
ترك برس
في مقال تحليلي نشرته صحيفة يني شفق، ينبه الكاتب التركي ليفينت يلماز إلى ضرورة ألا يغيب عن الاهتمام التركي ملف العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لتركيا، رغم انشغال الرأي العام بالقضايا السياسية الداخلية وتطورات سوق الصناديق والحرب الأمريكية الإيرانية.
ويؤكد يلماز أن حقيقة «عدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي» معروفة للجميع، لكنها يجب أن تُفصل عن ضرورة «تشكيل أو توجيه الخطوات التي يتخذها أكبر شريك تجاري لنا». ومن هذا المنطلق يدعو إلى النظر إلى موضوع «صُنع في الاتحاد الأوروبي» (Made in EU) الذي سيتصدر الأجندة في الأيام المقبلة، خاصة أنه يمس قطاعات تصديرية حيوية في مقدمتها صناعة السيارات.
يشير يلماز إلى أن وزير التجارة البروفيسور عمر بولات والجهاز البيروقراطي في الوزارة يبذلان جهوداً مكثفة في هذا الملف، حيث أجرى الوزير سلسلة لقاءات مع نظرائه الأوروبيين، واصطحب معه وفوداً من رجال الأعمال الأتراك، كما تتابع «هيئة العلاقات الاقتصادية الخارجية» (DEİK) الموضوع عن كثب وتنفذ نشاطاً لوبياً جاداً مع كبرى شركات التصدير التركية.
وكان آخر هذه الجهود اجتماعاً عُقد في بروكسل الأسبوع الماضي، في إطار سعي تركيا للحصول على معاملة تجارية مماثلة لما تحظى به الدول الأعضاء ضمن نطاق «صُنع في الاتحاد الأوروبي».
ويشرح الكاتب مضمون هذا المفهوم من خلال الإشارة إلى مقترح اللائحة الذي نشرته المفوضية الأوروبية في 4 آذار/مارس 2026 تحت اسم «قانون تسريع الصناعة» (Industrial Accelerator Act - IAA). ويقول إن هذا المقترح يتضمن أحكاماً تمنح امتيازات حصرية لمن ينتج داخل حدود الاتحاد الأوروبي في مجالين رئيسيين: المشتريات العامة، وبرامج الدعم العام التي توجه المستهلكين نحو منتجات معينة.
ويعتبر يلماز أن أهم ما في هذا النص كونه «أول وثيقة قانونية تحدد النطاق الجغرافي لسياسة صُنع في الاتحاد الأوروبي» التي طالما رددتها بروكسل. غير أنه يؤسف لأن التعريف الوارد فيه حالياً ضيق جداً، إلى درجة تجعل الاتحاد الجمركي «شبه عديم المعنى» بالنسبة لصناعة السيارات التركية.
ويتابع التحليل أن الكرة الآن في ملعب البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد (حكومات الدول الأعضاء). وكان الهدف إقرار القانون بنهاية العام، إلا أن كثرة التعديلات المقترحة (نحو ستة آلاف في البرلمان وحده) وتباين مواقف الدول الأعضاء جعلت التوقعات تميل إلى منتصف العام المقبل، قبل أن يصدر قادة الاتحاد بياناً يحثون فيه المجلس على إنجاز القانون بحلول نهاية 2026.
ويرى الكاتب أن الموضوع سيتشكل في منطقة وسطى بين موقف فرنسا الذي يسعى إلى حصر الإطار قدر الإمكان في الدول السبع والعشرين الأعضاء («صُنع في الاتحاد الأوروبي»)، وموقف ألمانيا الأكثر ليبرالية الذي يدعو إلى الاستفادة من سلاسل القيمة لدى الشركاء التجاريين الحاليين («صُنع مع الاتحاد الأوروبي»).
ويتوقع أن تكون هناك مقايضات، مستشهداً بتقارير إعلامية أوروبية تحدثت عن عروض فرنسية لتخفيف قاعدة حظر بيع السيارات العاملة بالوقود الأحفوري حتى 2035 مقابل اقتراب ألمانيا من الموقف الفرنسي، ثم بخبر وكالة الصحافة الفرنسية الذي أكد توصل باريس وبرلين إلى اتفاق على مزيد من التخفيف لقواعد الانبعاثات الخاصة بالسيارات. ويعتبر أن مثل هذا التفاهم الألماني-الفرنسي «يشير إلى وجود أمور كثيرة تستدعي القلق».
ويستذكر يلماز أن إطار تجارة السلع بين تركيا والاتحاد الأوروبي يحدده منذ عام 1996، أي منذ ثلاثين عاماً، قواعد الاتحاد الجمركي، التي تلزم تركيا بنقل التشريعات الفنية الأوروبية إلى قانونها الداخلي، وتسمح بحرية التبادل دون رسوم أو حصص.
