يلدراي أوغور وجيرين كينار - صحيفة ميديوم - ترجمة وتحرير ترك برس

بتاريخ 22 شباط/ فبراير سنة 1962، شهدت تركيا فشل أولى الانقلابات العسكرية، علما بأن هذا البلد سجل في تاريخه حدوث أربع عمليات انقلاب. في انقلاب الأول، حاول قائد المدرسة الحربية التركية، طلعت آيديمير، الانقلاب على الحكومة المنتخبة في الانتخابات، التي جرت بعد إعدام رئيس الحزب الديمقراطي، عدنان مندريس. ولكن، أُحبِطت تلك العملية ومُنح آيديمير العفو وتم إحالته إلى التقاعد. وفي 21 أيار/ مايو من العام التالي، حاول آيديمير الانقلاب على الحكومة مرة أخرى، حيث دخل الانقلابيون في اشتباكات مع العناصر الأمنية في محيط البرلمان التركي، وقد نتج عنها استسلام المجموعة المنفذة للانقلاب. إثر ذلك، اعتقل آيديمير وخضع للمحاكمة، حيث حُكم عليه بالإعدام، وقبل تنفيذ الحكم النافذ في حقه، قال آيديمير، "إن تركتموني اليوم سأقوم بالانقلاب مجدداً غداً".

بعد 53 عاماً من ذلك التاريخ، وتحديدا في 15 تموز/ يوليو، شهدت تركيا محاولة انقلاب أخرى فاشلة راح ضحيتها 249 شخصا وجُرح أكثر من 2000. وتكتسب هذه المحاولة الفاشلة رمزية خاصة، لأنها أحبطت على يد الشعب التركي وبفضل مقاومته للمجموعة الانقلابية. وتبعها تناوب الشعب التركي على "حراسة الديمقراطية " في الميادين العامة على مدى 26 يوماً.

مقارنة بنظيراتها، تختلف هذه المحاولة الفاشلة عن سابقاتها، لأن المتورطين في هذا الانقلاب لم يعترفوا بمشاركتهم فيه، بل أنكروا ذلك قطعا على الرغم من القبض عليهم بالجرم المشهود، وبتوثيق عدسات الكاميرات. لذلك، لا يوجد لدينا أي دليل حول أهداف تلك المحاولة سوى بيان الانقلاب، الذي أُجبرت مذيعة قناة تي آر تي الرسمية على قراءته، وبعض التسجيلات الصوتية، التي تعود للعناصر العسكرية التي أدارت عمليات الانقلاب العسكرية. من جهة أخرى، كشفت التحقيقات والمعلومات التي جُمعت بعد إحباط محاولة الانقلاب عن العديد من الأدلة المتعلقة بأهداف تلك العملية والجهات التي تقف خلفها.

1- الأدلة التي تركها الانقلابيون خلفهم

عادل أوكسوز، مساعد مدرس في جامعة سكاريا، التي تبعد حوالي 150 كيلومترا عن مدينة إسطنبول. سافر أكسوز خارج الأراضي التركية حوالي 109 مرة، بين الأعوام 2002 و2016، وهذا يعني أنه كان يسافر مرة كل 45 يوماً. وسافر حوالي 12 مرة إلى الخارج في آخر 25 شهراً، وهذا يعني أنه غادر مرة كل شهرين.

وما يلفت الانتباه حيال سفر أكسوز المتكرر هو الوجهات التي كان يقصدها، والمدة التي كان يقضيها هناك. فعلى سبيل المثال غادر إلى نيويورك بتاريخ 26 أيار/ مايو 2015 وعاد إلى الأراضي التركية بتاريخ 18 يونيو/ حزيران من نفس العام. وبعد عودته إلى الأراضي التركية بثمانية أيام، غادر من إسطنبول إلى جوهانسبرغ وعاد بعد ثلاثة أيام. وفي 16 أيلول/ سبتمبر 2015، غادر أوكسوز إلى جنوب أفريقيا وانتقل منها إلى الولايات المتحدة وعاد بعد قضائه ثمانية أيام هناك إلى الأراضي التركية. وفي 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 غادر أوكسوز إلى الكويت، وبعد قضائه ثمانية أيام غادر من الكويت إلى ألمانيا.

أما سنة 2016، أجرى أوكسوز رحلات متكررة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث غادر مرتين إلى الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 17 آذار/ مارس، وتاريخ 17 حزيران/ يونيو، وقضى في كل رحلة أربعة أيام هناك، قبل أن يعود إلى الأراضي التركية. إذن، كيف يمكن لأستاذ مساعد يحمل درجة الدكتوراه فقط في تخصص الشريعة الإسلامية، وتعيش عائلته داخل الأراضي التركية، ويتقاضى حوالي 1500 دولار شهرياً، أن يغادر الأراضي التركية بصورة متكررة؟ ولماذا قام بكل تلك الرحلات إلى الخارج؟. تكمن الإجابة عن ذلك السؤال في هذه المشاهد والصور:

https://www.youtube.com/watch?v=zWzH9D9rnj8&feature=youtu.be

ظهر اسم أوكسوز للمرة الأولى في تاريخ 9 كانون الثاني/ يناير سنة 2015، خلال التحقيقات التي كانت تُجريها الأجهزة الأمنية التركية فيما يتعلق بتنظيم غولن. ويذكر أن مواطن تركي يُدعى، جيتين أجار، قد تقدم بشكوى لدائرة مكافحة الإرهاب في أنقرة ذكر فيها اسم أوكسوز، حيث قال هذا المواطن، " تخرج أوكسوز من جامعة أنقرة بتخصص شريعة إسلامية. ويعمل حالياً كمساعد مدرس في جامعة سكاريا القريبة من إسطنبول. بعد تخرجه من أنقرة وحتى هذه اللحظة، يعمل أوكسوز كعضو مسؤول في تنظيم غولن عن مدينة إسطنبول. وبعد هروب فتح الله غولن إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تم تعيين أوكسوز مسؤولا عن أعضاء تنظيم غولن داخل القوات الجوية التركية. وسمعت مؤخراً أنه مسؤول الآن عن أعضاء تنظيم غولن داخل القوات البحرية التركية".

في تلك الفترة، لم يهتم أحد لتلك الشكوى ولم يأبهوا لذلك الاسم. لذلك، استطاع أوكسوز في هذه الحالة مواصلة رحلاته إلى الخارج بكل أريحية، علما بأنه غادر إلى الولايات المتحدة بتاريخ 11 تموز/يوليو سنة 2016، وعاد بتاريخ 13 تموز/ يوليو أي قبل محاولة الانقلاب بيومين. وقد قُبض على أوكسوز مع المجموعة الانقلابية داخل قاعدة أكنجي العسكرية صباح 16 تموز/ يوليو 2016، بعد إحباط محاولة الانقلاب بينما كان يهم بالهرب مع المجموعة الانقلابية.

وفي إفادته للمحكمة، ذكر أوكسوز أنه ذهب إلى قاعدة أكنجي العسكرية للبحث عن قطعة أرض هناك من أجل شرائها. وحسب التقارير التي وردت من جهات أمنية، كان أوكسوز يذهب بشكل متكرر إلى المرحاض أثناء اعتقاله. وعندما دخل أحد العناصر الأمنية إلى المرحاض، وبينما هو يحاول إخراج المحارم الورقية، اكتشف وجود جهاز صغير داخل علبة المحارم الورقية. وبعد السؤال عن آخر شخص دخل الحمام قبل اكتشاف الجهاز، تبين أن ذلك الشخص هو أوكسوز. وبعد سؤال أوكسوز عن الجهاز قال، "نعم هذا لي، يبدو أنني أسقطته في مكان ما". وقد رد عليه أحد العناصر الأمنية قائلا "لم تسقطه وإنما قمت بإخفائه". وبعد تحليل ماهية الجهاز من قبل قوات الشرطة تبين أنه جهاز تحديد مواقع عبر الإنترنت.

ولكن، عند مثول أوكسوز أمام المحكمة، أُخفيت كل هذه الأدلة من قبل طرف خفي، وبالتالي، لم يَعد هناك سبب وجيه لدى المحكمة للإبقاء على أوكسوز رهن الاعتقال لنفاذ الأدلة التي تُثبت إدانته. بناءً على ذلك، أُطلق سراح أوكسوز من السجن واختفى. وبعد استمرار التحقيقات وتوفر بعض الأدلة التي تُدين أوكسوز، تُحاول القوات الأمنية العثور عليه ولكن دون جدوى.

وبالعودة  إلى الرحلة التي غادر بها أوكسوز إلى الولايات المتحدة، التي تحمل رقم تي كيه 003 بتاريخ 11 تموز/ يوليو 2016، يلفت الانتباه وجود مسافر في نفس الطائرة يُدعى كمال باتماز، علما بأنه يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة كايناك القابضة. والجدير بالذكر أن شركة كايناك القابضة تأسست سنة 1979 لتوفير الدعم المالي لمنظمة غولن. كان ناجي توصون، وهو أحد المقربين من زعيم تنظيم غولن، وأحد الأسماء المهمة في التنظيم يُدير الشركة منذ تأسيسها إلى أن تم تعيين باتماز خلفاً له. 

لم تكن تلك الرحلة التي رافق فيها باتماز أوكسوز إلى الولايات المتحدة هي الرحلة الأولى له. بل حدث ذلك سنة 2009، عندما غادر أوكسوز الأراضي التركية إلى الولايات المتحدة بتاريخ 20 تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام إلى الولايات المتحدة؛ وتبعه باتماز بعد يومين في رحلة أخرى. وترافق الاثنان في رحلة مشتركة على نفس الطائرة إلى الولايات المتحدة بتاريخ 16 أيار/ مايو سنة 2010 وعادوا إلى الأراضي التركية بعد رحلة استغرقت تسعة أيام. وقد أظهرت كاميرات المراقبة في مطار أتاتورك، باتماز وأكسوز بجانب بعضهما بعد عودتهم إلى الأراضي التركية من الولايات المتحدة، بتاريخ 13 تموز/ يوليو سنة 2016، أي قبل عملية الانقلاب بيومين.

وفي تعليقه على تلك المشاهد أفاد باتماز بأنها محض صدفة، حيث ترافق الاثنان للذهاب إلى مكتب خدمات الطيران. ولكن، لم تنتهي الصدف هنا، فقد اعتُقل كلاهما داخل قاعدة أكنجي الجوية بعد إحباط محاولة الانقلاب، فضلا عن أنهما أفادا للمحكمة بقدموهما للبحث عن قطعة أرض في أطراف القاعدة العسكرية من أجل شرائها. يا لها من صدف! من جانب آخر، أظهرت كاميرات المراقبة باتماز وهو يتجول داخل أروقة مبنى طياري طائرات الإف-16 في قاعدة أكنجي العسكرية ليلة الانقلاب. يا تُرى ماذا كان يفعل مدني يرأس إحدى كبرى الشركات القابضة داخل قاعدة عسكرية؟ 

تُظهر المشاهد كمال باتماز وهو يتجول بأريحية داخل أروقة مبنى القاعدة العسكرية، ويفشي السلام على العناصر الانقلابية وكأنه يعمل بجانبهم. ولكن لم يكن هو المدني الوحيد داخل أروقة ذلك المبنى، حيث أظهرت الكاميرات تجول مدني آخر داخل أروقة المبنى يُدعى هارون بينيش. يحمل بينيش شهادة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة بيلكنت، التي تُعتبر إحدى أفضل الجامعات التركية. وقدم مشروع بعنوان "حكاية نجاح الشرطة الجنائية المخبرية" كرئيس لشركة "سرعات" التقنية خلال مؤتمر لوتس الخامس في إسطنبول سنة2001. والجدير بالذكر أن شركة "سرعات" التقنية تعود لشركة كايناك القابضة التابعة لتنظيم غولن.

في الواقع، عمل بينيش في مجال قواعد التنصت العدلي التابع لوزارة الاتصالات التركي خلال الفترة الفاصلة بين سنتي 2010 و2013. وعُرف عن بينيش بأنه المهندس المؤسس لقواعد التنصت في تلك الوزارة. وسنة 2014، اتهم بعمليات تنصت خارجة عن القانون طلبت على إثرها المحكمة منه تقديم إفادة متعلقة بالقضية. وهناك صدفة أخرى تجمع بينيش بأوكسوز و باتماز في قاعدة أكنجي العسكرية، حيث اعتقل على إثرها ثلاثتهم ليلة الانقلاب الفاشلة. وبينما يقبع باتماز وبينيش خلف القضبان، فر أوكسوز واختفى بعد إطلاق سراحه لعدم توفر الأدلة الكافية لاعتقاله.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مدنيون آخرون من المحسوبين على تنظيم غولن، كانوا أيضاً في منتصف الأحداث الجارية ليلة الانقلاب. منهم هارون شاهين وسيف الله غينج. وقد شغل شاهين سابقاً منصب المدير التنفيذي لشركة "سرعات" التقنية المسؤولة عن تركيب كاميرات مراقبة في جميع أزقة مدينة إسطنبول. ثم انتقل بعدها للعمل في شركة كايناك القابضة.

وشغل سيف الله غينج سابقاً منصب مدير مكتب الاتصالات والمراقبة، في إحدى كبرى شركات الإسمنت في تركيا، قبل أن يعمل بجانب هارون شاهين في شركته الخاصة.

في الحقيقة، تمثلت مهمة الاثنان ليلة الانقلاب بالإضافة لأشخاص آخرين من المنتسبين لتنظيم غولن، في السيطرة على شبكة ديجيتورك الإعلامية وقناة تي آر تي الرسمية لمساعدة الانقلابيين من خلال الإعلام. فضلا عن ذلك، كانوا بجانب العناصر العسكرية، الذين أجبروا مذيعة قناة تي آر تي على قراءة بيان الانقلاب بعد اقتحام مبنى القناة والسيطرة عليه. 

وكان من بينهم أيضا مهندس الحاسوب أونور ديميرجان. وتجدر الإشارة إلى أن  ديميرجان تخرج من جامعة الشرق الأوسط في أنقرة، التي تُعد من إحدى أقوى الجامعات التركية في تخصص هندسة الحاسوب. وحصل على شهادة الدكتوراه في تخصص أنظمة الإدارة المعلوماتية من نفس الجامعة. وعمل بعدها في شركة هافيلصان التي تقدم الخدمات الدفاعية والجوية للقوات المسلحة التركية.  أظهرت كاميرات المراقبة في مبنى قناة تي آر تي اقتحام ديميرجان لمبنى القناة بجانب العناصر الانقلابية وبمشاركة مدنيين آخرين.

والجدير بالذكر أن ديميرجان استخدم حقه بالإجازة في الفترة ما بين 15 و29 تموز/ يوليو، واختفى بعد ظهور مشاهد كاميرات المراقبة التي تُثبت وجوده بجانب العناصر الانقلابية. فضلا عن ذلك، استقال من عمله في شركة هافيلصان، حيث قدم استقالته عبر البريد الالكتروني. والمثير للاهتمام أن المدنيين الموالين لتنظيم غولن لم يكونوا الوحيدين الذين شاركوا العناصر الانقلابية في تلك الليلة. فقد ظهر بعض أفراد الشرطة، الذين أُقيلوا من مناصبهم بعد عملية تطهير المؤسسات من تنظيم غولن، والتي بدأتها الحكومة التركية سنة 2014. ومن بين هؤلاء العناصر في سلك الشرطة، نذكر مدحت أيناجي، أحد أفراد الشرطة الذين شاركوا في إخماد مظاهرات جيزي بارك لسنة 2013، واتهم حينها بإفراطه في استخدام الغاز المسيل للدموع.

أُقيل مدحت أيناجي من منصبه سنة 2014 لورود معلومات تُشير لارتباطه بتنظيم غولن، وعاد بعدها لصفوف قوات الشرطة بقرار من المحكمة دون أن يُعيّن في أي من المجالات. كان أيناجي يرتدي بزة قوات الشرطة داخل إحدى الدبابات العسكرية، التي جاءت للسيطرة على مديرية الأمن العام في مدينة إسطنبول ليلة الانقلاب. طرد الشعب التركي أيناجي مع العناصر الانقلابية بدباباتهم تلك الليلة، وحالوا بينهم وبين السيطرة على مديرية الأمن العام في إسطنبول. 

كانت كلية أنافارتالار من بين إحدى الكليات، التي تُقدم تخفيضات كبيرة لأبناء العساكر. ويتولى رئاستها هاكان جيجيك، الذي قُبض عليه في قاعدة أكنجي العسكرية. وفي إفادته التي تقدم بها للمحكمة قال، "جئت لزيارة أحد أولياء أمور الطلاب الذين يدرسون في الكلية التي أتولى رئاستها". 

ولكن، تم الكشف عن خطة تنظيم غولن المتمثلة في إرسال أبناء العساكر من المنتسبين لتنظيم غولن إلى تلك الكلية، وبناءً على ذلك أغلقت السلطات التركية تلك الكلية. والجدير بالذكر أن وثائق المحكمة كشفت عن أن هاكان جيجيك قد رافق كمال باتماز وعادل أوكسوز إلى الولايات المتحدة. وفي إفادته المتعلقة بذلك، أكد هاكان جيجيك أن كل ذلك محض صدفة.

من جهة أخرى، هناك حساب على موقع التواصل الاجتماعي توتير يحمل اسم "التحليل الحربي" يُشارك متابعيه الذين وصل عددهم إلى حوالي 40 ألف مشترك معلومات أمنية وعسكرية مهمة وخطيرة تتعلق باشتباكات العناصر الأمنية التركية مع عناصر حزب العمال الكردستاني ومعلومات تنتقد فيها الحكومة التركية في تعاملها مع المسألة السورية. 

وفي صباح 15 تموز/ يوليو من سنة 2016، أي يوم محاولة الانقلاب، نشر الحساب تغريدة تكهنت بالمستقبل السياسي في تركيا جاء فيها: "ستعود العلاقات التركية السورية إلى سابق عهدها خلال شهرين، وسيعود اللاجئون السوريون إلى موطنهم، وستُقطع المساعدات التي تُقدمها تركيا لحلفائها".

في ليلة الانقلاب، وأثناء بدء العمليات العسكرية للانقلاب، نشر الموقع تغريدة لأحد متابعيه قال فيها: "لقد عينوني قائد للأحكام العرفية، إن لم يُعجبك هذا تنحى عن طريقي".

في صباح اليوم التالي لعملية الانقلاب، أُلقي القبض على قائد الأحكام العرفية، الذي اتضح أنه يتبع المجموعة الانقلابية في منطقة نيفشهير- كيرشهير بعد دخوله في اشتباك مع قوات الشرطة. 

تبين بعدها أن هذا الشخص ويُدعى عمر كولاج هو صاحب حساب "التحليل الحربي" على موقع تويتر. 

إن الأخ الأكبر لعمر كولاج، حسن كولاج، الذي يعمل كرئيس لدائرة الدعم اللوجستي للقوات البحرية، كان أيضا من بين الذين قُبض عليهم في قاعدة أكنجي الجوية في مدينة أنقرة. كما لهما، أخ آخر يعمل في سلك القضاء، حسين كولاج، الذي اعتقل هو الآخر لارتباطه بتنظيم غولن. في الواقع، شكل هؤلاء الأخوة الثلاث، عينة مثالية للسبب الذي جعل الحكومة التركية تمارس تطهير المؤسسات المدنية، وليس المؤسسات العسكرية فقط من الأفراد المنتسبين لتنظيم غولن بعد إفشال محاولة الانقلاب. وهناك أمثلة أخرى أيضاً.

2- من هم الأشخاص الذين طُهّرت المؤسسات المدنية منهم بعد محاولة الانقلاب؟

كمال إشيكلي، عمل في مؤسسة التنظيم والتفتيش البنكية الرسمية لمدة 15 عاماً، ويحمل شهادة اختصاص في مجال إدارة المخاطر. وكانت له وظيفة أخرى تتمثل في " الأخ الأكبر" للمنتسبين لتنظيم غولن في قوات الضفادع البشرية، التابعة للقوات المسلحة التركية. وفي هذا الإطار، قال في إفادته أثناء التحقيق معه،

"أعرف ضباطا كثيرين في قوات الضفادع البشرية، منهم الضابط مراد فرات واسمه الحركي "معراج"، والضابط دانيشان واسمه الحركي "عمر"، والضابط حمدي جيبلاك واسمه الحركي  "أونور"، والضابط فاتح كايا واسمه الحركي "حمزة"، والضابط موتلو فيريك واسمه الحركي "مراد"، والضابط عرفان ألتونتاش واسمه الحركي "اسماعيل". كان هؤلاء الضباط يزورونني في بيتي وكنا نتلوا القرآن، ونصلي ونتحدث في الأمور الدينية، لم نكن نتحدث في أي أمور سياسية. وهؤلاء الأشخاص لا يعرفون أسماء بعضهم الحقيقية".

محترم جول، موظف إداري يحمل شهادة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي وبدأ عمله كمهندس طيران في القوات المسلحة التركية. وبعدها، شغل منصب مساعد رئيس شركة المعلومات والاتصالات التركية المسؤولة عن شبكات الهاتف المحمول. ويشغل ذلك المنصب منذ سنة 2001. وقد شارك في العديد من المؤتمرات وقدم العديد من المشاريع خلالها. بعد محاولة الانقلاب، أصدرت المحكمة قراراً باعتقاله ولكنه توارى عن الأنظار بعد فشل محاولة الانقلاب مباشرة. 

في الحقيقة، إن السبب الرئيسي الذي دفع المحكمة إلى إصدار قرار باعتقال جول، يتمثل في ورود اسمه في الإفادة التي تقدم بها أحد العناصر الانقلابيين أثناء التحقيق معه، ويدعى حيدر هاجي باشالي أوغلو. وقد أفاد هاجي باشالي أوغلو بأن جول هو مسؤوله المباشر في تنظيم غولن، حيث قال هاجي باشالي أوغلو، "عندي تعييني في أنقرة سنة 2010، تعرفت على محترم جول وكان يحمل اسم حركي يدعى " تورغوت"، كان هذا الشخص هو مسؤولي المباشر داخل تنظيم غولن طيلة خمس سنوات.

وأفاد الضابط أيضاً أنه علم بنبئ الانقلاب قبل وقوعه أثناء زيارته لبيت محترم جول، حيث قال، "أفاد لنا محترم جول مساء يوم 14 تموز/ يوليو 2016 بأنه سيكون في اليوم التالي عمليات عسكرية بتعليمات من زعيم تنظيم غولن، فتح الله غولن. وعبر عن تلك العمليات بمشاعر جياشة أثرت فيّ شخصياً".

مصطفى كوجيغيت، رغم صغر سنه، كان يشغل أحد المناصب الحساسة في الدولة. وهو متحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة أنقرة، وأكمل دراسته العليا في جامعة ميشيغان الأمريكية في نفس التخصص. كما عمل في مشروع دراسات إصلاح المؤسسات التركية بين سنتي 2009-2010. وشغل بعدها منصب في إدارة الموارد البشرية في رئاسة الوزراء.

 ولكن، لديه وظيفة أخرى كُشف عنها من إفادته أثناء التحقيق، حيث قال، "طلب مني شخص يُدعى سلمان تابع لتنظيم غولن متابعة أعمال المهندسين في دائرة المعلومات التابعة لرئاسة الوزراء، وكان سلمان يتحدث معي من خلال هاتف عمومي، وكنّا نتحدث خارج مبنى رئاسة الوزراء. وأعطاني سلمان تعليمات للتواصل مع شخص يُدعى براق، الذي يعمل في دائرة المخابرات المركزية. كنا نتحدث مع بعضنا من خلال برامج التواصل مثل "بايلوك، وتانغو، وإيجل". طلبت من براق وشخص آخر يدعى هاشم إعطائي معلومات قد تفيدنا من دائرة المخابرات المركزية. وبناءً على ذلك كان يقدم كلاهما المعلومات على أقراص مدمجة وذاكرة فلاش، وكنت أستلمها منهم إما في بيوتهم أو في أماكن مفتوحة، ثم أسلّمها لشخص يُدعى فرقان".

وفي السياق نفسه، أضاف كوجيغيت، "يوم 15 تموز/ يوليو 2016 قال لي شخص يدعى صلاح الدين عبر أحد برامج التواصل، "على مهندسي دائرة المخابرات الذين تتواصل معهم أن يجدوا طريقة للمكوث في مقر المخابرات مساء هذا اليوم". وقمت بدوري بطلب ذلك من الأشخاص الذين أتواصل معهم هناك. بعد معرفتي نبأ الانقلاب، كتبت لهم بضرورة حماية دائرة المعلومات داخل مقر رئاسة الوزراء. بناء على ذلك، تحرك عدد منهم لحماية تلك الدائرة، ولكن قُبض عليهم في منطقة قريبة من دائرة المخابرات. كان برنامج التواصل "تانغو"، آخر برنامج للتواصل استخدمناه، وكان يستخدمه ما يقارب 30 ألفاً من التابعين للتنظيم. أنا نادم على ما قمت به. كنت أعلم أن تلك المعلومات التي نقلتها هي معلومات حساسة تخص الدولة".

نقل المتعلم الشاب مصطفى كوجيغيت معلومات حساسة لعناصر تنظيم غولن، وشارك في التحضيرات التي سبقت عملية الانقلاب بتوجيهات من المسؤولين المباشرين عنه داخل تنظيم غولن. كان أعضاء تنظيم غولن يتواصلون مع بعضهم من خلال برامج التواصل مثل "بايلوك" و"وايجل". والجدير بالذكر أن تلك البرامج طورها مهندسو تنظيم غولن ولا يُسمح لأحد باستخدامها سواهم. فقد كان لكل شخص منهم اسم خاص ورقم سري خاص به في ذلك البرنامج.

في الواقع، ساعدت المعلومات التي حصلت عليه أجهزة الاستخبارات التركية من هذه البرامج في تحديد العديد من المنتسبين لتنظيم غولن واعتقالهم. ولكن، لم يكن جميع المنتسبين لتنظيم غولن، الذين علموا بأمر الانقلاب قبل وقوعه، كتومين بشأن الأسرار التي بعهدتهم، حيث أشار بعض الصحفيين التابعين لتنظيم غولن لخطة الانقلاب.

3- صحفيي تنظيم غولن الذين أشاروا إلى الانقلاب قبل وقوعه:

عثمان أوزصوي، بروفيسور في علم السياسة وهو من أتباع تنظيم غولن المعروفين، يعيش في كندا وعمل في القنوات التابعة للتنظيم كمحلل سياسي. شارك في برنامج سياسي بثته قناة زمن الحرية بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2016 أي قبل وقوع محاولة الانقلاب بشهر واحد. وقال ما يلي:

" هناك أيام جميلة قادمة، أتمنى لو كنت ضابط في القوات المسلحة عوضا عن كوني أكاديمياً، كنت سأقدم أكثر في هذه المرحلة". وبعد سؤال المذيع له عما سيقدمه لو كان ضابطا، قال أوزصوي، "قلت تلك الجملة ولن أكررها، لو كنت ضابطاً عسكرياً كنت سأقدم أكثر".

فاروق ميرجان، عمل في صحف "زمان"و"اليوم" وفي مجلة "الحدث" التابعة لتنظيم غولن. كما ألّف سنة 2009 كتاباً تحدث فيه عن السيرة الشخصية لزعيم تنظيم غولن، فتح الله غولن. وقبل وقوع عملية الانقلاب بخمسة أشهر، نشر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، قال فيها، "لم تعش تركيا أحداث دموية وعسكرية مماثلة منذ 12 أيلول/ سبتمبر سنة 1980. إن تعيش تركيا أوقات عصيبة حقيقية".

 

 

تونجاي أوبجين، عمل أيضا في صحيفة "زمان"و "اليوم" وفي مجلة "الحدث" التابعة لتنظيم غولن. غادر الأراضي التركية قبل وقوع عملية الانقلاب. ونشر تغريدة على تويتر بتاريخ 13 تموز/ يوليو 2016 أي قبل وقوع الانقلاب بيومين. قال فيها، "سيُعتقل من مهجعه، وسيعدم عند الفجر". 

مصطفى أونال، ممثل صحيفة "زمان" التابعة لتنظيم غولن في مدينة أنقرة. نشر هو الآخر تغريدة على تويتر بتاريخ 13 تموز/ يوليو 2016، أي قبل وقوع الانقلاب بيومين. قال فيها، "انظر ماذا سيحدث...". 

العنصر الأمني السابق إيمري أوصلو، صحفي يعمل لصالح الإعلام التابع لمنظمة غولن، غادر الأراضي التركية إلى الولايات المتحدة سنة 2014 بسبب دعوى قضائية فُتحت ضده ولم يعد بعدها. وقد نشر تغريدة هو الآخر على موقع تويتر قال فيها، "تموز 2016"، وذلك في إطار إجابة عن سؤال أحد متابعيه الذي سأله عن تاريخ عودته للأراضي التركية. 

4- علاقة تنظيم غولن بالجيش التركي على مدى الأربعين سنة الماضية

في آخر انقلاب فاشل في تركيا، الذي قام به طلعت آيديمير سنة 1962، شارك إمام مسجد كان يؤدي خدمته العسكرية في مدينة أنقرة بجانب القوات الانقلابية. كان اسم ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر 22 عاماً، فتح الله غولن. ويتحدث غولن عن نفسه في الانقلاب، الذي جرى في تركيا في ستينات القرن الماضي قائلا، "لم أتحمل أحداث الانقلاب التي جرت خلال الستينات، هربت إلى قريتي وبيتي. قلت لصديقي بأن يوفر لنا سلاحين وقنابل يدوية لنفجر رئاسة الأركان وكنت مصمما على ذلك، وأريد الانتقام منهم. قلت في قرارة نفسي سأعرض خطتي على الشيخ ياشار، حيث قال لي الشيخ ياشار، "يا بني، أريد أن أسألك سؤالاً

إن قمت بقتل هؤلاء هل سيكون من سيحكم بعدهم أفضل منهم؟"، لم أفكر في ذلك قبل تلك اللحظة، قدمت لي تلك الفكرة فائدة كبيرة بعدها".

اعتقل غولن في إقليم الاسكندرون جنوب تركيا سنة ،1962 بعد انتقاده للقادة السياسيين في تلك الفترة خلال خطبة ألقاها هناك. ويكشف لنا غولن أنه حتى في تلك الفترة كان هناك بعض الضباط في صفوف القوات العسكرية التركية يقدمون له الحماية. وفي حيال هذا الشأن أورد غولن، "لن أنسى بطولة السيد نجدت في تلك الفترة، ضابط في القوات المسلحة، و طبيب العيون. فعلى الرغم من منعهم مقابلتي للأشخاص أثناء اعتقالي، تجاوز تلك القوانين ودخل إلى زنزانتي، وعانقني. وهذا ما جعل العساكر الآخرين يتساءلون كيف لضابط مثله أن يقوم بذلك متجاوزاً القوانين. فقال له أحدهم، "أظنك ستعانق مسؤوليك والضباط الأعلى رتبة منك بعد هذا". فأجابهم، "هذا ليس عسكري ذو رتبة، هذا رجل آخر، أستطيع تقبيل قدميه أيضا".

سنة 1971، اعتقل غولن مرة أخرى وعُفي عنه. في تلك الفترة، بدأت مرحلة بناء السكن الطلابي والمدارس الخاصة التابعة له في مدينة إزمير. بعد انقلاب 1980، كان على قائمة المفتش عنهم من قبل السلطات، ولكن لا ننسى أن هناك من يساعده داخل القوات المسلحة، حيث قال، "جاء إليّ عنصران من العسكر ظهيرة يوم الانقلاب قبل وقوعه، وحذروني بحدوث عمليات عسكرية في ذلك اليوم. كانت لدي معلومات بمحاولة الانقلاب قبل وقوعه". أما الأخبار المتعلقة بتشكيل تنظيم تابع لفتح الله غولن داخل صفوف الجيش التركي فقد ظهرت قبل 31 عاماً. فبخصوص هذا الموضوع، نشرت صحيفة "نقطة" اليسارية تقريراً بتوقيع الكاتب روشين جاكير، وجان صان سنة 1986 تحت عنوان "الغولانيّون: المتدينون الذين يتسربون إلى صفوف الجيش التركي".

وفي هذا الصدد، أوردت الصحيفة في خبرها، "أُخرج 66 طالباً من المدارس الحربية التابعة للقوات المسلحة التركية بعد إدانتهم بصلتهم بتنظيم غولن. وقد أثبتت سلطات الجيش عزم التنظيم تشكيل عناصر تابعة له عبر تجهيز الطلبة لامتحانات المدارس العسكرية في المدارس التابعة لها. هناك في مدينة بورصة، طالب متقدم لامتحانات المدرسة العسكرية، ويستمع للمسؤول عنه داخل التنظيم، الذي يقول لمجموعة من الطلبة التي تتجهز لذلك الامتحان، "تحملوا حتى تصبحوا في مواقع حساسة، لا تكشفوا أمركم، أقيموا صلاتكم بأعينكم. سنحكم تركيا في العقد الأول من القرن القادم".

سنة 1992، كتب رئيس دائرة الاستخبارات في مديرية الأمن العام، تونجير ميريج،  عن اختراق عناصر تابعة لتنظيم غولن لمؤسسات الدولة. وحسب التقرير، فإن عناصر تنظيم غولن كانوا في تلك الفترة على صلة  بما يقارب 50% من طلاب كلية الشرطة في مدينة أنقرة، ويتولى شخص مدني في إحدى الجامعات مهمة تشكيل مؤيدين للتنظيم داخل كلية الشرطة.

سنة 1994، كتبت الصحف أن السلطات بدأت التحقيق في وجود عناصر تابعة لتنظيم غولن داخل صفوف القوات البحرية التركية، وأن هناك العديد من الضباط ستخرجهم السلطات من الجيش لصلتهم بتنظيم غولن. وادعت الصحف أن اللقاء الذي جمع فتح الله غولن برئيس الوزراء في تلك الفترة، تانصو جيلار، طلب فيه فتح الله غولن دعم رئيس الوزراء للوقوف في وجه تلك الحملات، التي تستهدف عناصره داخل صفوف الجيش.

في المقابل، كُشف عن فحوى المحادثات التي جرت في ذلك الاجتماع بعد سنوات.  وقد أفاد صاحب جريدة زمان التابعة لتنظيم غولن، علاء الدين كايا، الذي يُعتبر من المقربين لفتح الله غولن، لمجلس التحقيق في الانقلابات العسكرية الذي تم تشكيله في البرلمان التركي في 2012، أن فتح الله غولن قال لرئيس الوزراء تانصو جيلار، في ذلك الاجتماع أن هناك تحركات عسكرية داخل قوات الجيش تستهدف الإطاحة بحكومته. وحاول إثبات ذلك عبر وثائق رسمية، ولكن رئيس الوزراء تانصو جيلار، غضب من حديث فتح الله غولن وقال له، " أرجو منك أن تتحدث بعقلانية".

وفي نفس الإفادة المتعلقة بانقلاب آخر جرى سنة 1996، قال علاء الدين كايا إن فتح الله غولن حذر رئيس الوزراء في تلك الفترة نجم الدين أربكان، من محاولة الجيش التركي القيام بعملية عسكرية للإطاحة بحكومته، وأرسل إليه مقاطع تنصت لقادة الجيش التركي أثناء إحدى الاجتماعات التحضيرية المهمة،  ليثبت صحة ما يدعيه. وهذا يعني أن عناصر تنظيم غولن اخترقوا صفوف الجيش قبل 30 عاماً، حتى أنهم استطاعوا التنصت على قادة الجيش التركي خلال أحد الاجتماعات المهمة.

سنة 1999، نفذت مديرية الأمن العام في مدينة إزمير عملية أمنية اقتحمت خلالها بيوت تابعة لعناصر تنظيم غولن في المدينة، واعتقلت طلاب يتلقون تعليمهم الجامعي في جامعتي أولوداغ ومرمرة، وطلاب يزاولون تعليمهم في المدارس العسكرية، بالإضافة إلى معلم لإحدى الدروس الدينية. وأفرج عن الطلاب المعتقلين بعد التحقيق معهم وتقديم إفادتهم لمحكمة مدينة إزمير.

بعد هذه العملية الأمنية بيوم واحد، غادر فتح الله غولن الأراضي التركية متوجهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي العلاج كما يدّعون. وبعد ثلاثة أشهر من مغادرته الأراضي التركية، نشرت قناة إيه تي في على شاشتها مقطع فيديو يعود لفتح الله غولن أثناء إلقاءه درس ديني سنة 1986 في إحدى الولايات التركية. 

تحدث غولن بشكل صريح في ذلك الفيديو، "وجود أصدقاء لنا في السلك القضائي أو في أي مجال من المجالات الأخرى هو ضرورة قصوى لمستقبلنا الإسلامي، وضمان له. لذلك، لا يجب التعامل مع وجود أصدقاء لنا في المؤسسات التركية والمجالات المهمة كوجود فردي، لأنهم سيكونون ضمان لنا ولمستقبلنا داخل تلك المجالات. وسيكونون نبض وجودنا المستقبلي. وإن لم يستطع الموجودين حاليا في تلك المجالات حماية أماكن وجودهم، فلن يستطيع من يأتي بعدهم حماية وجودهم، أو سنجد صعوبات كبيرة في حمايتهم كما نجد صعوبات في ضمهم لجانبنا حالياً".

بعد الكشف عن تلك التصريحات، رفعت محكمة الأمن العام التركية دعوى قضائية ضد غولن وطلب الادعاء العام اعتقاله. وفي إفادته لإحدى المحاكم الأمريكية، والمتعلقة بنفس قضية 2001، قال فتح الله غولن إن هذا الفيديو "مفبرك وغير صحيح". وفي سنة 2002، ظهرت مقاطع فيديو جنسية للمدعي العام نصرت ديميرال، الذي طلب اعتقال غولن، وأُجبر على الاستقالة من منصبه. ويا لها من صدفة! إذ أن الصحفي الذي سرب ذلك الفيديو الجنسي، أُقيل من مكان عمله أيضاً بعد أن تسرب فيديو جنسي يخصه هو الآخر. في سنة 2003، تأجلت قضية غولن خمس سنوات، وفي سنة 2008، حصل على البراءة من تلك القضية بإجماع المجلس القضائي العام.

5- رسائل تلغرافية تعود للسفارة الأمريكية تتحدث عن تنظيم غولن

في رسالة تلغرافية أرسلها السفير الأمريكي، جيمس جيفري، لواشنطن سنة 2009، وردت محادثة تتعلق باختراق عناصر تنظيم غولن لمؤسسات الدولة التركية، علما بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على علم تام بأن تنظيم غولن يتعدى كونه جماعة دينية، ليكون منظمة تستهدف اختراق مؤسسات الدولة التركية.

وفي هذا الإطار، أفاد السفير الأمريكي في أنقرة إيريك إيدلمان (2005)، "هناك المئات من أتباع تنظيم غولن يخترقون صفوف قوات الشرطة، والسلك القضائي". كما أورد القنصل الأمريكي في مدينة إسطنبول فيكيلي ستيوارت (2005)، "عرض علينا ثلاثة مسؤولين رفيعي المستوى داخل قوات الشرطة التركية، وثائق مكتوبة تتعلق بتنظيم غولن. ويسألوننا فيما إذا كانت وكالة المباحث الفيدرالية الأمريكية تستطيع تقديم وثائق بيضاء متعلقة بالتنظيم أم لا".

 

وفي سياق متصل، بين القنصل الأمريكي في مدينة إسطنبول ديبورا جونز (2006)، "يتهرب المتقدمون لطلب فيزا للولايات المتحدة من الإجابة بشكل صريح عن أهداف زيارتهم للولايات المتحدة وعلاقتهم بتنظيم غولن. وهذا ما يترك علامات استفهام كثيرة لدى موظفي القنصلية، لأن قلقنا هو قلق الشريحة العلمانية في المجتمع التركي".

من جانبه، قال السفير الأمريكي في مدينة أنقرة جيمس جيفري (2009)،"على الرغم من صعوبة إثبات صلة قوات الشرطة التركية بتنظيم غولن، إلاّ أننا لم نجد أي شخص يقول عكس ذلك. هناك أخبار تتحدث عن تسريب عناصر تنظيم غولن امتحانات الالتحاق بقوات الشرطة لعناصرهم. مصادرنا العسكرية المقربة من رئاسة الأركان التركية تفيد بأن عناصر الجيش التركي يعتقدون بسلبية هيمنة الجيش التركي على السياسة التركية في العقود الماضية، حتى أن أعداء غولن داخل الجيش يتمنون الهيمنة على الجيش وتحويل تركيا إلى جمهورية إسلامية كإيران".

وفي ريبورتاج له متعلق بمحاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا،  قال السفير الأمريكي السابق جيمس جيفري، "كلنا ننتظر الأدلة الدامغة، ولكن المؤشرات تشير إلى قيام تنظيم غولن بتلك العملية. والمؤشرات لا تقتصر فقط على تصريحات الحكومة التركية. ويتضح أن من قام بذلك العمل هم مجموعة صغيرة داخل الجيش التركي. حسب معلوماتي، إن عناصر تنظيم غولن اخترقوا قوات الجيش التركي بشكل كبير، كما اخترقوا قوات الشرطة والسلك القضائي سابقاً. وقد شهدت على ذلك خلال فترة عملي كسفير للولايات المتحدة في تركيا. إن ولاء أتباع تنظيم غولن والذين يعملون داخل المؤسسات التركية، هو للتنظيم  وليس للدولة التركية. كذلك، هناك إمكانية كبيرة أن يكون تنظيم غولن هو من يقف خلف انقلاب 15 تموز/ يوليو، ولكن على الدولة التركية إثبات ذلك من خلال القضاء. وبالتالي، علينا أن ننتظر اكتمال المعلومات التي لدينا من أجل معرفة الجهة التي تقف خلف تلك العملية الانقلابية".

6- اعترافات الضباط الانقلابيين المتعلقة بوجود عناصر لتنظيم غولن داخل الجيش

إن الفيديو الذي تحدث فيه غولن عن "وجود أصدقاء له في المؤسسات التركية يُعد ذو أهمية قصوى وضمان للمستقبل"، وقد تسبب في رفع دعوى قضائية ضده، علما بأن غولن تحدث عن مؤسسة ذات أهمية قصوى . وتبين فيما بعد أن تلك المؤسسة التي لم يفصح عنها في تلك الخطبة؛ هي مؤسسة القوات المسلحة التركية.

في الواقع، حافظ عناصر تنظيم غولن على سرية وجودهم داخل صفوف الجيش التركي لدرجة تحدثهم بكلمات مشفرة في الاجتماعات السرية المتعلقة بتلك القضية. وبما أن إدارة الجيش التركي لديها حساسية كبيرة تجاه العلمانية، كان يجب على عناصر تنظيم غولن التعايش مع هذه الظروف لأن القيام بأي عبادة أو تغطية زوجة إحدى العناصر العسكرية لشعر رأسها قد يتسبب في طرده من صفوف الجيش.

 

لذلك، قدم زعيم غولن لعناصر تنظيمه، الذين يعملون في صفوف الجيش التركي، بعض التكتيكات والطرق تحت اسم "التدبير" لتجنب كشف أمرهم. كما قدم بعض الفتاوى الدينية التي تجيز شرب الخمر دون السكر، وعدم ارتداء المرأة لحجابها والصلاة بالأعين دون الحركات الجسدية. وعلل ذلك بوجود هدف سامي وهو نصرة قضية الإسلام من خلال السيطرة على مؤسسة الجيش العلمانية.

وفي هذا الصدد، تحدث أحد الجنود الذين أُقيلوا من صفوف الجيش التركي في السابق بسبب تسريبه لفيديو يخص القوات المسلحة التركية، عن الضابط الانقلابي ليفينت توركان، رئيس الحرس الشخصي لرئيس الأركان التركي، خلوصي أكار، حيث أورد، "كان ليفينت يشرب الخمر ولا يصوم في شهر رمضان، وبذلك كان يُظهر بأنه غير متدين".

فضلا عن ذلك، تحدث توركان عن طريقة انضمامه إلى تنظيم غولن وحياته داخل التنظيم، بعد اعتقاله جراء اشتراكه في عملية الانقلاب الأخيرة.  وحيال هذا الشأن، أفاد توركان، "كنت أتلقى تعليمي الإعدادي في إحدى مدارس مدينة بورصة. وكنت طالبا نجيبا ومتفوقا في دروسه. كنت أقطن في سكن طلابي تابع للمدرسة، وكان هناك شخصان بأسماء حركية "موسى" و "وسيردار" يدرسون في الجامعة ويترددون إلى السكن الطلابي، الذي كنت أقطن فيه. وكنا نصلي سوياً مع الطلاب الآخرين في السكن الطلابي. بعدها، بدأوا بدعوتي وأصدقائي إلى بيت يتبع لتنظيم غولن. سنة ،1989 دخلت لامتحان الالتحاق بثانوية إيشيكلار العسكرية.. في الليلة التي سبقت الامتحان، جاؤوا وقدموا لي الأسئلة، وقد كان "سيردار" هو من أحضر ورقة الأسئلة. وكانت الأسئلة مجابة، على الرغم من أن الأسئلة كانت سهلة وتضمنت مسائل أستطيع حلها. وعلى خلفية ذلك، حفظت الإجابات عن ظهر قلب".

وأضاف المصدر نفسه، "عند دخولي الثانوية العسكرية استمر اللقاء بيني وبين كل من "سيردار" و"موسى"، فكنا نلتقي مرة واحدة كل شهر. كنا نصلي ونتلوا القرآن ونتحدث بأمور دينية، ونطالع كتب ألفها فتح الله غولن. كما علّمني سيردار وموسى الوضوء داخل المرحاض والصلاة بالأعين دون الحركات الجسدية من أجل عدم انكشاف أمري داخل الثانوية العسكرية. ولكنهم، لم يوكل إلي موسى وسيردار أي مهمة خلال وجودي داخل الثانوية العسكرية. وكانت المهمة الوحيدة الانتباه لعدم انكشاف أمري وصلتي بجماعة غولن".

وفي سياق متصل أردف توركان قائلا، "بعد تخرجي من الثانوية العسكرية سنة 1993، دخلت مدرسة المشاة الحربية. صراحة، في تلك الفترة كنت أسأل نفسي العديد من الأسئلة حول الكثير من القضايا، وكانت لدي عشيقات من النساء، وكان هذا سببا في غضب المسؤولين المباشرين داخل التنظيم".

بالإضافة إلى ذلك، تحدث توركان عن نوعية التعليمات التي كان يُقدمها المسؤولون في تنظيم غولن، "المسؤولون المباشرون عني داخل التنظيم كانوا من المدنيين، وكلهم من خريجي جامعات في تخصصات مختلفة، ولهم أسماء حركية غير أسمائهم الحقيقية... كنت اتنصّت باستمرار على رئيس الأركان السابق نجدت أوزال باشا، حيث أضع جهاز تنصت صغير ندعوه "جهاز راديو" في غرفة رئيس الأركان صباحاً و آخذه مساءً. وكان الجهاز يستوعب المقاطع الصوتية لمدة 10-15 ساعة ويحفظها. حصلت على ذلك الجهاز من أحد أتباع التنظيم العاملين في شركة الاتصالات التركية، الذي طلب مني التنصت على رئيس الأركان السابق أوزال باشا. وقال لي إن الهدف من التنصت هو الحصول على معلومات. ولن يكون هناك أي شيء. وبناءً على ذلك، قمت بالتنصت يوميا على رئيس الأركان من خلال الجهاز وتسليمه إلى مسؤولي تنظيم غولن".

بهذا الشكل نستطيع أن ندرك أن عناصر تنظيم غولن داخل الجيش التركي مُجنّدون بشكل خيطي وليس هرمي، أي أن العناصر التي تعمل لصالح تنظيم غولن تتعامل مع عناصر مدنية بأسماء حركية وليس لديها أي معلومات حول العناصر العسكرية الأخرى التي تعمل لصالح التنظيم.  وأضاف توركان، "بعد تغيير رئيس الأركان وتعيين خلوصي أكار خلفاً لأوزال باشا، عُينت كحارس شخصي لأكار وطلب مني مسؤول داخل تنظيم غولن يُدعى "مراد" ترك مهمة التنصت. حينها، علمت أن تلك المهمة أوكلت إلى عناصر آخرين أحدهم يُدعى سرحات والآخر اكنيته شينير ولا أعلم اسمه. هؤلاء الأشخاص كانوا أيضا ضمن الحراسة الشخصية لرئيس الأركان أكار".

وأكد توركان أنه لا يعلم الأسماء الحقيقة للمسؤولين المباشرين داخل تنظيم غولن، حيث قال، "كان مراد وصلاح الدين وعادل من الأشخاص الذين أتعامل معهم، أعرف عنوان بيت مراد فقط، ولا أعلم أي شيء آخر ولا حتى أسماءهم الحقيقية". في الواقع، أكد هذه السرية التي تُحيط بأعضاء تنظيم غولن، ضابط معتقل في قضية الانقلاب أيضا، يُدعى حيدر هاجيباشالي أوغلو، حيث قال،  "لا تعلم زوجتي أنني منتسب لتنظيم غولن، ولو علمت ذلك لأخبرت عني الجهات الأمنية لأنها ذات أفكار يسارية، وعائلتها من أتباع حزب المعارضة الجمهوري. كانت دائماً تحدثني عن مدى كرهها لتنظيم غولن وزعيمه فتح الله غولن".

وفيما يتعلق بكيفية وصول تعليمات القيام بعملية انقلاب للحارس الشخصي لخلوصي أكار، ليفينت توركان، أقر توركان، "علمت بنبئ الانقلاب الساعة العاشرة صبيحة، يوم 14 تموز/ يوليو 2016،حيث دعاني مستشار رئيس الأركان أورهان يكيلان، إلى التدخين خارج مبنى الأركان، وقدم لي المعلومات المتعلقة بذلك. وأعطاني تعليمات حول وظيفتي في تلك العملية، التي تتمثل في تجريد رئيس الأركان من مهامه ووضعه تحت المراقبة، وتسهيل عمل القوات الانقلابية. وحسب ما قاله لي، فإنه سيأتي فريق عسكري من القوات الخاصة لاعتقال رئيس الأركان أكار. قبلت بالمهمة التي أوكلها لي يكيلكان دون مناقشة. وذهبت للاستفسار عن تلك العملية من المسؤول عني في التنظيم "مراد".

  عادة قبل الذهاب إلى بيت مراد، نتحدث مسبقاً ونتفق على موعد للقاء، ولكن لأني رأيت الأمر ضروريا بعض الشيء ذهبت دون أخذ موعد مسبق منه. عند وصولي إلى ذلك البيت وجدت صلاح الدين وعادل ولم أجد مراد، على الرغم من أن البيت هو لمراد كما قيل لي. صلاح الدين وعادل هم مسؤولون ذوو مرتبة أعلى من مرتبة مراد داخل التنظيم. وبعد سؤالهم عن سبب قدومي لذلك البيت، أجبتهم بأنه ستكون هناك عملية انقلاب في اليوم التالي، وسألتهم إن كانت لديهم أي معلومة حول ذلك؟ ولكنهم غضبوا مني كثيراً وسألوني، من أين لك بهذه المعلومات؟ ومن قال لك ذلك؟ وهل أخبرت أحداً؟  فأجبتهم بأن أورهان يكيلكان هو من أخبرني بذلك، علما بأنهم كانوا يعرفون أورهان يكيلكان شخصياً.

وحذروني مراراً وتكراراً بأن تلك العملية سرية للغاية ولا يجب لأحد أن يعلم عنها أي معلومة قبل وقوعها. ولم يقدموا لي أي معلومة أخرى ولا حتى فيما يتعلق بالمهمة الموكلة لي. بعد انطلاق عملية الانقلاب وسماع الأنباء التي تتحدث عن إلقاء القنابل وسقوط الضحايا، بدأت أشعر بالندم. كانت تلك الليلة دامية، فقد ارتكب أولئك الذين كنت أظنهم يعملون لصالح دولتهم مجزرة بحق أبناء شعبهم. في صباح اليوم التالي لعملية الانقلاب، امتلأت أروقة مبنى رئاسة الأركان بالعساكر الذين شاركوا في عملية الانقلاب وكانوا يتحدثون فيما بينهم عن فشلهم ونيتهم تسليم أنفسهم. في الحقيقة، أنا نادم حقاً على ما اقترفته، وليس على ذلك فقط بل على كوني عضوا من أعضاء تلك المنظمة".

من جانب آخر ، أفاد مدير شعبة الاستخبارات العسكرية في قوات الدرك، بعلمه بنبئ الانقلاب قبل يوم من حدوثه، من مسؤولين مدنيين داخل تنظيم غولن. وفي هذا الإطار، أفاد "لأن السرية هي الأساس داخل تنظيم غولن، لم أتعرف إلى أي شخص عسكري داخل القوات المسلحة يتبع تنظيم غولن حتى اقتراب مرحلة التخطيط للانقلاب العسكري. جاء يوم الأربعاء شخصان إلى بيتي، فقال لي أحدهما ويدعى خليل، إن التنظيم جهز قائمة بأسماء ثلاثة آلاف عنصر داخل قوات الدرك من أتباع التنظيم، وأعداد أخرى ممن سيقدمون الدعم في ليلة الانقلاب. كما قدم لي معلومات تفيد بنية الإدارة العسكرية في قوات الدرك، إقالتي من منصبي في الفترة القادمة. ذهبنا بعدها إلى حديقة بجوار المنزل، والتقينا بمدير شعبة الموارد البشرية في قوات الدرك، ويدعى سليمان كاراجا، و قائد قوات الدرك في منطقة التنداغ ويُدعى مراد. حينها، أوكل لي مهمة السيطرة على محطة البث الإذاعي والتلفزي في أنقرة توركسات".

ولكن، من هم المسؤولون المدنيون الذين ارتبط بهم هؤلاء الضباط؟

كان محمد أوصلو مسؤول مدني في جماعة فتح الله غولن، على علاقة بأحد الأسماء المتورطة في الانقلاب، وهو الضابط ليفينت توركان رئيس الحرس الشخصي لرئيس الأركان خلوصي أكار. وكان الاسم الحركي لأوصلو هو "مراد"، علما بأنه شغل منصب موظف مدني في إدارة السكرتارية الخاصة لرئاسة الوزراء. قام أوصلوا بتسليم أسماء الضباط المرتبطين به واسم المسؤول المدني داخل تنظيم غولن الذي يرتبط هو به. والملفت للانتباه، أنه لا يعرف الأسماء الحقيقية لبعضهم، حيث قال أوصلو:

"يعمل كل من المقدم ليفينت توركان، صاحب الاسم الحركي مراد، والرائد محمد أككورت صاحب الاسم الحركي رمضان، والرائد فاتح صاحب الاسم الحركي آدم ولا أعرف كنيته، والنقيب صاحب الاسم الحركي يوسف ولا أعرف اسمه الحقيقي، وضابط اسمه الحركي رؤوف ولا أعرف اسمه، داخل مقر رئاسة الأركان..." ومن خارج المؤسسة العسكرية أعرف شخص ذي اسم حركي يُدعى صلاح الدين ويقيم في تشوكورامبر. المسؤول الذي يرتبط به صلاح الدين هو صاحب أعلى مرتبة لشخص أعرفه داخل تنظيم غولن..."

وبالتالي، تثبت إفادة  أوصلو تثبت نظرية تنفيذ تنظيم غولن الانقلاب من خلال شبكة من أتباعها المدنيين. "قبل تاريخ 15 من تموز/ يوليو بيوم واحد، أي يوم الخميس جاء الى منزلي صلاح الدين والتقى بمجموعة من الأشخاص في بيتي دون علمي، أخبرتني بذلك زوجتي بعد أن عدت إلى المنزل، حتى أنها قد غضبت مني كثيراً بسبب ذلك. وفقا لما شرحته فقد جاء صلاح الدين لوحده أولاً، واستأذن من زوجتي قائلا "هل يمكنني استخدام الصالون؟" وعندما جاءت زوجة أخي إلى جانب زوجتي دخلتا إلى المطبخ وأغلقتا الباب. لذلك، هي لا تعرف مع من جلس صلاح الدين وبمن التقى. وقالت زوجتي إنه وبعد قدوم صلاح الدين إلى المنزل، سمعت جرس الباب يرن عدة مرات. عادة لا يأتون عندما لا أكون في المنزل. مما يعني أنه كان هناك أمر عاجل، مما جعلهم يجتمعون في منزلي قبل محاولة الانقلاب بيوم واحد... لا أعرف بالضبط من أتى إلى المنزل".

