محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

على بعد 60 كيلو مترا باتجاه الغرب من مدينة الموصل تقع مدينة تلعفر، وتحتل مساحات واسعة  تصل الى الحدود السورية عند ناحية ومعبر ربيعة الحدودي، إضافة الى الشريط الحدودي الممتد من غرب نهر دجلة وصولا الى حدود قضاء سنجار المدينة الحدودية ايضا .

بعد عام 2003 سيطرت قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني على بعض قرى وبلدات تلعفر في أثناء غياب نفوذ الحكومة المركزية فتمت السيطرة على ناحية زمار والقرى التابعة لها والتي يقطنها العرب والأكراد ,في الوقت ذاته  تمت السيطرة على مركز قضاء سنجار والقرى والبلدات التابعة لها, وفي أثناء تلك العمليتين ونقصد السيطرة على زمار وسنجار تحركت قوات من البيشمركة لاحتلال تلعفر، لكن الذي حصل لم يكن بحسبان قوات البيشمركة، فاندلعت اشتباكات مبكرة بين الأهالي بصورة عفوية وبين القوات المحتلة وعلى أثرها غادرت قوات البيشمركة قصبة تلعفر بعد وجودها بأقل من 24 ساعة .

وبخروج قوات البيشمركة من تلعفر أصبحت المنطقة  الغربية من محافظة نينوى كالتالي: 

1- ناحية زمار والقرى التابعة لها أصبحت بالكامل تابعة لسيطرة البيشمركة الكردية.

2- بلدات تلعفر وربيعة الحدودية وغيرها من القرى بقت تحت السيطرة للحكومة المركزية وهذه البلدات أصبحت في تقاطع الطرق التي تربط بين زمار وسنجار.

3- قضاء سنجار وهو كما ذكرنا مدينة حدودية وخط حدودي واسع مع سوريا وهي أيضا تحت سيطرة البيشمركة الكردية.

بعد سقوط محافظة نينوى بكامل مدنها وبلداتها وقراها بيد التنظيم سواء التي كانت تحت سيطرة الحكومة المركزية أوسيطرة إقليم كردستان بدأت محاولات استراجعها من قبل قوات الإقليم، وبمساعدة الـ بي كي كي، استرجعت بلدة سنجار وقسم من نواحيها ذات الاغلبية اليزيدية، لكن فصائل البي كي كي هي التي تحكمت بصورة فعلية في القضاء إضافة إلى إنها بدأت بالتنسيق مع جهات أخرى تعادي سلطة مسعود البرزاني وبالأخير فهي تتواني عن تنفيذ تعليمات مسعود بدليل أن كل الأوامر التي صدرت عن بيشمركة مسعود البرزاني لم تنفذ .

أما مدينة الرقة هي مركز محافظة تحمل ذات الاسم، وهي ثالث أكبر محافظة سورية من حيث المساحة، وتقع إلى الشمال الشرقي من البلاد وتمتد إلى الحدود مع تركيا وكان لها معبر حدودي مع تركيا ( تل أبيض) قبل استيلاء الأكراد عليه قبل أشهر قليلة، وتبعد عن مدينة حلب حوالي 200 كم.

وإلى الشرق من المدينة هناك منطقة شبه صحرواية مترامية الأطراف تصل إلى غربي العراق وبالأخص إلى منطقة الجزيرة العراقية وشمالها تلعفر وسنجار وبعاج ، والرقة  منطقة نفوذ التنظيم وقاعدته الأصلية قبل أن يوسع نشاطه إلى سوريا بعد فترة قصيرة من بداية الأزمة السورية عام 2011.

هذا الانفتاح الجغرافي على غرب وسط وشمال العراق يسمح للتنظيم بالتحرك بحرية في هذه الصحراء المترامية الأطراف، مستفيدا من معرفته عميقة بهذه المنطقة تمتد إلى فترة قيادة "الدولة الإسلامية في العراق. 

كان عدد سكان محافظة الرقة قبل اندلاع الأحداث في سوريا أقل من مليون شخص وعدد سكان المدينة أقل من 200 الف شخص، ومن أشهر مدنها إلى جانب مركز المحافظة، الطبقة، وتل أبيض وسلوك ومعدان وعين عيسى.

التحول الكبير

إلى جانب سكان المدينة الأصليين توافد عشرات الآلاف إلى المدينة من مختلف المحافظات السورية في آواخر الثمانينيات من القرن الماضي مع انطلاق مشاريع زراعية كبيرة في المحافظة بعد دخول أكبر السدود المائية في سوريا قيد الخدمة في المحافظة.