وعند قراءة مقترح قانون التسريع الصناعي، قد يبدو حكم معاملة «الأجزاء» المنتجة في دول الاتحاد الجمركي معاملة المنشأ الأوروبي أمراً إيجابياً، إلا أن باقي المواد تكشف أن الأمر يقتصر على صناعة التوريد، وأن المركبة التي لا يتم تجميعها النهائي داخل حدود الاتحاد ستُستبعد من سوق المشتريات العامة ولن تستفيد من حوافز السوق.
ويقول الكاتب إن بروكسل تقول لتركيا عملياً: «الجزء الذي تنتجه أوروبي، أما المركبة فليست كذلك». ويوضح أن القانون يستهدف السيارات الكهربائية من الجيل الجديد وليس السيارات التقليدية العاملة بالديزل أو البنزين، لكنه ينبه إلى أن «مستقبل صناعة السيارات هو أصلاً السيارات الكهربائية».
وفي تقديره للمعنى العملي، يرسم يلماز سيناريو واضحاً: سيارة كهربائية تركية يمكنها أن تدخل السوق الألمانية مثلاً بدون رسوم جمركية بفضل الاتحاد الجمركي، لكن بلدية هامبورغ لن تقبل عرضها في مناقصة لشراء سيارات الخدمة، ولن يتمكن المواطن البرليني أو الشركة الصغيرة في ميونيخ من الاستفادة من آلاف اليوروهات من الدعم الحكومي إذا اختارا نموذجاً تركياً.
ويخلص إلى أن الاستبعاد من سوق المشتريات العامة والتعرض لميزة تنافسية سلبية في باقي السوق، في قطاع يعمل بهوامش ربح ضيقة جداً، يعني «نهاية فعلية للاتحاد الجمركي» بالنسبة لصناعة السيارات التركية.
ولا يعتقد الكاتب أن الأمر سيقتصر على السيارات. فهو يشير إلى مقترح «قانون المشتريات العامة» الذي نشرته المفوضية في 8 أيلول/سبتمبر 2026 ويغطي قطاعات أخرى، مما يدل على إمكانية توسيع نطاق سياسة «صُنع في الاتحاد الأوروبي».
ويستذكر برنامج SAFE الذي قيد وصول تركيا إلى مناقصات الدفاع، ويحذر من أصوات في بروكسل تتحدث عن فرض انضباط «صُنع في الاتحاد الأوروبي» على مجمل نفقات الدفاع للدول الأعضاء. ويرى أن الاتحاد الأوروبي «تخلى منذ زمن عن استقلالية السوق الحرة وجلس خلف مقود السياسة الصناعية وضغط على دواسة الوقود حتى النهاية».
أما الدافع الأعمق لهذه التوجهات فيرجعه كثيرون إلى الخوف من الصين. ويذكر يلماز أن أحد حجج المتشددين تجاه تركيا هو اتهامها بأنها «الباب الخلفي للصين»، في حين أن الاستثمارات الصينية المباشرة في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2016 و2024 بلغت 38 ضعف ما توجه منها إلى تركيا.
ويؤكد أن الاتحاد الجمركي نفسه يكشف بوضوح «من يرسل إلى الآخر علامات صينية أكثر». وقد نقل الوفد التركي في بروكسل هذه الحقائق إلى نظرائه الأوروبيين، مذكراً بفوائد العلاقة المتوازنة على مدى ثلاثين عاماً، لكن الكاتب يتساءل كيف ستقيم العقول ما سمعته الآذان، خاصة مع اقتراب انتخابات عامة ومحلية في عدد من دول الاتحاد خلال العام أو العامين المقبلين، حيث قد يصعب إيجاد سياسيين يجرؤون على القول إن إقصاء تركيا يضر باقتصاداتهم هم أيضاً.
ويختتم يلماز بالتأكيد على أهمية استمرار الجهود المنسقة بين الدولة وقطاع الأعمال بوتيرة متصاعدة. ويأمل أن تنجح تركيا، كما نجحت سابقاً بفضل جهود الوزير بولات في استثناءها من قواعد الاستيراد الإلكتروني المطبقة على الطرود الصينية التي تقل قيمتها عن 150 يورو، في تحقيق استثناء مماثل ضمن قانون التسريع الصناعي.
أما على الصعيد السياسي، فيكتفي الكاتب بتذكير موجز بضرورة قراءة تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون المعادية لتركيا في الآونة الأخيرة إلى جانب زياراته لليونان والإدارة القبرصية اليونانية، مشيراً إلى أن عملية المفاوضات التركية مع الاتحاد الأوروبي قد أُوقفت أصلاً عند فصل الطاقة بمبادرة من هاتين الدولتين.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