أما بالنسبة للمعلومات التي أدلى بها ضابط من رتبة رفيعة، يدعى كوزغون، لقاضي الجمهورية في إزمير، بيركانت كاراكيا، فقد عقد اجتماع الانقلاب المعقد في أنقرة، داخل منزل مسؤول مدني أعلى رتبة منه، ألا وهو عادل أوكسوز.

وفي هذا السياق، شرح أوصلو، "في المنزل الذي كنت فيه في أنقرة، كان هناك من أعرفهم من صفوف الجيش؛ من بينهم  سينان سورير، وعمر فاروف هارمانجق، وعادل أوكسوز، وحقان بيك، اللذين عرفت اسميهما لاحقا. باستثناء هؤلاء، كان هناك شخص، شعره مربوط كذيل الحصان يبلغ من العمر  بين 25 و30 سنة، يجلس في الخلف. في أحد الاجتماعات التي ذهبت إليها في أنقرة، أوكلت إليّ مهمة وضع اللواء البحري، سيردار غولدير، قائد قوات الحماية البحرية تحت المراقبة. وقد سألت معترضا ما إذا  كان  غولدير في منطقة اشتباكات أم لا. فأخبروني أنه سيكون في معسكر الجويين في منطقة أوزديري في مدينة إزمير، حيث أن سأدخل بكل أريحية لأطرق الباب وأقوم بدعوة سيردار غولدير لإخراجه من هناك، وأنني لن أواجه أية مشكلة.

ضمن التحقيقات التي تمت حول تنظيم فتح الله غولن، قام الضابط تشيتين أجار، الذي قدم شكوى لهيئة مكافحة الإرهاب في أنقرة في التاسع من كانون الثاني/ يناير من سنة 2015، بشرح هوية عادل أوكسوز، حيث أفاد بأنه تخرج من كلية الشريعة في جامعة أنقرة، وبعد التخرج أصبح من أحد المسؤولين في التنظيم لفترة طويلة. ويعمل كأستاذ مساعد في كلية الشريعة في جامعة سكاريا. وبعد أن هاجر فتح الله غولن إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح مصطفى أوزجان كمسؤول عام للتنظيم في تركيا، أوكل إلى أوكسوز منصب مسؤول أتباع التنظيم داخل صفوف القوات الجوية. كما سمعت أنه يتكفل الآن بمسؤولية أتباع التنظيم داخل القوات البحرية".

منذ الخامس عشر من تموز/ يوليو وحتى الآن، تم إبعاد 20 ألف و88 ضابطا بسبب مشاركتهم في الانقلاب وانضمامهم لجماعة غولن، وتم تطبيق نفس الشيء على 12 ألفا و 985 موظفا في الشرطة، استنادا إلى معلومات وردت تفيد بتواصلهم مع أعضاء في تنظيم غولن عبر برنامج "بايلوك". ووفق معايير أخرى، تم فصل قرابة 77 ألف من موظفي الدولة الذين ثبت انتماؤهم لجماعة فتح الله غولن. أما 3665 من العساكر، الذين تم فصلهم من الخدمة واعتقل معظمهم، كان لديهم مواقع عسكرية مؤثرة.

فضلا عن ذلك، وقع اعتقال نصف القادة العسكريين في القوات التركية المسلحة بسبب تورطهم في الانقلاب، من بينهم موظفون في القيادة العامة للمخابرات، ومدراء في دائرة التخطيط، وقيادات في القوات البحرية والجوية. كما اعتقل 7 مدراء مكاتب السكرتارية الخاصة برئاسة الأركان بسبب تورطهم في الانقلاب، من بينهم قادة قاموا بتولي مهام قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم أو أنهم معروفون بهويتهم العلمانية.

أثناء الضربة، لم يُطلق سراح القادة داخل تركيا، بل تم اعتقال عدد من القادة ذوي المراتب العليا خارج تركيا وبعضهم نجح في الهرب. وقع استدعاء، 149 ضابطا من الذين كانوا يؤدون مهام الناتو في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان جزء قد بقي خارج تركيا أو فر هاربا دون رجعة. في المقابل، قام المكلف بمهمة الناتو في الولايات المتحدة الأمريكية، الأميرال مصطفى زكي أوغورلو، بطلب اللجوء إلى الولايات المتحدة بعد صدور أمر اعتقال في حقه، نتيجة رفع قضية متعلقة بالفساد والتخابر لصالح جهات أجنبية في مدينة إزمير.

كما استدعيَ رئيس قوة إيساف التركية في أفغانستان، ورئيس حرس رئاسة الجمهورية بين سنتي 2010 و2012 شينير توبوتشو، والقائد جاهد بكر، ورئيس البعثة العسكرية التركية في أفغانستان، بعد فشل الانقلاب إلا أنهم هربوا معا الى دبي وقبض عليهم في المطار وأعيدوا إلى تركيا واعتقلوا. فيما بعد، اتضح أن رئيس الحرس الرئاسي الجمهوري في عهد عبد الله غول ورجب طيب أردوغان، قد عاد من مهمته في كوسوفا لأنقرة ليدير المجموعة التي قامت باحتلال مركز قناة تي ري تي.

أما الحدث الصادم يتمثل في أن أقرب المساعدين العسكريين للرئيس أردوغان، الذين بدؤوا مهامهم سنة 2015 قد ثبت انتماؤهم لجماعة فتح غولن على الرغم من مكافحة الرئيس أردوغان للكيان الموازي داخل الدولة التركية على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.

وفي شأن ذي صلة، أفاد القائد العسكري للانقلاب، عادل خولوصي، الذي اعتقل بعد فشل محاولة الانقلاب أنه بإمكانه جعلهم يلتقون مع قائدهم الروحي فتح الله غولن إن شاؤوا ذلك. وعلى الرغم من أن المجتمع التركي يتسم بالتنوع الفكري، إلا أن هناك أمرا واحدا متفق عليه، وهو أن جماعة فتح الله غولن تقف خلف محاولة الانقلاب.

بعد محاولة الانقلاب بيوم واحد، اجتمع المتحدثون الرسميون للأحزاب السياسية الرئيسية الأربعة في المجلس المتضرر، لإدانة محاولة الانقلاب، وحشد الجماهير في ميدان يني كابي. ولم يتردد ممثلو الأحزاب التي تمثل 87% من الشعب التركي، بالحضور باعتبار أن جماعة غولن تقف خلف محاولة الانقلاب. وقد أطلق على الهيئة، التي تم تأسيسها باقتراح من الأحزاب الأربعة المتواجدة في المجلس للتحقيق في انقلاب الخامس عشر من تموز/ أيلول، اسم  هيئة التحقيق في محاولة جماعة فتح الله غولن الإرهابية الانقلاب سنة 2016.

وفقا لاستطلاعات الرأي التي قامت بها شركات الأبحاث حول الجهة التي تقف خلف محاولة الانقلاب، أي بعد إحباط عملية الانقلاب في تموز/ يوليو 2016، أشارت نتائج شركة آر أو جي للأبحاث بأن  88,2 بالمائة من الشعب التركي يعتقدون بأن تنظيم غولن هو من يقف خلف هذه العملية، فيما بلغت نتائج شركات كل من صونار وآيه آند جي وجلنار، 81 بالمائة و71 بالمائة  و95 بالمائة على التوالي.

نستطيع الآن أن نخمن المكان الذي قصده كل من عادل أوكسوز، وكمال باتماز في الولايات المتحدة الأمريكية، وعادوا منه إلى الأراضي التركية قبل محاولة الانقلاب بيومين. إنه المكان الذي يقع في طريق ماونت أيتون 1857 سايلورسبورغ 18353، في ولاية بنسلفانيا، وهو المكان الذي يقطن فيه قائد الانقلاب فتح الله غولن، الذي قصف البرلمان التركي وقتل 246 شخص من المواطنين الأبرياء.

عن الكاتب

يلدراي أوغور

كاتب في صحيفة تركيا


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس