خلال السنوات السبع المقبلة، غير أن الخلافات مستمرة حول حجم الميزانية المشتركة ومقدار مساهمة كل دولة. ويرى أن قمة بروكسل تمثل اختباراً مهماً لمدى امتلاك الدول الأعضاء إرادة مشتركة لتحويل التكامل الاقتصادي الأوروبي إلى قوة سياسية موحدة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!