فقد شهدت المدينة تغيرا اجتماعيا كبيرا فباتت المدينة أشبه بسوريا مصغرة يعيش فيها العلوي والكردي والأرمني والبدوي، لكن المناصب الرئيسية في المدينة ظلت بيد الوافدين وخاصة أبناء الساحل السوري. 

النيات المبيتة في تحرير المدن والبلدات التابعة لمحافظة نينوى والتي تؤكد على وجود التفاهمات الكثيرة خلف الأبواب المغلقة بين شتى الأطراف المتحضرة والمتهيأة بصورة فعلية تثير الكثير من الشبهات والتخوفات المحلية والإقليمية حول تلك الأهداف الخفية بسبب وجود تحالفات بين أطراف مختلفة الإيدولوجيات بين اليساري والديني والقومي, فبينما تؤكد الجهات الرسمية العراقية على استقلالية عملية التحرير باعتبارها عملية عراقية خالصة نرى أن إيران تزج بأحد دعائم استقرارها السياسي والأمني إلى أتون هذه المعركة ونقصد به الجنرال قاسم سليماني بصفة مستشار بصورة علنية إضافة الى الآلاف من قوات الباسيج وغيرها من المتطوعين بصورة علنية أيضا، وهي تعترف بذلك في أكثر من مناسبة, هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الدعوة التي أطلقتها الجهات السياسية المتنفذة في العراق حول فتح مكتب رئيسي لمليشيات البي كي كي في المنطقة الخضراء وورود معلومات مؤكدة على فتح غرفة عمليات مشتركة بين الحشد الشعبي وهذه المنظمة يعطي دليلا ثابتا على سوء نية الجهات العراقية وكذلك المساعي الإيرانية في عملية تحرير الموصل وتلعفر ومابعدها وصولا الى الرقة .

بعد الاتفاقات الاقليمية والدولية حول منع دخول الحشد الشعبي إلى داخل مدينة الموصل تحديدا وهذا ماتحاول الجهات العراقية الرسمية تأكيده تصر قوات الحشد الشعبي على الدخول الى مدينة تلعفر وبلداتها وهذا ماتعارضه بشدة الحكومة التركية وعلى لسان أرفع مسؤوليها بسبب وجود التركمان في هذه البلدة بالذات , لكن الحقيقة أن الهدف الرئيسي لإيران بالدفع بهذا الاتجاه هو وصول الحشد المسير بأمرته إلى الحدود السورية عبر الصحراء وصولا الى الرقة - في الوقت نفسه تحاول المليشيات الشيعية بإعادة تلعفر الى الحاضنة الشيعية بالكامل مع وجود نية مبيتة في التغيير الديموغرافي للمدينة لاستكمال مشروعها الطائفي التي بداته قبل سقوط المدينة بيد تنظيم الدولة ومن أبرزها كانت هي إفراغ المدينة من المسؤولين السنين في كافة دوائر الدولة أما بالاعتقال بتهم كيدية أو بإصدار اوامر وتعليمات خاصة بقضاء تلعفر سبقتها عملية تسريح واستبعاد كافة منتسبي الأجهزة الأمنية من المكون السني تحديدا.

وإذا ماتيسرت لهذه القوات أن تربط مناطق تلعفر بالصحراء وصولا إلى مدينة الرقة فإنها تسيطرعلى أهم نقطتين استراجيتين تربط العاصمة طهران بالبحر المتوسط مباشرة وهذا ديدن الإيرانيين منذ بداية الانسحاب الامريكي من العراق .

 تركيا تعي الأمر جيدا وتعلم أن وصول هذه القوات الى عمق الأراضي السورية يعني قطع الطريق البري أمامها جنوبا لأنها تأمل كثيرا على دعم علاقاتها مع العرب والخليج خصوصا .

وعلى الرغم أن تركيا هي المستهدف الأول من هذه العملية المبيتة لكن هناك طرف ثان لايقاوم هذا المخطط وهو زعامة مسعود البرزاني حيث سيكون الخاسر الأول لنفوذه في إقليم كردستان بعد الارتباطات للأحزاب الكردية الأخرى بالمخطط الإيراني وباعتبار أن زعامة مسعود البرزاني هو الطرف الكردي الوحيد المتحالف مع تركيا  

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس